شارفت السلة الغذائية لسكّان قطاع غزة على النفاد التام مع دخول فصول الحرب عامها الثالث، وهو وقتٌ كان كافيًا ليعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية والنمط الاستهلاكي للعائلات؛ فالقوائم لم تعد تشبه ما كانت عليه قبل عامين، حين كانت موائد العائلات تزدحم بأطباق "المقلوبة" وورق العنب في أيام الخوالي.

أما اليوم يواصل المواطنون تدبير شؤونهم وهم يدركون أن الخيارات باتت محصورة وفق سؤال واحد: ما الذي يمكن تأجيله؟ كاللحوم والدجاج والفاكهة، وما الذي لا يحتمل الانتظار؟ كالخبز، والماء والدواء.

وفي قلب واقع اقتصادي متدهور يفرض نفسه تحت أشعة شمس حزيران الحارة، تحولت سلال المشتريات من مساحة لاختيار الاحتياجات إلى ورقة حساب دقيقة، تُحذف منها البنود واحدًا تلو الآخر لصالح الضروريات القصوى.

تضغط السيدة رويدة بنات (45 عامًا)، من مدينة غزة، على معصمها النحيل، وتقول لـ "آخر قصة" وقد عَلَت في صوتها نبرة من التعب الممزوج بالقهر: "نشتري الضروري جدًا.. جدًا، أما اللحوم فقد شطبناها من قاموسنا تمامًا"، وتوضح أن غلاء المعيشة الفاحش أجبرها على التخلي عن سلع كثيرة كانت تشتريها بشكل طبيعي، والاكتفاء بالضرورات لتلبية حدّ الكفاف لأسرتها.

وتضيف وهي تُعدّد بأصابعها المتشققة من حرّ الأعمال المنزلية اليدوية في الخيمة والماء المالح ما تبقى من بنود في قائمتها: “أصبحنا نفكر أكثر من مرة قبل شراء أي شيء. الأمر لم يعد متعلقاً بالمفاضلة بين جودة منتج وآخر، بل بحساب كل شيكل قبل إنفاقه. إذا اشترينا خضار، نلغي الفاكهة، وأحيانًا نكتفي بما يتوفر في المساعدات بدل شراء أي صنف آخر. حتى الشوكولاتة التي يطلبها الأطفال أصبحت قرارًا يحتاج إلى حساب. تُوزن كل لقمة قبل تقديمها للأولاد الذين يراقبون أحجام الأكياس التي نعود فيها من السوق”.

في إحدى جولات التسوق، تمشي السيدة أميرة الهندي (55 عامًا) بين بسطات الفواكه التي تغص بأصناف شتى، خوخ وعنب وتفاح وبطيخ ومانجا، تتأملها ثم تواصل سيرها دون أن تمد يدها إلى أي منها. تقول: "كل هذه الفواكه أمامنا، لكن أسعارها تجعلها خارج قدرتنا. أصبحت نكتفي بالنظر إليها، أما شراؤها فلم يعد ممكنًا".

وتؤكد أن قائمة المشتريات تقلصت إلى الحد الأدنى، وأن الأسرة تراجع كل عملية شراء قبل تنفيذها، مضيفة وهي تحدّق بعينين متعبتين في ورقة لا تكاد تحمل سوى أسطر قليلة: "كأننا نخوض حرب صغيرة مع الأرقام؛ فاختيار سلعة واحدة يعني أحيانًا الاستغناء عن دواء أو لتر ماء صالح للشرب، في مقايضة يومية مريرة لا تنتهي".

من جانبه، يستعيد اليازجي مواسم الصيف التي كانت تحمل طقوسًا ثابتة للعائلة، فيقول: "كان البطيخ يدخل البيت بالمخال، وفي مثل هذه الأيام من موسم المانجا كنت أشتريها بالرطل لأحفادي دون أن أفكر في ثمنها. أما الفراولة، فلم أعتد تناولها عصيرًا، بل كنت أحرص على شرائها طازجة من مزارع بيت لاهيا. والتين والعنب كنا نأخذهما بالبوكسة من الشيخ عجلين، حتى إن حقيبة السيارة كانت تمتلئ بالفواكه قبل أن نعود إلى المنزل."

يقول اليازجي بغصة: "أكثر ما يؤلمني أن أحفادي اعتادوا سماع كلمة (لا). صار التأجيل هو الرد على معظم طلباتهم، حتى الأشياء البسيطة التي كانت جزءًا طبيعيًا من حياتنا". ويضيف أن أحفاده أصبحوا يفرحون بتوفر أصناف كانت تُعد من بديهيات مائدة الطعام.

