بين محلٍّ صغير تديره امرأة في عمّان، ومدرسةٍ تنتظر ميزانيتها في دمشق، ومصنعٍ يُغلق بابه فجأة في بيروت، ترسم بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة خريطة خطرٍ من مسارين لا يسيران بالسرعة نفسها: صدمة فورية تضرب النساء العاملات في القطاع الخاص خلال أسابيع، وصدمة بطيئة تتسلل عبر ميزانيات الحكومات لتصل إليهنّ خلال أشهر. كلا المسارين يبدأ من نقطة واحدة: نساءٌ يعملن أصلاً بأجورٍ أقل، وحمايةٍ أضعف، وهامش مناورة أضيق.

لم تبدأ هذه القصة بامرأةٍ واحدة، بل بملايين النساء اللواتي كنّ أصلاً يقفن على الحافة قبل أن تندلع الأزمة. فحين اتسع نطاق الصراع في الشرق الأوسط خلال عام 2026، لم يكن الاقتصاد الإقليمي وحده من اهتزّ؛ بل اهتزّت معه أسواق عملٍ هشّة أصلاً، تتركّز فيها النساء في عددٍ محدود من القطاعات المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بموازنات الحكومات وبرامج الرعاية العامة. وحين تصل الأزمة إلى هذه القطاعات، تنعكس آثارها بشكل مختلف وأشدّ حدّة على النساء مقارنة بالرجال — لا لأن الاقتصاد يميّز بينهما عمدًا، بل لأن هيكل سوق العمل نفسه كان غير متكافئ قبل أن تبدأ الحرب أصلاً.

التداعيات الاقتصادية لا تتوقف عند حدود دول النزاع المباشر

لا تقتصر تداعيات الصدمة الاقتصادية الناجمة عن النزاع في الشرق الأوسط خلال عام 2026 على البلدان المتأثرة مباشرة بالنزاع، بل تمتدّ آثارها إلى مختلف الدول العربية عبر ارتفاع أسعار الطاقة، وتقلّص الحيّز المالي، وتعطّل سلاسل التجارة، وضغوط متزايدة على أسواق العمل. ووفق تحليل تقوم به الإسكوا يستند إلى ثلاثة سيناريوهات لتصاعد حدّة الأزمة، فإن الخسارة الاقتصادية الإقليمية قد تبدأ من نحو 63 مليار دولار — أي 1.6٪ من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي — لترتفع إلى نحو 150 مليار دولار (3.7٪ من الناتج) في حال استمرار النزاع لأشهر.
 

هذه الأرقام الكلية تُترجَم مباشرة إلى بشر: يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن ارتفاع معدلات البطالة قد يطال نحو 2.5 مليون شخص إضافي من العمال غير المهرة (بزيادة 3 إلى 4.5 نقطة مئوية في معدل بطالتهم)، ونحو 1.2 مليون شخص إضافي من العمال المهرة (بزيادة 2.5 إلى 3.5 نقطة مئوية). وفي خمس دول فقط — العراق والأردن ولبنان ودولة فلسطين وسوريا — تقدَّر الخسائر المجمّعة في الوظائف بنحو 318 ألف وظيفة، ثلاثة أرباعها تقريبًا (263 ألف وظيفة) يشغلها عمال غير مهرة.

هشاشة مزدوجة كانت قائمة قبل الأزمة: مشاركة منخفضة، وتركّز شديد

قبل أن تندلع الأزمة بسنوات، كانت مشاركة النساء في القوى العاملة بالدول العربية من الأدنى عالميًا أصلاً. في الدول الست المشمولة بالتحليل، تتراوح معدلات مشاركة النساء في القوى العاملة بين 11٪ فقط في العراق و22٪ في لبنان — أي أن الغالبية الساحقة من النساء لم تكن أصلاً جزءًا من سوق العمل حتى قبل اندلاع الصراع الأخير، ما يعني أن اللواتي يعملن يواجهن فرصًا محدودة للانتقال إلى وظيفة بديلة إن فقدن عملهنّ الحالي.

