تمسك فاطمة جودة (50 عامًا) بهاتفها كما لو أنها تلمس شيئًا غير مألوف تمامًا، تفتح تطبيق "Chat GPT" بعدما شرحت لها ابنتها ذات الستة عشر عامًا أن هناك تطبيقات لأدوات قادرة على الحديث في كل شيء تقريبًا بلا استثناء. تتأمل الشاشة بتردد ممزوج بفضول ثقيل، كأنها تدخل بابًا لم تكن تعلم بوجوده أصلًا.

لم يكن مفهوم أدوات "الذكاء الاصطناعي" حاضرًا في حياتها من قبل. الحرب سحبت من يومها ما هو أهم بكثير: الماء، الطعام، ومحاولة تثبيت حياة صغيرة داخل بيت يتآكل تحت الضغط. في هذا الواقع، يصبح تتبع التحولات التقنية في العالم رفاهية بعيدة، لا مكان لها بين الانقطاع الطويل للإنترنت وبطء الخدمة حين تتوفر أصلًا.

ابنتها تعرّفت إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر صديقاتها في المدرسة، ثم نقلت "الاكتشاف" إلى والدتها. بدا الأمر أقرب إلى دهشة مركبة: هاتف صغير يجيب عن الأسئلة، يصغي للحكايات، ويقدم نفسه في صورة الطبيب والباحث والمرشد. فكرة أن "شيئًا ما" في جهاز محمول يمكنه القيام بكل ذلك، جاءت مثيرة بقدر ما كانت غريبة.

تصف تجربتها قائلة: "اشتري بطاقة إنترنت كل يومين لأحكي مع تشات جي بي تي أعتبره مرشدي النفسي، قرأت أن ذلك خطأ، لكني أشعر بالراحة، لكن في الآونة الأخيرة مع نزوحي لمكان بلا إنترنت أنا محرومة من استخدام الذكاء الاصطناعي، وحالي كحال نساء كثيرات في المخيم لكن الفرق أنهن لا يعلمن شيئا عن تلك التطبيقات".

في غزة، لا يظهر الابتعاد عن تقنيات الذكاء الاصطناعي كخيار. الحرب الإسرائيلية (2023-2025) الممتدة تداعياتها حتى اليوم أعادت ترتيب الأولويات على نحو حاد: البقاء أولًا، وما عداه لاحقًا. بالنسبة لشريحة واسعة من السكان، تشير تقديرات أممية وإنسانية إلى أن الغالبية العظمى تعيش اليوم تحت خط الفقر أو في حالة انعدام دخل فعلي، في ظل انهيار سوق العمل وتوقف مصادر الإنتاج والاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية. لم تتوفر أصلًا المساحة أو الأدوات التي تسمح بمتابعة التحولات الرقمية المتسارعة.

بين النزوح المتكرر، وتعطل التعليم، وانقطاع الكهرباء، يتراجع الوصول إلى المعرفة الرقمية إلى هامش بعيد. وفي هذا الفراغ، يجد كثيرون أنفسهم يكتشفون تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى، في لحظة صار فيها هذا النوع من الأدوات جزءًا اعتياديًا من التعليم والعمل في أماكن أخرى من العالم.

محمد نافذ (47 عامًا) يرفع حاجبيه حين يُطرح السؤال عن الذكاء الاصطناعي. لا وقت لديه لتتبع التطورات التقنية، ولا خبرة تُذكر بعالم الإنترنت. يدخل إلى الشبكة أحيانًا لمشاهدة مقاطع على “تيك توك”، لكن إيقاع الحياة الذي فرضته الحرب أعاد تشكيل اهتماماته بالكامل، لتقتصر على سؤال واحد تقوده الأيام: كيف يؤمّن طعام أطفاله الخمسة.

على بسطة صغيرة في حي الرمال وسط مدينة غزة، يرتب حبات الشوكولاته وعبوات الكولا، ويقول: "اقتصر وجودي على الإنترنت لمتابعة تحويلاتي البنكية من عملية البيع والشراء، ولا أعرف كيف يمكن التعامل مع الذكاء الاصطناعي كل ما أعرفه أن يمكنك الحديث معه، والبحث عن معلومات عن طريقه فقط، وحقيقة لا اهتمام لي بالتطورات التكنولوجية، فهي لا تعنيني".

في الطرف الآخر من المشهد، تقف سما نصار، طالبة في الصف الثاني عشر، أمام تجربة مختلفة تمامًا. لم تكن تعرف شيئًا عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، قبل أن تفتح لها صديقاتها في المدرسة باب الأسماء والتجارب. الفضول قادها إلى استعارة هاتف شقيقها لتجربة ما يمكن أن تفعله هذه التطبيقات.

تروي: "وجدت تطبيق "Gemini" عالم آخر، يا لهذا التطور الكبير والرائع! أنا مصدومة من قوة التكنولوجيا، استخدمته لأول مرة في سؤاله عن معلومات بدراستي، ثم طلبت منه أن يصمم صورتي الشخصية، وأتمنى أن أنجح بالثانوية العامة لأدرس تخصص له علاقة بالذكاء الاصطناعي".

