أمام مقر شركة توزيع الكهرباء وسط مدينة غزة التي أنهكها انقطاع الكهرباء وتدمير الشبكة العامة خلال الحرب، وقفت أسماء أبو حصيرة (40 عامًا)، تحمل طلب اشتراك في مشروع الخطوط البديلة، بحثًا عن ساعات قليلة من التيار الكهربائي تعيد شيئًا من الحياة إلى منزلها المتضرر.
منذ تضرر شبكات الكهرباء في قطاع غزة، تحوّل يومها إلى سلسلة من الحسابات الدقيقة لإدارة الاحتياجات الأساسية؛ الهاتف يُشحن أحيانًا لدى الجيران، والمصابيح الخافتة بالكاد تكفي لرؤية واضحة داخل الغرفة ليلًا.
بالنسبة لهذه السيدة وهي ربة منزل لأربعة من الأبناء، لم تعد الكهرباء خدمة مرتبطة بالراحة، بل احتياجًا أساسيًا ووسيلة لتجاوز إرهاق يومي متواصل. تقول إن العتمة أصبحت جزءًا ثابتًا من تفاصيل الحياة، لكنها في الوقت نفسه تستنزف الأعصاب والطاقة، فيما تبدو أي ساعة كهرباء قادرة على إحداث فرق حقيقي في ترتيب أبسط المهام اليومية.
حين علمت أبو حصيرة بمشروع "الخطوط البديلة" الذي أعلنت عنه شركة توزيع الكهرباء في غزة، وجدت فيه بارقة أمل رغم محدودية تنفيذه واقتصاره على مناطق محددة، في ظل دمار واسع طال شبكة الكهرباء خلال الحرب الأخيرة، جعل سكان مدينة غزة يعيشون على ساعات متقطعة من التيار أو بدائل مكلفة، وسط انقطاع شبه كامل للكهرباء العامة وتضرر كبير في البنية التحتية.

ولا يعني المشروع الذي عكفت شركة الكهرباء عليه عودة كاملة للتيار الكهربائي، بل يوفّر ساعات محدودة من الكهرباء ضمن نطاقات جغرافية ضيقة كحل إسعافي لتخفيف جزء من الضغط اليومي المتراكم على السكان منذ أشهر طويلة. في هذا الواقع، لم يعد تفكير كثير من الأهالي يتجاوز حدود اليوم نفسه، حيث تتحول الكهرباء إلى وسيلة لإدارة البقاء اليومي أكثر من كونها خدمة يمكن التعويل عليها للمستقبل.
على بعد أمتار من طوابير الطلبات، كانت سمية أبو زهدي (40 عامًا)، من سكان حي النصر غرب مدينة غزة، تختبر للمرة الأولى ما تصفه بـ "الضوء البديل". بالنسبة لها، تتجسد الأزمة في الكلفة الثقيلة للاعتماد على المولدات التجارية الخاصة؛ ضجيج دائم، واستنزاف مالي، وأسعار متقلبة تفرضها الحاجة، في ظل غياب الكهرباء.
استغنت أبو زهدي عن المولد المنزلي بعد حصولها على الخدمة البديلة المحدودة. تقول إن أكثر ما لفتها ليس توفر التيار نفسه، بل استعادة قدر من الهدوء داخل المنزل. تشغيل المولد لساعات متقطعة كان يستهلك الوقت والجهد، فيما تلتهم تكاليفه جزءًا كبيرًا من ميزانية الأسرة.
وتضيف أن الكهرباء الحالية لا تتجاوز قدرة محدودة من "الأمبيرات" تُزوَّد على فترات متقطعة، ولا تعمل بصورة دائمة، لكنها تمنح الأسرة قدرة أفضل على تنظيم تفاصيل يومها، مثل تشغيل الإنارة أو شحن الأجهزة الأساسية، وتخفف من الارتهان الكامل للمولدات وأسعارها المرتفعة. ذلك القدر البسيط من الاستقرار بدا كأنه مكسب نادر في مدينة تعيش على حلول مؤقتة.

