منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، شهد القطاع تدهورًا حادًا في الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، هذا التدهور قاد إلى زيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية التي يمكن أن تسمح سلطات الاحتلال الإسرائيلية بدخولها إلى غزة تحت الحرب، وغالبيتها تخضع لقيودٍ مشددة.
وفي الوقت الذي تكبد فيه السكان خسائر فادحة نتيجة تدمير ممتلكاتهم ومشاريعهم التجارية وفقدان مصادر أرزاقهم، في ظلّ عمليات التدمير وكذلك التهجير القسري، تفاقم الوضع الإنساني سوءًا بشكل غير مسبوق؛ مما أعجز المواطنين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية.
ترافق هذا الواقع الذي شهد ارتفاعاً حاداً في نسب البطالة تجاوز (80%)، مع الارتفاع الجنوني للأسعار بما تجاوز 300% في بعض السلع الأساسية كالدقيق مثلاً، حتى أصبح الناس في مواجهة مباشرة مع المجاعة. ومع ذلك صُدم الناس من حقيقة بيع المساعدات التي تصل إلى القطاع -على ندرتها- في الأسواق علنًا بأسعار باهظة.
ليست للبيع !
المواطنة منال فهمي (44 عامًا) نزحت من حي الشجاعية شرق قطاع غزة إلى مدينة رفح جنوب القطاع، وأصيبت بعد تنقلها في عدة مدارس (مراكز إيواء) واستقرارها في خيمة مطلع 2024 الماضي، بمرض اليرقان (الصفار) هي وثلاثة من أبنائها.
واحتاجت السيدة في تلك الفترة التي صاحبها فيها المرض لأكثر من شهرين متتالين، اتباع نظام غذائي صحي ومتوازن ومنه عدم تناول النشويات والإكثار من تناول العسل والسكريات الطبيعية، لكن هذه المنتجات لم تكن تتوفر إلا في صناديق المساعدات الغذائية، والتي كانت تصل إلى الأسر النازحة موسومة بملصق (ليست للبيع) أو (Not for sale) باللغة الإنجليزية.
وبينما لم تستفد أسرة منال إلا من إحدى تلك المساعدات خلال فترة مرضها، فيما هي وأبنائها المرضى احتاجوا إلى كمية من منتجات هذه المساعدات اضطرت إلى شرائها من الأسواق بأثمانٍ باهظة حسب وصفها وأكبر من ميزانيتها المتواضعة.
وقالت منال: "بعض هذه المساعدات كانت تُباع في الأسواق، كانت الصناديق ملحقة بتفاصيل الجهة المانحة دون وجود أي شكل من أشكال الرقابة وفي استغلال واضح لحاجة السكان الماسة الذين يعانون المجاعة والفقر على حدٍ سواء".
تشير التقديرات المحلية، إلى أن بعض مسؤولي المؤسسات الإنسانية والتجار المحليين، قد استغلوا الظروف الحالية لتحقيق أرباح غير مشروعة في ظلّ غياب الرقابة الفعّالة من الجهات الحكومية المختصة.
وطبقا للتقديرات المحلية، فإن المساعدات التي كانت تُعتبر حقًا طبيعيًا للمواطنين، تُعرض للبيع لمن يستطيع دفع ثمنها؛ مما فاقم الأزمة الإنسانية وزاد من مستوى انعدام الأمن الغذائي في القطاع.
في هذا السياق، قدّمت منظمات أهلية وتقارير دولية تحذيرات جدية بشأن هذه الظاهرة، داعية إلى ضرورة تعزيز الشفافية والنزاهة في إدارة المساعدات الإنسانية، واتخاذ إجراءات عاجلة لوقف استغلال الوضع القائم في غزة.
ورغم هذه التحذيرات، تظلّ الأسئلة قائمة حول دور الجهات الرسمية في الحد من هذه المشكلة. لماذا لا تُتخذ إجراءات أكثر فعالية لضمان عدالة توزيع المساعدات ووقف بيعها؟ وما هي المسؤوليات الواقعية للحكومة الفلسطينية في مراقبة وتنظيم توزيع المساعدات؟.
