يجلس حمزة الدلو خلف مقود سيارته الأجرة ولا يتحرك. ليس لأن الطريق مزدحم في أحد شوارع مدينة غزة، بل لأن أربع لترات من زيت المحرك تكلّفه اليوم نحو عشرة آلاف شيكل. بينما قبل الحرب، كان اللتر الواحد بسبعة شواكل، أو خمسة عشر إن ارتفع، أي ما يزيد على 350 ضعفًا مقارنة بما كان عليه سابقًا.
يقول وهو يمسك عبوة الزيت التي اشتراها للتو: "وصل سعره إلى ألف شيكل فقلت لا بأس نشتريه، ثم صار يرتفع تدريجيًا حتى وصل لسعره الحالي. لم نعد نستطيع دفع ثمنه". ولا يتوقف الأمر عند السعر، إذ بات تأمين الزيت وقطع الغيار معضلة يومية بسبب الشحّ الشديد في الأسواق وتعطّل آليات إدخال البضائع.
سيارته الأجرة هذه مصدر رزقه الوحيد. أو بالأدق: ثلاث سيارات، كل واحدة يُشغّل عليها سائقًا. لكن ما كان يبدو امتلاكًا وفائضًا في الرزق بالنسبة له، صار اليوم عبئًا؛ ثلاث محركات تحتاج زيتًا شحيحًا في مدينة محاصرة، حيث أي توقف طارئ يعني خسارة يوم عمل كامل، في ظل صعوبة إصلاح الأعطال أو توفير البدائل.
يُشير بإصبعه نحو الإطار الخلفي وهو وكأنّه يضيف بندًا آخر إلى قائمة الخسائر: "كان الكوشوك الواحد بستين شيكلًا. اليوم يفوق الثلاثة آلاف". يتوقف لحظة، ثم يضيف: "أصبحنا نغيّر زيت المحرك كل خمسة أشهر بدل كل شهر. ليس أمامنا خيار آخر فهو يحتاج ميزانية خاصّة"، فيما يضطر كثير من السائقين إلى تأجيل الصيانة الدورية رغم ما يسببه ذلك من تآكل سريع في المحركات وتعطّل المركبات بشكل مفاجئ.

يُستخدم زيت المحرك لتزييت الأجزاء المتحركة داخل محرك السيارة وتقليل الاحتكاك بينها، كما يساعد على تبريده وتنظيفه من الرواسب. ومع الاستخدام يفقد الزيت كفاءته تدريجيًا، لذلك يحتاج إلى التغيير بشكل دوري وفق توصيات الشركة المصنعة أو عدد الكيلومترات المقطوعة.
في حالة سيارات الأجرة، قد يُغيَّر الزيت كل عدة آلاف من الكيلومترات، لكن في غزة خلال الحرب، أدى الارتفاع الكبير في سعر زيت المحرك ونقص توفره، إلى جانب عدم توفر قطع الغيار وصعوبة الصيانة الدورية، إلى دفع كثير من السائقين لتأجيل تغييره، ما أدى في حالات متعددة إلى أعطال متكررة وتوقف بعض المركبات أو تقليص رحلاتها اليومية ورفع الأجرة على الركاب لتعويض الخسائر.
على بُعد عشرين مترًا، في الشارع المقابل في محيط المجلس التشريعي غرب مدينة غزة، يستند محمد بكر إلى سيارته الأجرة وينتظر اكتمال الحمولة قبل الانطلاق نحو المحافظة الوسطى. وفي الانتظار، يدور حوار مكرر مع زميله الواقف على “العجّالة” حول سؤال واحد: من أين سيأتون بالزيت هذا الشهر؟ آخر تعبئة كانت قبل ثلاثة أشهر، والمركبة لم تعد تحتمل أكثر من ذلك.
يعدّل قبعته لتحجب الشمس الحارقة عن عينيه: "من المفترض أن أغيّر الزيت شهريًا، لكنني أؤجّل الأمر كل شهر، لا قدرة لي على دفع ألفين وخمسمائة شيكل للتر شهرياً". ثم يضيف تفصيلاً يعرفه كل سائق في غزة: "إن جرّبت الزيت المصنع محلياً، سيهلك المحرك حتماً، وحينها نفقد كل شيء".
أما أحمد أبو الروس لم تتبقَّ له سيارة يقلق عليها اليوم. تدمّرت مركبته بالكامل. كل ما تبقّى له من مهنته القديمة: ثلاث لترات من زيت السيارات، قرّر أن يبيعها بألف ومائتي شيكل للتر الواحد، وهو سعر يقلّ عن قيمة السوق السوداء الحالية.
يمسك العبوة الممتلئة ويقول: "لست راضيًا عن هذا السعر، لكنني أودّ أن أعوّض جزءًا من خسارتي في سيارتي". يصمت قليلاً، متأملاً الشارع، ثم يضيف: "كانت مصدر دخلي الوحيد".