والنساء اللواتي يعملن فعليًا لسن موزّعات بالتساوي على الاقتصاد؛ بل تتركّز أعمالهنّ بشدة في قطاعين فقط: التعليم، وأنشطة صحة الإنسان والعمل الاجتماعي. يستحوذ هذان القطاعان معًا، في المتوسط، على نحو 40٪ من إجمالي العمالة النسائية في الدول المشمولة بالتحليل، بتفاوت يتراوح من 31٪ في العراق إلى أكثر من نصف العاملات في سوريا. وداخل قطاع التعليم وحده، تشكّل النساء ما بين 48٪ و76٪ من إجمالي العاملين، وفي أنشطة الرعاية الصحية والعمل الاجتماعي ما بين 41٪ و70٪.

هذا التركّز القطاعي هو ما يجعل صدمة 2026 مختلفة عن أي تراجع اقتصادي عام: فحين ينكمش الطلب، لا تتوزّع المخاطر بالتساوي بين الرجال والنساء، بل تتّبع مسار تركّز النساء نفسه — نحو القطاع الخاص غير الرسمي من جهة، ونحو الوظائف الممولة من الموازنة العامة من جهة أخرى. وهنا يبدأ المساران المختلفان في الظهور.

العنصر المحوري في تحليل هيئة الأمم المتحدة للمرأة: آليتان متمايزتان، وسرعتان مختلفتان

يميّز التحليل بين مسارين منفصلين لتعرّض النساء لفقدان وظائفهنّ، ولكل منهما جدول زمني مختلف تمامًا. المسار الأول سريع ومباشر: صدمة تضرب القطاع الخاص وغير الرسمي فور انكماش الطلب، إذ تُقلَّص ساعات العمل ثم تُقطَع الوظائف خلال أسابيع. أما المسار الثاني فبطيء ومؤجَّل: تصحيح تدريجي في الأوضاع المالية للحكومات يتسلل عبر الموازنات العامة على مدى أشهر، ليصل في النهاية إلى قطاعات التعليم والصحة والإدارة العامة — القطاعات نفسها التي تتركّز فيها العمالة النسائية.

لعكس المسار الأول، تُقدِّر هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن ما بين 34 ألفًا و56 ألف وظيفة تشغلها نساء في القطاع الخاص عبر العراق والأردن ولبنان ودولة فلسطين وسوريا معرّضة للخطر الفوري، مستندة إلى معامل مرونة متحفظ قدره 0.5 بين انكماش الناتج المحلي وفقدان الوظائف. وفي سيناريو أكثر حدّة، قد يرتفع هذا الرقم إلى نحو 80 ألف وظيفة.

أما المسار الثاني فأخطر على المدى المتوسط لأنه أقل وضوحًا: فحين تتراجع إيرادات الحكومات، لا تُقلَّص الوظائف في القطاع العام بالضرورة بشكل مباشر — فالحكومات في المنطقة تميل إلى امتصاص الصدمات المالية عبر تجميد التوظيف، وتآكل الأجور الحقيقية، وتأخير صرف الرواتب، بدلًا من التسريح الفوري. لكن النتيجة النهائية واحدة: تضييق تدريجي لفرص وصول النساء إلى وظائف مستقرة، حتى في غياب موجة تسريح جماعي واحدة يمكن رصدها برقم واحد.

العمل غير الرسمي: السمة البنيوية التي تفاقم الهشاشة

يضاعف انتشار العمل غير الرسمي من هشاشة النساء أمام كلا المسارين معًا. فالعمالة غير الرسمية — تلك التي تفتقر إلى عقود مكتوبة أو حماية اجتماعية أو ضمانات قانونية — ليست ظاهرة هامشية في المنطقة، بل سمة هيكلية أساسية لسوق العمل. تُظهر البيانات أن ما بين 40٪ و71٪ من إجمالي النساء العاملات في الدول الست يعملن في وظائف غير رسمية، إذ يعمل نحو نصف النساء العاملات في هذا القطاع في دولة فلسطين والأردن والعراق، وتتجاوز هذه النسبة النصف في لبنان، وتصل إلى نحو الثلثين في مصر.

حين يتعرّض الاقتصاد غير الرسمي لصدمة، لا تتوفّر آليات حماية للعاملات والعاملين فيه: لا نظام تأمين ضد البطالة، ولا تعويضات نهاية خدمة يمكن الاعتماد عليها. والأخطر أن هذه العمالة تميل إلى الاستجابة للصدمات الاقتصادية بسرعة وحدّة أكبر من العمالة الرسمية — أي أنها الحلقة الأولى التي تنكسر، لا الأخيرة.

