على مسمارٍ دُق في إحدى أعمدة الخيمة الخشبية من الخارج علّقت آية أبو صفية (45 عامًا) وعاء بلاستيكي أزرق فارغ. الوعاء الذي كان قبل الحرب محورًا صغيرًا لطقس موسمي كامل، يتحول اليوم إلى علامة على غياب أحد أكثر مشاهد عيد الأضحى رسوخًا في الذاكرة المحلية.

في سنوات سابقة، كان هذا الوعاء يمتلئ بلحوم الأضاحي التي تُقسَّم بدقة إلى ثلاثة أجزاء: ثلث للأقارب، وثلث للفقراء، وثلث يُحتفظ به لطبق العيد التقليدي "الفتة الغزاوية"؛ لكن اليوم تمر ثلاثة أعياد متتالية بلا لحم، بلا تقسيم، وبلا رائحة طهي تمتد بين الخيام.

تتحدث أبو صفية عن تحول العيد من مناسبة اجتماعية إلى فراغ ثقيل. رائحة طعام المطابخ التي كانت تملأ الأزقة والحارات صباح العيد اختفت، ومعها طقس تبادل الصحون بين الجيران، أما الأدوات التي كانت تُستخدم للذبح والتقطيع أصابها الصدأ، بينما أصبح المطبخ المؤقت في الخيمة مساحة لانتظار ما لا يأتي.

تختزل تجربتها فكرة أوسع عن الأضحية التي لم تكن شعيرة دينية فقط، بل موردًا غذائيًا أساسيًا يمتد أثره لأسابيع، قبل أن يتلاشى مع توقف دخول المواشي وانهيار قطاع الثروة الحيوانية، لتحل مكانه سلال غذائية محدودة ومعلبات شحيحة.

مع دخول عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي بلا أضاحٍ على سكان قطاع غزة، تتبدل ملامح مناسبة كانت تجمع بين الديني والاجتماعي والاقتصادي في آن واحد. لم يعد الغياب مقتصرًا على الشعيرة؛ وانما امتد إلى شبكة كاملة من العلاقات اليومية: سوق المواشي، عمل الجزارين، حركة العائلات، ودورة اقتصادية كانت تعيد توزيع الموارد داخل المجتمع.

خلف هذه المشاهد الفردية، تظهر أرقام رسمية تعكس حجم التحول. بيانات وزارة الزراعة تشير إلى أن قطاع الثروة الحيوانية في غزة تعرض منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتدمير واسع طال المزارع والحظائر والمنشآت البيطرية ومخازن الأعلاف، ما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من المواشي وانهيار شبه كامل للقطاع.

قبل الحرب، كان موسم الأضاحي في غزة يشكّل دورة اقتصادية متكاملة تتجاوز كونه مناسبة دينية أو استهلاكية. سنويًا، كانت الأسواق تستقبل ما بين 10 إلى 20 ألف عجل، إلى جانب 30 إلى 40 ألف رأس من الأغنام، لتغطية الطلب المرتفع خلال عيد الأضحى. خلف هذه الأرقام كانت تتحرك شبكة واسعة من المزارعين، وتجار المواشي، والأطباء البيطريين، وسائقي النقل، والجزارين، وبائعي الأعلاف، فضلًا عن مئات العمال الموسميين الذين ارتبط دخلهم مباشرة بهذا الموسم.

المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر يوضح أن اختفاء موسم الأضاحي للعام الثالث على التوالي لم يؤدِّ فقط إلى تراجع استهلاك اللحوم، بل تسبب في شلل شبه كامل لقطاع الثروة الحيوانية، الذي كان يمثل نحو 39% من قيمة الإنتاج الزراعي في غزة. ويقدّر خسائر القطاع بأكثر من 220 مليون دولار، نتيجة تدمير الحظائر ومزارع التربية، ونفوق أعداد كبيرة من المواشي، وتعطل سلاسل التوريد والإنتاج المرتبطة بها.

هذا الانهيار انعكس مباشرة على الأمن الغذائي ومستويات المعيشة؛ آلاف الأسر فقدت مصدر دخلها الموسمي، فيما تضاعفت أسعار اللحوم بنسبة وصلت إلى 100% بسبب ندرة المعروض وتوقف دخول المواشي. ومع اختفاء اللحوم الطازجة من معظم الأسواق، اتجه السكان إلى كميات محدودة من اللحوم المجمدة والمعلبات، في تحول غذائي قسري يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي يعيشها القطاع.

على المستوى الاقتصادي، مثّل هذا الواقع خسائر مهولة على مربي المواشي. عبد الكريم الفرا يقف وسط ما تبقى من حظيرته المدمرة في خانيونس جنوب قطاع غزة. ذلك المكان الذي كان قبل الحرب مركزًا لتربية العجول والخراف وتحضيرها لموسم الأضاحي، تحول إلى ركام بعد القصف، فيما نفقت معظم المواشي نتيجة غياب الأعلاف والأدوية البيطرية.

قبل اندلاع النزاع عام 2023، كانت الحظيرة تستقبل تجارًا ومواطنين يحجزون أضاحيهم مبكرًا. أما حاليًا لم تورثه الحرب سوى فراغ مادي ومعيشي، وأدوات مدمرة، ودورة إنتاج توقفت بالكامل، في ظل منع إدخال مستلزمات الإنتاج وصعوبة إعادة البناء.

