يمشي البائع المتجول معتز النجار بين الناس في شوارع مدينة غزة، يتدلّى صندوق صغير على صدره بحبل، بداخله بسكويت وشوكولاتة وحلوى الأطفال وبعض ربطات النعناع. يرفع صوته: "بشيكل يا نعنع". البيع قليل وسط حركة لا تتوقف، والعائق الحقيقي هو غياب "الفكة" التي باتت شرطًا خفيًا لأي عملية بيع صغيرة.
في ظل ندرة القطع النقدية الصغيرة، يتراجع الزبائن عن الشراء. شيكل أو اثنان لا تكفي لإتمام صفقة بسيطة إذا لم يكن لدى البائع ما يعيده من باقي المبلغ، وهكذا تتحول تفاصيل يومية صغيرة إلى خسائر مباشرة في الرزق.
البائع النجار لا يستخدم تطبيقات بنكية ولا محافظ إلكترونية. يراها معقدة وبعيدة عن خبرته. "أرى التطبيق البنكي أو المحفظة عبء على المرء، وقد تكون عرضة للنصب عند التحويل من الزبائن، ولا أرغب في الدخول في هذا العالم المُرهِق". التعامل بالنسبة له قائم على النقد المباشر، لكنه يصطدم يوميًا بعائق الفكة: زبون يدفع عشرين شيكلًا مقابل سلعة بخمسة، ولا يجد الباقي، فيغادر دون إتمام الشراء.

في سوقٍ يعتمد على الشراء اليومي البسيط، تصبح القطع النقدية الصغيرة عنصرًا حاسمًا. ومع شُح السيولة النقدية ومنع إدخالها إلى قطاع غزة منذ بدء الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، يتعمّق الخلل في تفاصيل الحياة الاقتصادية اليومية، فيما تشير تقديرات اقتصادية إلى أن العجز في السيولة النقدية في السوق المحلية يتجاوز 60%، ويأتي ذلك في سياق اقتصاد يغلب عليه الطابع غير الرسمي الذي يُقدَّر بأنه يشكّل ما بين 50% إلى أكثر من 70% من النشاط الاقتصادي، ما يعني أن الغالبية تعمل خارج الأطر المصرفية والمالية المنظمة.
ويتأثر بشكل مباشر صغار الباعة المتجولون الذين تعتمد تجارتهم على بيع لا يتجاوز شيكلًا أو شيكلين، كباعة المياه الباردة والنعناع والحلوى على الطرقات. إذ يتحول غياب "الفكة" إلى سبب لفقدان البيع بالكامل عندما يعجز البائع عن إعادة الباقي؛ ما يعني خسارة صفقة قد لا تتجاوز قيمتها 5 شيكل، لكنها تشكل جزءًا من دخل يومي لا يتجاوز في كثير من الحالات 20 إلى 30 شيكلًا فقط؛ الأمر الذي يحوّل أبسط المعاملات اليومية إلى عائق مباشر أمام رزق هذه الفئة الهشة.
في النصيرات وسط القطاع، يدير صهيب محمود بقالة صغيرة داخل حي سكني. يعتمد على الدفع عبر محفظة " Pal Pay"، لكنه يحاول تقليل استخدامها. النظام الإلكتروني، كما يصفه الواقع العملي، ليس بلا حدود: توقفات متكررة، وسقوف مالية يومية، تجعل الاعتماد عليه جزئيًا لا كاملًا.
داخل البقالة، الأطفال يشترون بمبالغ صغيرة، لكن المشكلة تتكرر: لا فكة لإعادة الباقي، ولا سيولة نقدية كافية لدى الزبائن أصلًا. "تعيقني أزمة الفكة عن العمل، الناس لا تملك سيولة نقدية، وهذا يؤثر على عملي".