في الجهة الأخرى من المدينة، ما يزال أحمد المدهون (35 عامًا)، من سكان حي تل الهوى جنوب مدينة غزة، يراقب الأسلاك الممتدة نحو بعض المناطق المجاورة بكثير من الترقب وقلة الحيلة. الحي الذي تعرّض لتدمير واسع في شبكات الكهرباء، يعود إلى العتمة الكاملة مع غياب الشمس.
يشير المدهون إلى أن الكهرباء أكثر من مجرد تيار منقطع؛ فغيابها بالنسبة له يشبه حالة شلل يومية تمتد من إنارة المنزل إلى شحن الأجهزة الأساسية. وبينما تصل الخدمة إلى أحياء قريبة، يبقى سكان منطقته في دائرة الانتظار، يراقبون وصول الخطوط إلى غيرهم فيما تستمر المعاناة ذاتها كل مساء.
أما في النصيرات وسط قطاع غزة، تعيش منى أبو جربوع (38 عامًا) تجربة مختلفة، إذ لم تصلها خدمة الخطوط البديلة بعد، ما يجعل اعتمادها الكامل على المولدات التجارية الخيار الوحيد المتاح.
تقول إن كلفة تشغيل المولد لساعات قليلة باتت عبئًا ماليًا ثقيلًا، إضافة إلى الضجيج المستمر وارتفاع أسعار الوقود الذي يلتهم جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة. وتوضح أن الاشتراك لتوفير الكهرباء أصبح بمثابة حساب يومي دقيق بين ما يمكن تشغيله وما يجب الاستغناء عنه لتقليل الكلفة.

وما بين أسر تحصل على خدمة جزئية محدودة، وأخرى ما زالت خارج التغطية بالكامل، وأسر ثالثة تعتمد كليًا على المولدات رغم كلفتها العالية، تعكس الأرقام حجم الانهيار الذي أصاب قطاع الكهرباء في غزة، إذ تعرضت البنية التحتية لتدمير واسع على إثر الحرب الإسرائيلية (2023-2025) شمل نحو 80% من شبكات الكهرباء، و90% من مستودعات ومخازن شركة التوزيع بما تحتويه من معدات ومواد صيانة، إلى جانب تدمير 80% من أسطول الشركة متعدد المهام، و70% من مرافقها ومبانيها، فيما توقف القطاع التجاري بصورة كاملة.
وفي توضيح لـ "آخر قصة"، قال مدير العلاقات العامة والإعلام في شركة توزيع الكهرباء بغزة محمد ثابت إن ما يجري حاليًا لا يمثل مشروع خطوط بديلة واسع النطاق كما يُتداول، وإنما إجراء محدود يرتبط بتشغيل مولد خاص بمبنى الشركة في حي النصر وسط المدينة.
وأوضح ثابت أن الخدمة المتاحة تقتصر على نطاق جغرافي قريب من المبنى، وجاءت ضمن الإمكانيات المتوفرة، باعتبارها محاولة إسعافية وتجريبية للتخفيف من حدة الأزمة وتحسين الخدمة في الحد الأدنى الممكن، لا مشروعًا شاملًا لتغطية مناطق واسعة في القطاع.
وأضاف أن الشركة تعمل على تطوير بدائل إضافية سيتم الإعلان عنها لاحقًا، تشمل حلولًا محلية وجهودًا لتأمين المواد والمستلزمات الفنية الضرورية، بما يسمح بتوسيع نطاق الخدمة مستقبلًا وفق الإمكانيات وفرص التمويل المتاحة. كما دعت الشركة أصحاب المولدات الخاصة إلى التنسيق معها لتحسين جودة الخدمة وتخفيف التكلفة عن المواطنين، في ظل استمرار الانقطاع الكامل لمصادر الكهرباء الأساسية منذ قرابة ثلاث سنوات.
في غزة، لا تبدو الخطوط البديلة مشروعًا تقنيًا لإعادة التيار بقدر ما تبدو محاولة لإدارة الانهيار اليومي في حدّه الأدنى. بعض السكان حصلوا على قدر محدود من الضوء، وآخرون ما زالوا ينتظرون، فيما تبقى مناطق كاملة خارج الخدمة تمامًا.
وبين هذه الفجوات، تستمر المدينة في ترتيب يومها داخل ظلام طويل، حيث تصبح الكهرباء المؤقتة وسيلة لإدارة الحياة أكثر من كونها نهاية للأزمة، ومحاولة لتثبيت الحد الأدنى من الاستمرار في مدينة ما زالت تعيد ترتيب ظلامها بعد الحرب.