تاجر المواشي أبو محمد الكفارنة يقول إن موسم الأضاحي في غزة لم يكن مجرد ذروة بيع موسمية، بل دورة اقتصادية كاملة كانت تبدأ من المربين وتمتد إلى التجار والجزارين وباعة الأعلاف وسلاسل النقل، حيث كانت حركة السوق تُبنى على استعدادات تمتد لأشهر قبل العيد.

توقف هذا الموسم للعام الثالث على التوالي لم يوقف الطلب فقط، لكنه فكّك سلسلة العمل التي كان يعتمد عليها، مع تراجع إدخال المواشي وتدمير الحظائر وارتفاع كلفة الأعلاف؛ ما جعل تربية المواشي نفسها خارج القدرة التشغيلية لمعظم العاملين في القطاع.

ويضيف الكفارنة أن خسارته لا تصفها الأرقام بعدما فقد مصدر دخله الموسمي الذي كان يوفّر له استقرارًا طوال العام، ليجد نفسه اليوم أمام سوق شبه متوقف لا يتيح حتى الحد الأدنى من الاستمرار في العمل.

انعكس هذا التحول على الاقتصاد المنزلي للأسر التي كانت تخزّن لحوم الأضاحي لأسابيع بعد العيد، إذ كانت الثلاجات تمتلئ بما يخفف كلفة الغذاء اليومية. اليوم اختفى هذا المخزون، لتصبح الموائد محدودة أو بلا لحوم، في تراجع لأحد أشكال “الادخار الغذائي” المرتبط بالموسم، كما تجاوز الأثر الاقتصاد المنزلي إلى العلاقة مع العيد نفسه، مع غياب طقس كان يجمع العائلات ويتحوّل إلى ذاكرة تتآكل تحت ضغط النزوح وتفكك الأسر.

يروي الحاج أحمد نعيم (65 عامًا) وهو جالس في فرندة بيتٍ آيل للسقوط كانت فيما مضى ساحة استقبال سنوية لعائلته الممتدة، كيف كانت تبدأ صباحات العيد بالذبح، وتتوزع فيها الأدوار من السلخ إلى التقطيع فالتوزين فالتوزيع بين الأبناء والأحفاد، فيما يتحول المكان إلى مشهد جماعي من الحركة والفرح.

يستعيد الحاج نعيم تفاصيل كانت تتكرر كل عام؛ الأبناء يتولون الذبح والتقطيع، الأحفاد يراقبون بين الإثارة والفضول، وهو يتنقل بينهم مازحًا وموجّهًا، قبل أن يتولى توزيع الحصص بحيث لا يبقى أحد دون نصيبه. خمس وستون عامًا مرت، لم يسبق خلالها أن عجز عن تقديم الأضحية لأسرته.

اليوم تبدو الصورة مختلفة تمامًا. العائلة تفرقت بين مراكز النزوح والخيام، واللقاء الذي كان يختصره صباح العيد لم يعد ممكنًا. مع غياب المواشي وارتفاع أسعار ما تبقى منها، خرج الطقس من نطاق القدرة، حتى على من كان يُنظر إليه كـ "عمود العائلة".

يتحدث عن عيد أصبح صامتًا، بلا رائحة شواء، وبلا ضجيج الأحبة الذي كان يملأ المكان. ما تبقى، بحسب وصفه، هو ذاكرة مثقلة بالغياب ورغبة معلقة في اجتماع عائلي لم يعد له توقيت واضح.

على بُعد خطوات، يركض الطفل إياد (6 سنوات) ممسكًا بقطعة كرتون على شكل خروف صغير، يجرّه بخيط قماش بين ممرات الخيام الضيقة. وبالنسبة له "خروف العيد" ليس كائنًا حقيقيًا كما كان لدى الأجيال السابقة، بل دمية على قماشي أو ورقي وحكايات يرويها جده عن زمن آخر.

لم يعش الطفل إياد عيدًا طبيعيًا بالأضحية. آخر مرة كان فيها في الثالثة من عمره، قبل أن تتغير تفاصيل الحياة اليومية في غزة. بالنسبة لجيله، تحوّل الطقس إلى رواية غير مكتملة، بلا حضور حيّ للمواشي أو مشهد الذبح أو حركة الجزارين التي كانت توقظ الأحياء منذ الفجر.

والدته شيماء نعيم تتوقف عند سؤال طفولي طرحه قبل أيام: لماذا لا يأتي الجد هذا العيد بخروف كبير إلى الساحة؟ وهل أغضبوا الخروف حتى لا يعود؟ سؤال لم يجد جوابًا بسيطًا في واقعٍ لم تعد فيه المواشي تدخل إلى قطاع غزة كما في السابق، بعدما منع الاحتلال ما يدخل إلى المعابر وأغلق الطريق أمام واحدة من أبرز طقوس العيد.

بين خيام النزوح ومطابخ فارغة وذاكرة جيل لم يعش العيد بصورته السابقة، يتحول الأضحى إلى مناسبة تمر بهدوء ثقيل. ومع ذلك، يبقى الأمل بعودة الحياة إلى طقوسها السابقة حاضرًا كاحتمال مؤجل، أكثر منه واقعًا قريبًا.