ورغم انتشار المحافظ الإلكترونية، يرفض عدد من صغار الباعة اعتمادها بشكل كامل. المسألة لا تتعلق فقط بضعف المعرفة التقنية، بل بالكلفة أيضًا. فبعض التطبيقات تقتطع رسومًا شهرية تصل إلى 6 شيكل حتى في حال عدم وجود رصيد، وتتراكم الخصومات ليجري سحبها فور إيداع أي مبلغ في الحساب، ما يحول الخدمة بالنسبة لكثيرين إلى عبء إضافي لا وسيلة تخفف أزمتهم.
وفي اقتصاد ينهار فيه الدخل إلى مستويات غير مسبوقة، يبدو هذا الرقم البسيط أكبر بكثير مما يوحي به. فمع تقديرات سابقة أشارت إلى أن متوسط دخل الفرد اليومي في غزة لا يتجاوز دولارين فقط، يصبح اقتطاع 6 شيكل شهريًا من بائع يحقق بالكاد قوت يومه استنزافًا مباشرًا لجزء من دخله المحدود أصلًا، خاصة لدى الباعة الذين تعتمد تجارتهم على عمليات بيع صغيرة لا تتجاوز شيكلًا أو شيكلين في كثير من الأحيان.
في منطقة الميناء غرب مدينة غزة، يجلس عمر المطوق خلف طاولة خشبية صغيرة أمام خيمة، يعرض عبوات ماء وعصير وبعض الحاجيات البسيطة للأطفال. الدخل اليومي لا يتجاوز في أحيان كثيرة ثلاثين شيكلًا، لكنه يمثل مصدر البقاء الوحيد.
الزبائن غالبًا من سكان الخيام المجاورة أو أطفال يمرون في الطريق. بعضهم يحاول الدفع عبر تطبيقات أو محافظ إلكترونية، لكن ذلك يتعطل ببساطة: لا هاتف حديث، ولا أدوات رقمية مناسبة. النتيجة هي عودة قسرية إلى النقد الورقي، بكل ما يحمله من نقص وتآكل وصعوبة تداول، يردف المطوق: "أعاني من أزمة الفكة والنقود المهترئة أكثر من غيري".
أما البائع المتجول محمود زقوت فيدفع عربيته الصغيرة في شارع الجلاء وحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، يبيع العصائر والمياه. أصبح يعتمد على النقد بعد توقف محفظة "Pal Pay"، الخاصة به دون تفسير واضح، فيما هو لم يبحث طويلًا عن السبب الذي سيأخذ إجراء ومتابعة مطولة، وفق قوله.

البيع النقدي، كما يصفه الواقع، لا يواجه مشكلة في المبدأ انما في التفاصيل: الناس لا تملك فكة، والبائع لا يملك ما يعيد به الباقي. بين الطرفين، تتعطل الصفقة الصغيرة.
على مستوى النظام، باتت محفظة "Pal Pay" وسيلة واسعة الاستخدام، لكنها محكومة بقيود تشغيلية: 50 عملية يوميًا كحدّ أقصى، و1000 شيكل حدًا يوميًا لعمليات الاستقبال، إضافة إلى سقف رصيد يبلغ 4000 دولار أو ما يعادله، وهي قيود تجعلها غير قادرة على تغطية احتياجات السوق اليومية الصغيرة بالكامل.
ومع اتساع الأزمة، ظهرت محاولات محلية للتكيّف. شركة "أقلام تك" طورت تطبيق "بطاقتي"، المصمم لتسهيل الدفع في المواصلات دون الحاجة إلى إنترنت أو تحويلات مصرفية معقدة. الفكرة بسيطة: يشتري المواطن بطاقة بقيمة معينة من نقاط بيع، ويسلمها للسائق الذي يُدخِل بياناتها عبر التطبيق ليستلم المبلغ لاحقًا في حسابه البنكي أو محفظته الإلكترونية.
لكن التطبيق، رغم انتشاره المحدود، لا يشمل صغار الباعة. مطوره محمد أبو جياب يوضح أنه مخصص حاليًا لقطاع النقل فقط، مع إمكانية تطويره لاحقًا ليشمل خدمات أخرى، بينها البيع بالتجزئة.

خلف هذه التفاصيل اليومية، تتكشف صورة أوسع لأزمة سيولة خانقة. منذ إغلاق مسارات إدخال النقد إلى غزة، تتراجع كمية الأموال الورقية المتداولة بشكل حاد. ويشير الاقتصادي أحمد أبو قمر إلى أن جزءًا من الأزمة يرتبط أيضًا بتآكل الثقة ببعض فئات الشيكل، خصوصًا فئات 10 و20 شيكل، ما يدفع بعض التجار والمواطنين إلى تجنب استخدامها أو رفضها.
هذا النقص الحاد ينعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية: المواصلات، شراء المياه، والسلع الصغيرة؛ ما يكرّس أزمة سيولة خانقة في التداول اليومي، ما يجعل المعاملات البسيطة نفسها عرضة للتعطيل، حتى مع وجود بدائل إلكترونية لا تلغي الحاجة للنقد الورقي في التعاملات الصغيرة.
محاولات التكيّف لا تتوقف عند التطبيقات. في بعض الحالات، تُستخدم "كابونات" أو أوراق محلية كبدائل نقدية، لكنها تظل خارج أي إطار رقابي أو تنظيمي، ما يجعلها حلولًا مؤقتة أكثر من كونها نظامًا بديلًا مستقرًا.
في نهاية المشهد، لا تبدو أزمة الفكة مجرد خلل نقدي صغير، بل عطبًا يوميًا يتسلل إلى تفاصيل الحياة الاقتصادية في غزة. بين نقص السيولة، وضعف البدائل، وتآكل الثقة، تتعثر أبسط عمليات البيع والشراء، ويتحوّل العمل اليومي لصغار الباعة إلى مواجهة مستمرة مع اقتصاد لا يملك "باقي" كافيًا ليكتمل.