وتُظهر تجربة جائحة كوفيد-19 نمطًا يستحق التوقف عنده: بدلًا من أن يعمل القطاع غير الرسمي كشبكة أمان بديلة للنساء اللواتي خسرن وظائفهنّ الرسمية، انخفضت معدلات العمالة غير الرسمية بين النساء بنحو 2.3٪ خلال عام 2020 — أي أن كثيرات منهنّ لم ينتقلن إلى القطاع غير الرسمي، بل خرجن من سوق العمل بالكامل — في حين سجّلت العمالة غير الرسمية بين الرجال زيادة خلال الفترة ذاتها.

5. ولا تمويل يعيد البناء

فجوة تمويل النساء تتّسع فيما تشتدّ شروط الإقراض

ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية، تميل البنوك إلى تشديد شروط الإقراض ورفع معايير الضمانات، وهي شروط تصيب النساء بشكل غير متناسب أصلاً بسبب عوائق هيكلية سابقة على الأزمة. ففي الأردن مثلًا — رغم أن النساء يمثّلن نحو 25٪ من رواد الأعمال — تواجه الشركات التي تقودها أو تملكها نساء فجوة تمويلية تُقدَّر بنحو 585 مليون دولار، ولا تحصل نحو 45٪ من المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة التي تقودها نساء على خدمات مصرفية كافية، بل لا تتجاوز نسبة المؤسسات التي تتمتع بإمكانية وصول ملائمة إلى التمويل 5٪ فقط.

وحين تُغلق مشاريع صغيرة تقودها نساء بسبب نقص السيولة، لا تنتهي الخسارة عند صاحبة المشروع وحدها؛ فالنقص في الاستثمار في هذه المشاريع يُترجَم مباشرة إلى تقليص فرص العمل التي كانت لتُتاح لنساء أخريات، ما يُغلق أحد أهم المسارات المتاحة لدمج النساء في الاقتصاد الرسمي أصلًا.

جائحة كوفيد-19 كنموذج تحذيري لما قد يتكرر

ليست هذه المرة الأولى التي تتعرّض فيها عمالة النساء في المنطقة لصدمة غير متكافئة. فخلال جائحة كوفيد-19، كانت النساء — ولا سيما العاملات في القطاع الخاص — أكثر عرضة للخروج من سوق العمل بشكل ملحوظ، ما عمّق التراجع في معدلات مشاركتهنّ الاقتصادية، والتي بلغت في المتوسط نحو 20٪ في كل من مصر والأردن والمغرب وتونس.

واللافت أن العمل غير الرسمي لم يشكّل شبكة أمان بديلة للنساء كما فعل مع الرجال؛ إذ انخفضت معدلات العمالة غير الرسمية بين النساء خلال عام 2020، بينما ارتفعت بين الرجال في الفترة ذاتها — وهو نمط يرجّح خبراء أن يتكرر مع الأزمة الحالية، إذ تميل الأسر تحت الضغط الاقتصادي إلى إعطاء الأولوية لاستمرار عمل الرجال حين تتراجع فرص العمل عمومًا، فيما تتحمّل النساء العبء الإضافي لمسؤوليات الرعاية غير مدفوعة الأجر الناتجة عن إغلاق المدارس ومرافق رعاية الأطفال.

أولويات هيئة الأمم المتحدة للمرأة لكل مسار من مساري الخطر

يخلص الموجز إلى أن حماية عمل النساء في هذه المرحلة تحتاج إلى استجابة على مسارين متوازيين — مسار فوري لاحتواء الصدمة السريعة في القطاع الخاص وغير الرسمي، ومسار متوسط المدى لحماية الوظائف الممولة من القطاع العام قبل أن تتآكل تدريجيًا عبر الضغوط المالية.
يحذّر التقرير من أن غياب تدابير سريعة لحماية وظائف النساء خلال هذه الأزمة "لا يهدّد فقط بتآكل المكاسب التي تحقّقت خلال العقد الأخير، بل يقوّض أيضًا المقررات الاقتصادية الكلية الداعمة لتعزيز المساواة بين الجنسين وإدماج المرأة في سوق العمل" — أي أن الخطر لا ينتهي بانتهاء الأزمة الحالية، بل قد يترك أثرًا هيكليًا طويل الأمد إن لم تُتّخذ إجراءات مبكرة.