ويمسك بكتف حفيده الصغير "أمير"، الذي يسأله ببراءة: "يا سيدي، ليش اليوم كمان ما في دجاج؟". يصمت قليلًا قبل أن يقول: "لا أجد جوابًا يقنع طفلًا". ويشير إلى أن الأسرة تناقش اليوم كل عملية شراء بدقة، بعدما سلبه الواقع الاقتصادي القدرة على أداء دوره معيلًا كما اعتاد طوال حياته.

وفي ظلّ هذه التغيرات التي تعصف بتفاصيل الحياة اليومية، تعكس الأرقام الرسمية الصادرة عن جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني حجم الكارثة؛ إذ سجل مؤشر أسعار المستهلك في قطاع غزة قفزات غير مسبوقة بلغت 37.92% شهريًا. ويشير هذا الرقم إلى تحول إلى سوطٍ يجلد بطون المواطنين في الأسواق، حيث بات الشيكل الواحد يعادل فارقاً بين لقمة مغذية وجوع مستمر.

ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن استمرار الحرب وما نتج عنها من تدمير واسع لمصادر الدخل ونقص حاد في السيولة النقدية، دفع الأسر الغزية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بشكل قاسٍ. ويشير إلى أن الاستهلاك تراجع من التنوع الغذائي إلى مبدأ “الأكثر إلحاحًا”، حيث تقتصر المشتريات على الغذاء الأساسي والدواء، فيما تقلصت السلة الاستهلاكية للأسر بنسبة تتجاوز 80%. 

كما يوضح أن تراجع استهلاك اللحوم والفواكه لا يرتبط فقط بندرتها، بل بارتفاع أسعارها بنسب وصلت إلى 500%، ما أسهم في تدهور الحالة الغذائية وظهور حالات أنيميا وسوء تغذية حاد بين الأطفال، محذرًا من انعكاسات طويلة المدى على الواقعين الصحي والاجتماعي.

يأخذنا المشهد إلى بسطة في سوق الصحابة وسط مدينة غزة المُدمرة، حيث تتحرك جموع البشر بوجوه شاحبة؛ هناك يقف أحمد السوافيري (48 عامًا) خلف بسطته الخشبية، وهو بائع خضار قضى أكثر من عشرين عاماً في هذه المهنة في سوق الشجاعية شرق المدينة.

يقول السوافيري وهو يرتب خضراواته: "كنت أعرف زبائني واحداً واحداً، كل عائلة تشتري بالكيلو والرطل، أما اليوم فأصبحوا يطلبون النُذر اليسير ما يكفي لطبخة يوم أو يومين فقط". ويضيف أن الحركة في السوق تراجعت كثيرًا، مشيرًا إلى تبدل الأسعار الكبير.

ويستطرد السوافيري بأسى وهو ينظر إلى سيدة غادرت بسطته دون أن تشتري: "الأصعب من الأسعار هو ما أراه في عيون الناس؛ كأنهم يعتذرون عن شراء القليل، وكأنهم يخجلون من قلة حيلتهم وفقرهم المستجد".

مقارنةً ببيانات وزارة الزراعة في غزة بتاريخ 27 يونيو 2023، والتي أظهرت أسعارًا منخفضة نسبيًا للخضروات (مثل 2 شيكل للطماطم، و1.5 شيكل للخيار، و2.5 شيكل للبطاطس)، تكشف أسعار 26 يونيو 2026 عن قفزة حادة؛ إذ ارتفع سعر البندورة إلى 10 شواكل، والخيار إلى 10 شواكل، والبطاطس إلى 6 شواكل، بما يعكس تضخمًا كبيرًا في أسعار الغذاء وتراجعًا واضحًا في القدرة الشرائية للأسر.

تتطابق هذه الشهادات والوقائع مع تقارير الأمم المتحدة التي تؤكد أن الأغذية الغنية بالبروتينات والمغذيات أصبحت من الرفاهية الباهظة، مما جعل 79% من الأسر غير قادرة على شراء الغذاء أو الحصول على المياه النظيفة، في حين لا يصل أي طفل إلى الحد الأدنى من التنوع الغذائي، ويعاني ثلثا الأطفال من الفقر الغذائي الشديد. ويواجه نحو 1.6 مليون شخص (77% من السكان) مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد (Phase 3 فما فوق).

في نهاية المطاف، وفي مشهد يتكرر يوميًا في أوساط آلاف العائلات الغزية، وفي أسواق يعاد فيها تعريف معنى الضرورة كل صباح، يرى المواطنون أن واقعهم يتجه نحو تضييق وخنق مستمر لمساحات الحياة؛ ويبقى السؤال الأكثر إيلامًا معلقاً دون إجابة: كم يمكن للأسرة أن تحذف من قائمتها قبل أن تتحول إلى قائمة من العدم؟ وما الذي يبقى حين يصير الدواء أمنية، والطعام رفاهية، وتصبح كلمة "لا" هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الأطفال مجبرين في بيوت كانت بالأمس تعرف كيف تقول "نعم"؟