بيع الملابس لشراء الاحتياجات
المواطنة "منال" ليست إلا واحدة من مئات الشكاوى التي تفيد ببيع البعض (أشخاص، أو جهات) للمساعدات في الأسواق المحلية، رغم حاجة النازحين الماسة لها. سارة جميل (*) هي الأخرى عانت ظروفًا مُشابهة. وانتظرت سارة وهي أمّ لثلاثة أطفال، أكبرهم مُصاب بشللٍ دماغي، مطولاً لأجل الحصول على مساعدات خاصّة بطفلها المريض، عبر المؤسسة ذات العلاقة، ولكنها منيت بخيبة الأمل.
وفي ظلّ الحاجة الماسة إلى الحفاظات التي ارتفعت أسعارها خلال الحرب الإسرائيلية بشكل غير مسبوق، اضطرت سارة -التي فُقِد أثر زوجها خلال الحرب ولا تعرف له مصيرًا حتى اليوم- إلى شراء هذه السلعة، من عائدات بيع ملابسها الشخصية.
وقالت سارة (29 عامًا) من سكان مخيم البريج وسط قطاع غزة، إنّها نزحت مرات عديدة من بيتها الذي تضرر قليلًا بفعل عمليات القصف المحيطة، وترى أنها من المحظوظين الذين بقيت ممتلكاتهم بحوزتهم كالملابس والأثاث وغيرها. لكنّها في كثير من الأوقات اضطرت إلى بيع هذه الممتلكات عبر صفحات على الانترنت للنازحين من شمال قطاع غزة وغيرهم في ظلّ عدم توفر مصدر دخل لها وتزايد احتياجات أسرتها لا سيما متطلبات طفلها المريض.
اضطرت سارة لشراء حفاظات بمقاييس تتناسب وكبار السن، لأجل توفيرها لطفلها الذي يبلغ من العمر (9 سنوات) عبر البسطات المنتشرة في منطق سكنها، وبأسعار بلغت (120 شيكلًا) ما يُعادل (40 دولارًا) للباكيت الواحد، وهو مبلغ كبير جدًا في ظلّ تفاقم احتياجات أسرتها.
بالقطارة
ومن الواضح أن ازدياد حجم احتياج السكان في القطاع بشكلٍ غير مسبوق للسلع الأساسية، ناجم عن تدّاعيات الحرب التي أفقدت الكثير منهم مصدر رزقه وأصبحوا يعتمدون اعتمادا أساسيا على المساعدات التي تصلّ إلى غزة بـ"القطارة".
يشير مدير مكتب ائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" في قطاع غزة، وائل بعلوشة، إلى أنّ المؤسسات الأهلية الفلسطينية سارعت منذ اللحظات الأولى للحرب الإسرائيلية على القطاع للاستجابة لحاجات المواطنين، وبموازاة ذلك كان من الأهمية بمكان قيام الجهات المختصة بدورها في مكافحة ظاهرة بيع المساعدات، من خلال اتخاذ إجراءات تتناسب مع الظروف الحالية".
وأوضح بعلوشة في سياق حديثه لمراسلة "آخر قصة" أن الائتلاف أصدر العديد من التقارير المتخصصة حول متطلبات العدالة والنزاهة في إدارة المساعدات الإنسانية، بالإضافة إلى عدد من التحقيقات الاستقصائية والحلقات الإذاعية التي تابعت هذا الملف.
فرضت الظروف الإنسانية التي يعانيها سكان القطاع، ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة تشمل تحسين التنسيق بين المؤسسات الأهلية العاملة في مجال المساعدات الإنسانية، وتحديث البيانات الخاصة بالمواطنين بانتظام، وفقًا لما أشار إليه بعلوشة، فضلاً عن ضرورة نشر هذه البيانات لضمان الشفافية في إدارة المساعدات.
بالإضافة إلى أهمية تحسين التواصل مع المواطنين للاستماع إلى ملاحظاتهم وشكاواهم، وزيادة رقابة المؤسسات على سلوك العاملين فيها لضمان عدم التلاعب بالمساعدات.
وتظهر تقارير موثقة تلقتها وزارة التنمية الاجتماعية برام الله، تأكيدًا على أن بعض مسؤولي المؤسسات المحلية أو الدولية العاملة في المجال الإغاثي الإنساني استغلت نفوذها في الحصول على المساعدات الإنسانية التي جاءت للسكان الذين يرزحون تحت ويلات الحرب وعرضوها للبيع في الأسواق، وفقًا لما أشار إليه وكيل الوزارة طه الإيراني.