بعد دخول الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عامها الثالث، لم يسلم قطاع المركبات من الدمار الذي طال مختلف مناحي الحياة. فالحصار أمام المعابر لاسيما قطع الغيار ومعدات الصيانة والوقود والإطارات، وصولاً إلى مواد أساسية مثل زيت المحركات، ما أدى إلى شلل واسع في عمليات الصيانة وصعوبة إبقاء المركبات قيد التشغيل، وامتدت التداعيات إلى القطاعات الخدمية والحيوية كافة، بما في ذلك مركبات الإسعاف وشاحنات نقل المياه والمولدات، التي باتت تعمل بقدرة محدودة وتعتمد على صيانة مؤقتة لإبقاء الحد الأدنى من الخدمة.
يقول أدهم مرتجى وهو سائق إسعاف في مدينة غزة إن مركبته "تعمل على الحد الأدنى من الزيت المتوفر، وأحيانًا نؤجّل تغيير الزيت رغم معرفتنا بأن ذلك قد يوقف المحرك بالكامل، لكن توقف الإسعاف يومًا واحدًا يعني تأخر إنقاذ حياة كاملة".
فكانت النتيجة صدمة سعرية في سعر لتر الزيت غير مسبوقة. وبالنسبة لعمر أبو دقة الذي كان يملك شركة كبرى متخصصة في زيوت السيارات وقطع الغيار، أصبح الآن يحمل فقط صورًا لما كانت عليه منشأته قبل أن تصبح رمادًا.
يختصر أبو دقة الكارثة بنبرة هادئة وموجعة: "فقدت الشركة، والعمارات الخاصة بي، والأولاد. لم يتبقَّ لي شيء". خسارته المادية في الشركة وحدها تجاوزت ثلاثمائة ألف دولار. يردف: "لا زيوت ولا معدات تدخل لغزة لأعود لمجال العمل من جديد. وها أنا في عداد من فقدوا كل شيء".

في الأوساط تتصاعد تساؤلات عن دور وزارة النقل والمواصلات في ضبط هذا الانفلات وفرض تسعيرة تحمي ما تبقى من جيوب المواطنين. تواصلت "آخر قصة" مع المتحدث باسم الوزارة أنيس عرفات لمواجهته بهذه التساؤلات.
يقول عرفات إن الوزارة لا تستطيع التدخل في تحديد أسعار سلع تباع في السوق السوداء، ولا تدخل عبر قنوات رسمية. لكنه يُضيف واعدًا: فور السماح بدخول هذه المواد رسميًا، ستتابع الوزارة الملف بجدية وتفرض تسعيرة عادلة؛ مما يشير إلى الرقابة الوزارية على قطاع المواصلات في غزة هي غائبة تمامًا طالما أن الحصار هو الحاكم الفعلي للسوق.
من جانبه، يضع الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر هذه الأزمة في سياقها البنيوي الأوسع؛ مؤكدًا أن ما يحدث ليس تضخمًا عاديًا يمكن قياسه بالأدوات الاقتصادية التقليدية.
يوضح أبو قمر أن هذه الأزمة تضرب البنية التحتية المدنية والخدمية في مقتل: "منع دخول قطع الغيار والزيوت والإطارات ليس هدفه التضييق الاقتصادي الفردي فحسب، بل تعطيل دورة الحياة اليومية".
يردف: "حين يرتفع سعر لتر الزيت من 15 شيكلاً إلى 2500، فهذا اقتصاد ندرة مفروض بالقوة، وما دام الزيت شحيحاً، سيتواصل الارتفاع، ولن تنكسر هذه الحلقة إلا بالتدفق الطبيعي للبضائع".
الأزمة اليوم تتجاوز بكثير حدود سائقي الأجرة الباحثين عن قوت يومهم. فسيارات نقل المياه الصالحة للشرب، ومركبات الإسعاف، وكل آلية خدمية في غزة تعاني الشحّ والتهديد ذاته، في ظل تقليص واضح في عدد الرحلات اليومية وتوقف بعض المركبات عن العمل بشكل كامل بسبب الأعطال وتراكم كلفة التشغيل.
ما يصفه أبو قمر بـ "الكارثة المحققة" بدأ يلقي بظلاله على حياة الجميع، وهي كارثة لن تتوقف ما لم يُرفع الحصار عن العصب الأساسي للمركبات.
حمزة الدلو يعرف هذا كله جيدًا، يُدير مفتاح التشغيل، ويُحرّك السيارة أخيرًا مستهلكًا قطرات أخرى من زيته الثمين.