على إضاءة خفيفة جدًا تتسلل خافتة إلى الورقة أمامها، تجلس الثلاثينية صفاء عودة منحنية فوق مخططاتها الهيكلية. تمسك قلمها بإصرار هندسي، وتثبّت الفكرة على الورق. في الخارج، تتبادل أصوات القصف والرياح مهام تشتيت الانتباه، ويتحرك صوت الحشرات بجانب رأسها كمؤشر تشويش دائم. تواصل هي نسج حكايات الناس وآلامهم عبر خطوط الحبر الصلبة.
أعادت صفاء صياغة الخيمة؛ حولتها من نمط مأوى مؤقت فُرض عليها، إلى مرسم مصغر وموقع رصد شاهد على الألم المتجذر. بين برد الشتاء وحر الصيف، وضمن معادلة الخوف والأمل، أنتجت عشرات الرسوم الكاريكاتيرية كوثائق بصرية ثبّتت وجع الإنسان الغزي، وحوّلت البيانات اليومية للحرب إلى ذاكرة رقمية بصرية عصية على المحو.

بدأت علاقة صفاء عودة بعالم الكاريكاتير في مرحلة الشباب كاختيار واعٍ لمساحة فنية تمنح الصورة الواقعية أبعادها البنيوية الأخرى. رأت في الكاريكاتير نظام تشغيل يفتح بابًا للتأمل وقراءة المعاني الكامنة خلف الأحداث؛ تنقل الكاميرا الواقع المادي بأبعاده الثلاثة، ويأتي دور الكاريكاتير ليفكك الشفرة ويكشف ما وراءها.
في وقت تغمر فيه الصور الفضاءات الإلكترونية ويستهلكها المتلقي بآلية سريعة، تفرض رسوم صفاء على المشاهد أمرًا بالتوقف الفوري (Stop Command)، وتجبره على إعادة التفكير في الحدث من زوايا حرجة، عبر كشف الأبعاد الخفية والتفاصيل الكامنة في عمق المشهد.
من هذا الموقع المتقدم، برز اسم عودة لتختارها لجنة تحكيم جائزة "كوفي عنان" الدولية للشجاعة في الكاريكاتير، بناءً على رصد عملياتي لأعمالها المنشورة خلال عامي الحرب، وتدقيقٍ في كتابها "صفاء والخيمة" الذي شكّل تدوينًا بنيويًا للحياة داخل حدود الخيام.
وجائزة "كوفي عنان" للشجاعة في الكاريكاتير هي منصة دولية تنظمها مؤسسة "رسامي الكاريكاتير من أجل السلام"، التي أسسها الرسام الفرنسي "بلانتو" وكان كوفي عنان رئيسًا فخريًا لها.

تنحدر الفنانة الفلسطينية صفاء عودة من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وتجمع في خلفيتها الأكاديمية بين بكالوريوس الاقتصاد المنزلي والتعليم الأساسي، وماجستير علم النفس. اكتشفت قدرتها على الرسم على مقاعد الدراسة، وبحلول عام 2009، صُنفت كفنانة كاريكاتير طوّرت موهبتها ذاتيًا عبر دراسة تشريحية لأعمال الرواد مثل ناجي العلي.
لم تكن "كوفي عنان" نقطة الانطلاق التكريمية لبرنامجها الفني، فقد سجلت سابقًا مراتب متقدمة، حصلت في عام 2014 المركز الثاني على مستوى فلسطين لمكافحة الفساد، وفي عام 2018 المركز الثالث في البرتغال للفكاهة، كما حازت أيضًا على المركز الثاني في المسابقة ذاتها عام 2020.
تقول عودة وهي تبتسم ناظرة إلى إشعار الفوز: "وصلني خبر الاختيار وسط ظروف استثنائية وصعبة، وجاء التكريم كاعتراف بالقصة والتجربة الكاملة لشعب حاولنا نقل واقعه عبر ترابط الرسم والكلمة".
تعتمد عودة نظامًا فكريًا يرى أن الكاميرا توثق اللحظة الزمنية كحدث مجرد، بينما يوثق الفن أثرها الهيكلي في النفس والذاكرة. يقدم الفن حقيقة موازية تمدّ الحقيقة الواقعية بأدوات قراءة أعمق، ويروي ما تعجز الصورة المنفردة عن صياغته.

انطلقت تجربتها الأولى من ألم فردي تمثّل في قضايا البطالة والضغوط النفسية والاجتماعية لجيلها، ورأت منذ تلك اللحظة أن الكاريكاتير وسيلة مثالية لتفكيك القضايا العامة. وخلال الحرب، تضاعف معدل الإنتاج لديها؛ فالصورة تنقل الحدث المادي، والكاريكاتير يفسر الشعور الكامن خلفه.
توضح عودة وهي ترسم خطوطًا على لوحة صغيرة: "في الحرب، تحول الوجع الشخصي من عائق إلى أداة لفهم ما يحدث حولي. كنت أرسم الألم من داخله البنيوي، ولذلك لامست الأعمال المتلقين مباشرة".
أُنتجت هذه الأعمال تحت ظروف انعدام البنية التحتية والمعدات الفنية، إذ واجهت الفنانة النزوح بإنقاذ أدواتها الأساسية، وحوّلت كل حادثة تتعرض لها إلى شهادة بصرية للتاريخ. وفي عام 2025، وثّقت هذه التجربة في كتابها "صفاء والخيمة" بدعم من مهرجان "ليكس" الدولي لفن الكوميك بالتعاون مع الفنان محمد سباعنة، وصدرت طبعة الكتاب عن دار نشر إيطالية.
يتطلب العمل في غزة مجاراة مستمرة لأعطال البيئة المحيطة؛ استخدمت صفاء أوراق A4 العادية وأقلامًا بدائية، وحفظت الرسوم من التلف والتشتت عبر أرشفتها بنظام التصوير الرقمي بواسطة الهاتف المحمول، متقبلةً تحدي عتمة الخيمة وضعف الإضاءة.
تضيف وهي تغسل يدها من آثار الحبر: "الرسم أداة استيعاب ومواجهة في آن واحد، ومحاولة لجعل الفكرة واضحة وإنسانية لتعبر الحدود واللغات".

تنبثق أفكار صفاء من تفاصيل المعالجة اليومية: من خبر، أو مشهد شارع، أو موقف إنساني. وتمنح أعمال الحرب والحصار قدسية خاصة لصدورها من تجربة حية. تفضل استخدام اللونين الأبيض والأسود لضمان قوة الفكرة ووضوحها، مع إدراج الألوان أحيانًا كأبعاد شعورية إضافية.
عاشت صفاء معادلة الخوف على الرسوم داخل الخيمة، واصلت الرسم تحت القصف وعلى ضوء كشاف صغير، محاطة برياح الشتاء وحشرات الصيف، ليعود عقلها نهارًا إلى المهام التشغيلية اليومية من طبخ، وترتيب، وإشعال للنيران بالحطب، وهي التفاصيل ذاتها التي تدرجها في اللوحات.
تتحول تفاصيل "الخيمة، النازح، الأم، الطفل، الحطب" في أعمالها إلى أداة مقاومة ثقافية وإنسانية لحفظ الحكاية ضد التشويه والنسيان.
تختم حديثها وهي تلتقط الصورة الرقمية الأخيرة لعملها: "يحمل الفنان الفلسطيني اليوم مسؤولية توثيق مرحلة تاريخية. قد تختفي التفاصيل المادية مع الزمن، لكن الأعمال الفنية ستبقى كواجهات تشغيلية شاهدة على الذاكرة الجماعية".