وبينما اتخذ رئيس الوزراء في الحكومة الفلسطينية محمد مصطفى قرارًا بتكليف وزارتي التنمية الاجتماعية والداخلية باتخاذ كافة الإجراءات والخطوات اللازمة لمتابعة الجهات المتورطة بالتجاوزات وعدم التعاون مع كل مَن يثبت استغلاله معاناة أهالي القطاع. غير أنّ استمرار بيع المساعدات الإنسانية في الأسواق قد يُظهر وجود خلل في آلية التنسيق الممنوح للمؤسسات التي تقوم بذلك من وزارتي التنمية الاجتماعية والداخلية.
تورط بالتربح من بيع المساعدات
وقال الوكيل الإيراني في اتصالٍ هاتفي مع مراسلة "آخر قصة" إنّ وزارته أوقفت التعامل مع إحدى المؤسسات وحوّلت المصوغ القانوني لوزارة الداخلية لاتخاذ الإجراء القانوني بحقها، وذلك بعد وصول معلومات وتقارير حول تورط بعض المؤسسات بالتربح من المساعدات وبيعها في الأسواق.
وألمح الإيراني، إلى أنّ "المؤسسات التي ظهرت حديثًا خلال فترة الحرب فقط، ولم يكن لها مكاتب في الضفة الغربية أو قطاع غزة، هي التي من الممكن أن يكون تظهر عليها بعض التجاوزات أما المؤسسات العريقة في العمل الاغاثي من الصعب أن تنبري عنها مشكلات كبيع السلع".
وعلى الرغم من أن الحكومة اتخذت قرارا بإيقاف مؤسسة واحدة وجمدت علاقتها مع أخرى، نتيجة ارتكاب سلوك غير قانوني يتمثل في بيع المساعدات، إلا أن ذلك لم يشكل رادعاً حقيقياً وبخاصة أن مراسلة "آخر قصة"، قد تأكدت خلال جولة في السوق المحلي، باستمرار عرض المساعدات للبيع.
وعن حقيقة هذا الواقع، قال الإيراني: "لو ترك الموضوع للحكومة ووزارة التنمية لما وُجِد خللا ولكن الجهات الإسرائيلية نفسها هي التي تفرض حصارا وهي التي تُحدد الجهة التي من الممكن أن تعمل".
وينصّ القانون الدولي الإنساني على أن الأطراف المتحاربة يجب أن تسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تعاني من الأزمات أو النزاعات. وتتطلب هذه القوانين أن تُقدّم المساعدات الإنسانية بشكل محايد وغير منحاز، وأن تُرسل المساعدات بشكل فعال إلى المدنيين المتضررين.
كما يشير البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف في المادة 70 منه إلى ضرورة السماح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين أثناء النزاع المسلح، وتشترط أن تتم المساعدات دون تمييز أو تلاعب في توزيعها.
توجهات منحازة
وفقًا لهذه النصوص القانونية، يقول المحامي بلال البكري، إن أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني هو أن المساعدات الإنسانية يجب أن تكون محايدة وغير منحازة، وتُوجه إلى جميع المدنيين المتضررين من النزاع بغض النظر عن انتمائهم السياسي أو العرقي.
وقال البكري: "في حال قيام الاحتلال الاسرائيلي بمنع أو تقييد دخول المساعدات إلى المدنيين في قطاع غزة أو تحديد الجهات المسموح لها بتوزيع المساعدات، فإن ذلك ينتهك هذا المبدأ الأساسي، إذ يسمح القانون الدولي بإيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع المدنيين المتضررين من الحرب، ويجب أن تكون هذه المساعدات غير مشروطة أو خاضعة للتمييز.
في الأثناء، عزا الإيراني استمرار وجود ظاهرة بيع المساعدات في أسواق قطاع غزة، على الرغم من جهود الحكومية في رام الله لمحاربة هذه الظاهرة، إلى أنّ جزءًا كبيرًا من المؤسسات العاملة غير مرخصة ما يعني عدم وجود سيطرة من الحكومة عليها خاصّة في ظلّ عدم توفر العدد الكافٍ من الجهات المختصة التي لديها قدرة على التحقق والمتابعة والرصد لديهم.
بالإضافة إلى عدم وجود أجهزة أمنية تنفيذية على أرض الواقع، وفقًا للإيراني، الذي أشار إلى أن هذين السببين صعبا من إمكانية التحقق من أيّ معلومات خاصة في ظلّ ازدياد ما وصفه بالمعلومات الكيدية (غير موثوقة) التي تصلهم.