في مجتمع فلسطيني لا يزال الأسرة فيه تُعدّ ملاذاً مقدساً، وغالباً ما تُدفع قضايا العنف ضد المرأة إلى زوايا الصمت، أطلقت الطالبة آلاء الأخرس، من جامعة بيرزيت بالضفة الغربية، مبادرة "بكفي نكنس العنف تحت السجادة"، محاولةً كسر جدار التابوهات وفتح نوافذ الحوار في موضوع لا يزال يشكّل وصمة اجتماعية في الكثير من الأوساط الفلسطينية.

وتأتي هذه المبادرة في وقت تشير فيه المعطيات إلى أنّ ثقافة إخفاء العنف ما زالت سائدة في المجتمعات المحافظة، حيث يُنظر إلى الحديث عن العنف الأسري على أنّه "كشف للأسرار" أو "فضح للعيوب"، ما يدفع العديد من النساء إلى التزام الصمت خوفاً من الوصمة أو من تفكك الأسرة. 

وترصد المبادرة هذه الظاهرة عبر تقديم فضاءات آمنة للحوار، محاولةً تغيير المعادلة الاجتماعية التي تجعل من المرأة حاملةً لسرّ العنف بدلاً من أن تكون ضحيّة تستحقّ الحماية.

وقالت الأخرس، إن فكرة المبادرة جاءت، بعد تلقيها تدريباً عملياً في قسم الإرشاد التابع لجمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية، حيث أتاح لها التدريب الاطلاع على قضايا العنف والتحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه النساء، ما دفعها إلى تصميم مبادرة توعوية تستهدف تعزيز الوعي المجتمعي بهذه القضايا.

فجوة قانونية تعقّد المشهد

الشابة الطالبة آلاء الأخرس خلال تنفيذ المبادرة 

وتأتي هذه المبادرة في وقت لا يوجد فيه قانون فلسطيني موحد ومصادق عليه لمكافحة العنف الأسري، حيث لا يزال مشروع قانون حماية الأسرة من العنف (الذي يتضمن 52 مادة) عالقاً في الأروقة القانونية ولم يُنشر بعد في الجريدة الرسمية بسبب جدل مجتمعي حول بعض بنوده، فإن الإطار القانوني المعمول به يعتمد على تشريعات متفرقة.

ويُعد نظام التحويل الوطني للنساء المعنفات رقم (28) لسنة 2022 أبرز هذه الآليات، حيث ينظّم تدخل المؤسسات الرسمية (الشرطة، وزارة الصحة، وزارة التنمية الاجتماعية) لحماية النساء المعنّفات وتحويلهن إلى مراكز الإيواء. إضافة إلى ذلك، يُطبّق قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 في الضفة الغربية ورقم (74) لسنة 1936 في قطاع غزة، مع قرارات رئاسية سابقة سعت إلى تعديل بنود "العذر المخفف" في جرائم ما يسمى "الشرف"، لكنها لم تصل إلى تشريع شامل يحمي النساء بشكل متكامل.

ويقول مراقبون إنّ هذه الفجوة القانونية تزيد من عزوف النساء عن التبليغ، خصوصاً في غياب نصوص واضحة تُجرّم أشكالاً متعددة من العنف النفسي والاقتصادي، وتُلزم الجهات الرسمية بإصدار "أوامر حماية" تبعد المعتدي عن المنزل.

أرقام صادمة في ظل صمت مطبق

ورغم قلّة الإحصائيات الدقيقة بسبب عزوف الكثيرات عن الإبلاغ، فإن الأرقام المتاحة ترسم صورة مثيرة للقلق. ففي فلسطين، تشير تقديرات جهاز الإحصاء المركزي إلى أنّ ما نسبته 29% من النساء المتزوجات تعرّضن لشكل من أشكال العنف الجسدي على يد أزواجهن، بينما تصل نسبة العنف النفسي إلى 51%، وهو النوع الأكثر شيوعاً والأكثر إخفاءً بسبب صعوبة إثباته وتطبيع المجتمع له. وهذه النسب تتقارب مع ما تشير إليه بيانات دولية؛ حيث أظهر مسح عالمي أن 29% من النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد تعرّضن للعنف الجسدي أو الجنسي.

