اعتاد عبد الله محمد (اسم مستعار)، وهو مزارع في العقد الرابع من عمره، على تسميد حقله البالغ مساحته 25 دونماً، والواقع شرق بلدة خزاعة المحاذية للحدود الجنوبية الشرقية مع إسرائيل، قبل عملية زراعته، بمياه الصرف الصحي، ويزعم أن هناك شحاً في مياه الريّ.
يعتمد المزارع عبد الله، على سائقي سيارات نقل المياه العادمة التابعة لبلدية خزاعة وسيارات أخرى تتبع للقطاع الخاص، في توصيل المياه إلى الحقل قبل عملية حراثته بداعي تفكيك التربة، توطئة لزراعتها بـ"البازلاء، والفول، والعدس"، وليس لديه أي فكرة عما إذا كان فعله مخالفا للقانون.
و"عبد الله" ليس وحده من يقوم بذلك، بل يفعل مزارعون آخرون في بلدته الشيء نفسه، بتواطؤ من سائقي سيارات نقل المياه العادمة، وسط غياب كامل للرقابة المناطة بعدة جهات حكومية.
ووفقاً للإدارة العامة للتخطيط والسياسات بوزارة الزراعة، فإن بلدة خزاعة البالغ مساحتها (4 آلاف دونما) تنتج ما قيمته (30%) من حجم الإنتاج الزراعي في محافظة خانيونس، والبالغ (141 ألف طن) سنوياً.

ولا يحتمل فعل المزارعين وسائقي سيارات نقل المياه العادمة سواء الرسمية أو الخاصة، بضخ حمولتهم داخل أراضي زراعية (قمح- بزلاء- زيتون- بامية- بطيخ)، أي تأويل، فهي مخالفة قانونية تُرتكب في وضح النهار، حيث تناقض نظام المكاره الصحية لسنة (2013)، الصادر عن وزير الحكم المحلي في قطاع غزة، والذي ينص على "حظر تفريغ أو طرح محتويات الحفر أو المصارف أو صهاريج النضح في غير الأماكن المخصصة لها، أو تركها تنساب بأي صورة من الصور".
فضلاً عن أنه ينافي ما ورد في المادة (24) من قانون الزراعة والذي نص على "عدم جواز تسميد المزروعات بفضلات الإنسان، أو بأي سماد أو نفايات سائلة أو صلبة مختلطة بها أو مستمدة إلا بعد معالجتها حسب المواصفات والمقاييس المعتمدة"، فيما أن المادة (55) تمنع منعاً باتاً ريّ المحاصيل الزراعية بالمياه العادمة، ما لم يتم معالجها وفقاً للمعايير الوطنية المعتمدة من الجهات الفنية المختصة.
يضاف إلى ذلك، قانون الصحة العامة رقم (20) لسنة 2004، والذي نص في المادة (43)، على حظر استخدام مياه الصرف الصحي لأغراض تسميد الأراضي الزراعية، أو ريّ المزروعات الحقلية، إلا وفقا للشروط والضوابط التي تحددها الوزارة بالتنسيق مع الجهات المعنية.
في المقابل، يقوم السائقون بهذه المخالفة بشكل علني؛ تجنبا لعناء الانتقال إلى المناطق المحددة سلفاً، وأحياناً بطلب من أصحاب تلك الأراضي، وذلك بداعي الريّ وكذلك الاستفادة من المغذيات التي تحملها تلك المياه.
ويستثمر المزارعون والسائقون على حد سواء، الفترة الصباحية في فصل الصيف للقيام بضخ المياه العادمة داخل الحقول الزراعية.
في صبيحة يومي 13-16/سبتمبر/2017، استطاع معدّ التحقيق من توثيق مخالفات السائقين والمزارعين بكاميرا التصوير الفيديو في أراض مخصصة للزراعة البعلية، سبقهما التقاط صور فوتوغرافية لنفس العملية قبل عام واحد على الأقل داخل حقول زيتون.