هذا التباين بين مَن يكتشف التقنية للمرة الأولى بدهشة، ومَن لم يسمع بها أصلًا، يعكس فجوة رقمية تتسع في غزة خلال عامين من الحرب. فالكثيرون، خصوصًا من يعيشون على هامش الوصول إلى الإنترنت، وجدوا أنفسهم خارج مسار التطور الرقمي الذي يتسارع عالميًا.

يربط المختص الرقمي سائد حسونة، بين الانقطاع المادي والانقطاع المعرفي في آن واحد. فالنزاع، بحسبه، لا يعطل الأجهزة والاتصال فقط، بل يقطع أيضًا مسار التراكم المعرفي الذي يجعل من التكنولوجيا أداة قابلة للفهم والاستخدام. الوصول إلى الذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، لا يتوقف عند التطبيقات، بل يحتاج إلى بنية كاملة: كهرباء مستقرة، أجهزة مناسبة، اتصال مستمر، وبيئة تعليمية تسمح بالتجربة.

يوضح حسونة: "العالم يتقدم بسرعة في استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما يعيش كثير من الشباب في غزة معركة البقاء الأساسية، وهذا يعني أن جيلاً كاملًا قد يُدفع إلى هامش الثورة الرقمية، لا لأنه يفتقر إلى الذكاء أو الرغبة، بل لأنه يفتقر إلى شروط الوصول".

داخل هذا التصور، لا تبدو الحلول التقنية وحدها كافية. فالمطلوب، بحسبه، يتجاوز الورشات المتفرقة إلى برنامج وطني ومجتمعي يبدأ من الثقافة الرقمية الأساسية، مرورًا بالسلامة الرقمية، وصولًا إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل.

كما تتوزع مقترحات تشمل إنشاء مراكز رقمية صغيرة داخل المدارس المؤقتة والمراكز المجتمعية، توفير أجهزة مشتركة، تدريب كوادر محلية قادرة على نقل المعرفة، تصميم برامج موجهة للنساء وذوي الإعاقة، وإنتاج محتوى تعليمي منخفض الاستهلاك للإنترنت. وفي جوهر هذه الرؤية، يصبح الاتصال نفسه جزءًا من حق أساسي مرتبط بالتعليم والصحة والعمل، لا خدمة إضافية.

لكن التحذير لا يتوقف عند الوصول. فالاستخدام، في حد ذاته، يحتاج إلى وعي مختلف: الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن التفكير، ولا مصدرًا مطلقًا للحقيقة. التعلم هنا يشمل كيفية طرح الأسئلة، التحقق من الإجابات، حماية الخصوصية، وتطويع التقنية بدل الارتهان لها.

في الإطار الأوسع، تُطرح الحقوق الرقمية بوصفها امتدادًا لحقوق الإنسان الأساسية، وتشمل الحق في الوصول إلى الإنترنت والمعلومات، واستخدام أدوات التكنولوجيا الحديثة، واكتساب المهارات المرتبطة بها، بما في ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتستند هذه الرؤية إلى المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل حق كل إنسان في حرية التعبير، بما يشمل التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها عبر مختلف الوسائل، مع ما يرافق ذلك من التزام بحماية هذا الحق داخل الفضاء الرقمي وخارجه.

المختص الاجتماعي عرفات حلس، يقرأ الأثر من زاوية نفسية أكثر اتساعًا. فالشعور بعدم القدرة على مواكبة العالم الرقمي يولد، بحسبه، إحساسًا متزايدًا بالإحباط والعجز، خصوصًا حين تصبح معرفة أدوات الذكاء الاصطناعي شرطًا للتعليم وسوق العمل.

الإقصاء الرقمي، في هذا السياق، لا يبقى محصورًا في الجانب المهني. انعكاساته تمتد إلى تقدير الذات والشعور بالكفاءة، ما يضيف طبقة جديدة من الضغط النفسي والاجتماعي، ويعمق الفجوة بين الأفراد وأقرانهم في بيئات أخرى.

كما يحمل هذا الواقع على المدى الأبعد، مخاطر تتعلق بتعزيز العزلة وفقدان الأمل لدى فئات واسعة، في وقت تتضاعف فيه الحاجة إلى أدوات معرفية ونفسية تساعد على التكيف مع واقع شديد الاضطراب.

في غزة، لا يظهر الذكاء الاصطناعي كترف تقني أو أداة تعليمية فقط، بل كنافذة تكشف شكلًا آخر من الفجوة: بين عالم يتسارع نحو مستقبل رقمي، وواقع يواجه شروط البقاء اليومية. وبين من يكتشف هذه الأدوات للمرة الأولى بدهشة، ومن لا يعرف بوجودها أصلًا، تتشكل ملامح تهميش جديد لا يقتصر على المادة، بل يمتد إلى المعرفة نفسها.