وتكشف هذه الأرقام عن فجوة بين حجم المشكلة وعدد البلاغات المقدمة، مما يؤكد وجود عدد كبير من الضحايا يعانين في صمت، وهذا هو بالضبط ما تحاول مبادرة "بكفي نكنس العنف تحت السجادة" معالجته: تحويل هذه الأرقام من إحصائيات مجهولة إلى أصوات مسموعة وقضايا منظورة أمام الجهات المختصة.

ثقافة الإخفاء: السجادة التي تبتلع الصراخ

جزء من فعاليات المبادرة التي أطلقها الطالبة آلاء الأخرس

وتعمل المبادرة في سياق ثقافي معقّد، حيث تُفرض على المرأة الفلسطينية وصاية مجتمعية تارةً باسم "الشرف"، وتارةً باسم "استقرار الأسرة". وغالباً ما يُنظر إلى المرأة التي تقدم بلاغاً ضد زوجها أو أحد أقاربها على أنّها "مخربة للبيت" أو "عار على العائلة"، وهو ما يجعل اللجوء إلى القانون خياراً صعباً. وتفيد تقارير المؤسسات الحقوقية بأنّ نسبة كبيرة من النساء اللواتي يتراجعن عن بلاغاتهنّ يعود السبب فيه إلى الضغوط المجتمعية والعائلية، وليس إلى انعدام الأدلة.

وتأتي فعالية "صندوق الرسائل الإيجابية" التي نفذتها المبادرة في مخيم الجلزون لتشكّل خطوة رمزية ونفسية مهمة، حيث سحبت المشاركات رسائل مثل "صوتك يستحق أن يُسمع" و"أنتِ تستحقين الأفضل"، في محاولة لزرع بذور الثقة بالنفس في تربة يغلب عليها الخوف والتردد. ويشير نشطاء في مجال حقوق المرأة إلى أنّ هذه الأنشطة التوعوية ضرورية لكسر العزلة النفسية التي تعيشها النساء في المجتمعات المحافظة، حيث يشعرن بأنهنّ وحيدات في مواجهة العنف.

مسارات الحماية: أرقام على الجدران

ووفرت المبادرة للمشاركات معلومات ملموسة عن الخدمات المتاحة، وعلى رأسها الخط الآمن (1800606060) ورقم حماية الأسرة (106). وتؤكد مؤسسات حقوقية أنّ وجود هذه الأرقام لا يكفي، بل لا بدّ من حملات توعية مستمرة تُعرّف النساء بحقوقهنّ وآليات الحماية، خصوصاً في المناطق الريفية ومخيمات اللاجئين حيث تضعف قدرة المؤسسات على الوصول.

وتقول إحدى المشاركات من مخيم الجلزون: "بكفي عنف تحت السجادة، لازم تنطرح قضايا العنف للنقاش من أجل حماية النساء." وتضيف أخرى: "المبادرة خلتني أعرف إنه مش لازم أتحمل الأذى بصمت، وإنه في جهات ممكن تدعمني." هذه الشهادات تكشف وعياً متنامياً لدى النساء بحقوقهنّ، لكنّها في الوقت نفسه ترسم حجم التحدي في تحويل هذا الوعي إلى أفعال ملموسة في وجه واقع اجتماعي وقانوني قاسٍ.

وفي ختام النشاط، أكدت القائمات على المبادرة ضرورة مواصلة هذه الجهود، وأنّ معركة كسر الصمت طويلة، خصوصاً في مجتمع لا يزال يجد صعوبة في التفريق بين "حماية الأسرة" و"حماية المعتدي"، وفي ظل غياب تشريع شامل يضع حداً نهائياً لهذه المعاناة.