خلال فترة بحث قادها معدّ التحقيق على مدار عامين، لم يبح أي من سكان المنطقة الزراعية بحدوث هذه المخالفات، رغم أن سيارات نقل المياه تمر بهم خلال طريقها إلى المزارع، ولا يعلم إن كان ذلك جهلاً بحقيقة الأمر، أم لغايات أخرى.
وتشترط تعليمات إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة في الاستخدام الزراعي والملحقة بقانون الزراعة رقم (2) لسنة (2003) وتعديلاته، في البند رقم (7) على "أن المياه العادمة المنقوصة لأغراض الريّ يجب أن تكون معالجة، فضلا عن اشتراط نقل هذه المياه بأنابيب مغلقة ومدهونة باللون البنفسجي ويكتب عليها عبارة مياه عادمة معالجة"، وذلك بخط جيد وواضح من الجهتين.
المفارقة، أن السيارات التي تقوم بعملية نقل المياه العادمة غير المعالجة، هي سيارات زيتية اللون تحمل لوحات حكومية وتتبع لبلدية خزاعة، وهي من الناحية القانونية الجهات المخولة بالتخلص من هذه المياه، ونقلها إلى المناطق المخصصة لها، خصوصا وأن بلدة خزاعة تفتقر للبنية التحتية ويتعمد سكانها على الحفر الامتصاصية في التخلص من المياه المبتذلة الخام.
وتغطي شبكات الصرف الصحي ما نسبته 60% من مساحة قطاع غزة، فيما أن المساحة المتبقية تفتقد للبنية التحتية، ولا يتوفر فيها محطات لمعالجة المياه الخام المبتذلة بما فيها بلدة خزاعة والقرى الشرقية لمحافظة خانيونس، ذلك وفق ما أكدته سلطة المياه.
وتحتوي المياه العادمة على بكتيريا وفيروسات ممرضة وعلى طفيليات مسببة للأمراض، كما يقول مختصو الصحة والبيئة، حيث يصعب التخلص من الطفيليات وبيضها في عملية المعالجة، وهو ما يتسبب في عدد كبير من الأمراض الهضمية المَعِدِية – المِعَوِيَّة المُعْدِيَة.
وينتهي الحال بالمحاصيل التي تعتمد على مياه الصرف الصحي في أسواق متعددة داخل القطاع، وهنا قد تكمن الخطورة.
بيد أن المزراع سامي خليل (اسم مستعار) قد دافع عن فعلته بالقول: "إن هذه المياه تستخدم فقط لتفكيك التربة وليس لها أي تأثير على المزروعات من قريب أو بعيد".
خليل الذي التقيناه جالسا تحت سقف غرفة من الصفيح مقامة على أطراف الحقل المتاخم للسياج الشائك الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة عام 1948، نفى استخدامه للمياه العادمة بديلاً عن مياه الريّ خلال موسم الزراعة، رغم أنه كان قد اشتكى من شح المياه في تلك المنطقة الحدودية.
ثم عاد وقال: "لا يوجد في خزاعة مزارع لا يستخدم هذه المياه.. فلا أحد يسأل ولا أحد يهتم".
ولم تحرر أي مخالفة قانونية بحق أصحاب الأراضي المستخدمون للمياه العادمة في ريّ محاصيلهم، أو بحق سائقي سيارات نقل هذه المياه، سواء الحكومية أو القطاع الخاص، ذلك وفق ما أكده رئيس بلدية خزاعة، شحدة أبو روك.
وقال أبو روك: "لو اكتشفنا أن سائق سيارة الصرف الصحي قام بهذا الفعل، نقوم بخصم ثلاثة أيام من قيمة راتبه، ولكن لم يحصل أن تكررت هذه المسألة بالنسبة لسائقينا".
وأضاف "عندما اكتشفنا أن بعض المزارعين يطلبون من السائقين نقل المياه العادمة إلى أراضيهم، أخبرنا سائق السيارة بألا يفعل ذلك.. هناك سيارات خاصة بإمكانها القيام بضخ مياه الصرف في الأراضي الزراعية بطلب من المزارع، ومن المتوفع أنه تم استهلاك صرف هذه المياه في موسم الزيتون".
وتابع: "نحن قمنا بمنع سياراتنا من القيام بهذا الفعل، ونبّهنا المزارع بخطورة هذا الأمر على محاصيله وأرضه..نحن لن نسمح بهذه الممارسة، وهذا كان يحصل وقتما كانت المياه شحيحة عندما قام الاحتلال بالاجهاد على شبكة المياه بالكامل، لكنها فترة وانتهت".

في المقابل، يجاهر المزارع محمد خليل (اسم مستعار)، بريّ محصول القمح الذي قام بزراعته في أرض تزيد مساحتها على ثلاث دونمات بمياه الصرف الصحي، وقال بعفوية مطلقة: "نحن نستفيد من مياه المجاري بأنها توفر علينا شراء المياه المنقية لري الأرض لاسيما في ظل الشح الحاصل في المياه، وكذلك شراء الأسمدة".
ولكنه عاد ونفى أن يكون قد استخدمها في أكثر من محصول، "كانت هي المرة الأولى والأخيرة التي استخدمت فيها المياه العادمة(..) أقيمت لاحقاً فوق الأرض خيام لمسيرات العودة، واضطررت للتوقف عن زراعتها" كما قال.
غير أن رئيس بلدية خزاعة نفى أن يكون هناك شحاً للمياه في بلدته، قائلاً: "ليس هناك شحاً في المياه في خزاعة، فالمياه متوفرة للمزارعين وليس هناك مجال للشكوى من الشح، وإذا تقدم أحد المزارعين بطلب شخصي أن يحصل على المياه العادمة فهذا شأنه، لكنه ليس من المنطقي بعدما توفرت المياه، أن يقوم المزارعون باستخدام مياه الصرف الصحي".
وفي مطلع رده على سؤال معد التحقيق: إذا كانت المياه متوفرة لدى المزارعين فلماذا يتم استخدم المياه العادمة في الري أو تفكيك التربة؟ قال: "أنا بعرفش.. هذا خطر على الزراعة والأرض، ونحن نمارس دورا رقابيا ونمنع سيارات الصرف الصحي من أن تقوم بإفراغ حمولتها في الأراضي الزراعية".
وأضاف أبو روك "نحن مستأجرون لأراض فارغة ونستخدمها لإفراغ مياه الصرف، لكنها لا تستخدم للزراعة، وهي قريبة من الخط الحدودي".
مزارع آخر، من ذات المنطقة رفض الكشف عن هويته قال: "من منا لايمارس هذا الفعل، المياه هنا شحيحة جداً والناس يعتمدون على مياه الصرف الصحي في ريّ محاصيلهم منذ وقت طويل، خصوصا محصول الزيتون".
ونفى المزراع، أن يكون أحد قد قام بمراجعتهم نتيجة هذا الفعل الذي يجهل إن كان قانونيا وصحياً أم لا، مؤكداً أن عملية استقطاب السيارات ودفعها لضخ حمولتها في الأراضي من قبل المزارعين، لا تحتاج إلى جهد أو تخفّي فهي تتم في وضح النهار.
تحليل عينات
إثباتاً لهذا الواقع، غامر معدّ التحقيق في العاشر من أكتوبر الحالي مع فريق فحص مخبري مرافق، باصطحاب أدوات الحصول على عينات من التربة، أمام أبراج المراقبة العسكرية الإسرائيلية، بعد ارتداء المعاطف الفسفورية تجنبا لإطلاق النار.