في اليوم الأول من عيد الفطر، كان من المعتاد أن تنبعث رائحة الفسيخ النفّاذة من نوافذ منازل سكان قطاع غزة. لكن في ربيع عام 2026، وبعد أكثر من عامين من الحرب المدمرة، لم تعد هذه الرائحة مجرد تقليد موسمي، بل تحوّلت إلى تحدٍ حقيقي؛ حتى الخيام تفوح منها رائحة السمك المملح.
في بعض البيوت التي لا تزال واقفة على أعمدة متهالكة، وداخل الخيام الممتدة على طول القطاع المُدمر بنسبة تتجاوز 60%، استقبل السكان اليوم الأول للعيد بسفرة الفسيخ، رغم أن اقتناءه يشكل عبئًا ماليًا على من عدموا الدخل.
كمال الخالدي (54 عامًا) ، وهو أب لثمانية أبناء، قال إن "الفسيخ ليس مجرد وجبة، بل هو بهجة العيد، فبدونه يشعر المرء أن العيد ناقص". لكنه يضيف أن المشهد كان مختلفًا تمامًا العام الماضي وما قبله، حيث لم يكن الفسيخ متوفرًا في الأسواق بسبب شح الإمدادات الغذائية، وإغلاق المعابر، ومحدودية فرص الصيد.
وراء كل وجبة فسيخ، كانت تقف قصة صياد. لكن اليوم، لم يعد البحر مصدر رزق، بل أصبح منطقة موت. فوفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، يعاني قطاع الصيد البحري من انهيار كامل بنسبة 100% بسبب استمرار الحصار البحري الإسرائيلي والهجمات.
قبل الحرب، كان حوالي 4 آلاف صياد يعيلون ما يقرب من 50 ألف شخص. لكن الظروف الحالية جعلت المهنة مهددة بالاندثار، مع ارتقاء 238 صيادًا وإصابة أو اعتقال حوالي 450 آخرين، بالإضافة إلى تدمير واسع للقوارب والمرافق السمكية.
في شوارع مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، التي لا تزال تتعافى من ويلات الحرب، فاحت رائحة السمك المملح مختلطة بانبعاثات مواقد الحطب. يقول محمد الحداد (60 عامًا) : "ما العيد بدون فسيخ؟". ويشير الرجل بيده إلى جيوبه، ويضيف: "صحيح ما في فرص دخل والظروف الاقتصادية صعبة، لكن لا مناص من شراء هذه الوجبة؛ لأنها تشكل رمزًا للحياة التي اعتدنا عليها منذ طفولتنا، واختفت طقوسها نتيجة الحرب اللعينة".
تحاول ماجدة شحادة، التي تجاوزت السبعين من عمرها، المشاركة في تحضير وجبة الفسيخ الصغيرة لعائلتها في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة. تدرك السيدة أن الكمية التي تشتريها لا تكفي كما في السابق. لكنها، كما تقول، تحاول التمسك بالعادة التي علمها إياها زوجها الراحل قبل عقود: "السمك المملح يمسك المعدة"، في إشارة إلى تقليد قديم كان يهدف لتهيئة المعدة لاستقبال حلويات العيد. غير أن المعدة لم تعد هي ما يشغل بال سكان غزة، بل كيفية تأمين أي طعام في الأساس.

في خانيونس جنوب القطاع، تحولت المطابخ المتواضعة إلى ورش صغيرة لإحياء التراث. جواهر حمودة (39 عامًا) ، وهي نازحة من منزلها، تجد في صنع الفسيخ متنفسًا اقتصاديًا. فمن داخل مركز إيواء، قامت بتمليح وتخمير السمك وباعته عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي أسواق المدينة.
وتعتمد صناعة الفسيخ، وفقًا لما قاله الفسخاني محمد عروق في العقد السادس من عمره، على وضع الملح على السمك بكثافة ومن ثم تخزينه بعيدًا عن الهواء لمدة شهر أو أكثر قليلًا، كلٌّ حسب نوعه. وأوضح عروق أن هناك أنواعًا مختلفة من الأسماك تُستخدم في هذه الصناعة، مثل سمك البوري والجرع، مبينًا أن ثمن الكيلو الواحد يختلف حسب النوع، ويتراوح بين 60 و90 شيكلًا.
يجتهد السكان في تخمين أول من أرسى قواعد ظاهرة تناول الفسيخ في أول أيام العيد، لكنّهم لم يجمعوا على شيء. فبعضهم ذهب باتجاه اعتبارها عادة موسمية ترجع فقط ثلاثة أو أربعة عقود للوراء، وآخرون اعتقدوا أنها مرتبطة بتحصين المعدة بعد فترة شهر من الصيام.
وظل الفسيخ حتى وقت طويل منتجًا محليًا، قبل أن يُستورد بفعل الحرب وإغلاق البحر في وجه الصيادين.
ورغم أن اتفاقيات أوسلو منحت الصيادين حق الصيد حتى 20 ميلًا بحريًا، فقد تقلصت هذه المساحة تدريجيًا. وبعد أكتوبر 2023، وصلت أحيانًا إلى 3 كيلومترات. أما اليوم، ومع استمرار الحرب، فقد تقلصت المساحة المسموح بها إلى 800 متر فقط من الشاطئ، وهي مسافة لا تسمح بصيد كميات تجارية مجدية.
ويقول زكريا بكر، رئيس لجان الصيادين، إن منطقة الصيد أصبحت فعليًا "صفر ميل"، حيث البحر مغلق عمليًا. ويضيف أن قضية الصيادين غائبة عن أي اتفاقات أو لجان رسمية، محذرًا من أن استمرار الاستهداف ونقص الدعم قد يؤدي إلى محو مهنة الصيد بالكامل من غزة.
هذه التحديات تأتي في سياق حرب مستمرة منذ أكثر من عامين، أسفرت عن استشهاد أكثر من 72,000 فلسطيني، وإصابة أكثر من 171,000 آخرين، مع تدمير حوالي 90% من البنية التحتية المدنية في القطاع.