تحت شمسٍ صيفٍ لا يرحم، تطأ أقدام يسرا حسونة رصيفًا منهكًا. نصف ساعة من السير المتواصل غرب مدينة غزة كانت كافية لتزن ثقل الأكياس التي تحمله بيديها؛ كيسٌ يضم ما تبقى من ثياب عائلتها، وفوقه بطانية شتوية انتشلها زوجها بغبارها من تحت ركام بيتهم بشق الأنفس. تصل إلى المغسلة الصغيرة في زاوية الحي، تضع حملها بتنهيدة مسموعة، وتوصي العامل بلكنةٍ حريصة: "اهتم بالبقع جيدًا.. وضع من فضلك ذلك المعطر الزكي". 

على كرسي بلاستيكي مقابل للمغسلة، جلست يسرا تسترق أنفاسها وتشكو للعامل شح المياه الذي يضرب منطقتها. وفي تلك اللحظة، تسللت إلى أنفاسها رائحة معطر الملابس؛ الرائحة ذاتها التي كانت تفوح من غسالتها القديمة قبل الحرب. 

داهمتها نوبة حنين حادة؛ تذكرت غسالتها البيضاء التي ادخرت ثمنها لشهور طويلة في أيام الرخاء، كيف كانت رفيقتها الصامتة، وكيف ابتلعها الركام في لحظة واحدة، ليتحول الغسيل من روتين منزلي مريح إلى رحلة شاقة مدفوعة الأجر. 

تتأمل يسرا صورة بيتها الراحل على شاشة هاتفها، وتقول بمرارة: "لم أكن أعرف الطريق إلى الـ (دراي كلين) طوال حياتي. حتى السجاد والستائر الثقيلة كنت أغسلها بيدي في فناء بيتي. كنت أترفع عن أن يلمس غريب ملابس عائلتي.. واليوم، أدفع المال ليضعها غريب في غسالة".

وتتابع والدموع تحتبس في عينيها: "الماء شحيح، وإن وجدناه نجلبه من بعيد، لذا نخبئه للشرب والطهي. ولم يعد الأمر يقتصر على الغسيل؛ نحن نعيش حياة مستعارة، نشحن هواتفنا بالخارج، ونرسل عجيننا للأفران لنقذ الموقف، مهامنا المجانية السابقة صارت تكلفنا أضعافًا لكي تُنجز فقط".

ولا يقتصر الأمر على شح المياه والخدمات، إذ فقدت غالبية الأسر منازلها ومقتنياتها المنزلية، بما فيها الأجهزة الكهربائية الأساسية. وحتى العائلات التي ما تزال تحتفظ ببعض هذه الأجهزة تواجه صعوبة في تشغيلها بسبب شح الكهرباء وارتفاع كلفة بدائلها، إلى جانب نقص المياه، ما يدفعها للاعتماد على خدمات الغسيل والخبز وشحن الأجهزة مقابل المال.

في زاوية أخرى من المشهد ذاته، يتكرر الانكسار بصورة مغايرة. يركض علاء عبدالله بجالوناته البلاستيكية الفارغة نحو سيارة توزيع مياه استقرت قرب مدرسة للإيواء في حي النصر غرب غزة. رغم سرعته، كان طابور الجالونات الملونة الممتد أمامه يخبره بأن الانتظار سيكون طويلًا. 

يقول علاء وهو يحمل وعاءه الثقيل في طريق العودة: "كنا نعيش في رفاهية لم ندركها إلا الآن. نملأ خزاناتنا بالماء المفلتر مرتين في الشهر بضغطة زر وبلا جهد. اليوم، تحول الجالون الواحد إلى معركة يومية. تنتهي رحلة الماء، لتبدأ رحلة الخبز نحو فرن يبعد سبع دقائق، ثم رحلة البحث عن نقطة شحن للهواتف".

يمسح علاء العرق عن جبينه ويضيف: "نعيش في هيكل بيتنا المدمر كليًا، أنفقنا الكثير لنجعله صالحًا للحد الأدنى من الحياة، والآن نستنزف يوميًا مبالغ جانبية تقتطع ما يقارب 200 شيكل شهريًا من ميزانيتنا المعدومة، فقط لنشتري خدمات كانت تحدث في بيوتنا دون أن تشعر بها".

هذا التكيف الإجباري يعكس على أرض الواقع أزمة هيكلية طاحنة تعمقها لغة الأرقام الصادمة حتى عام 2026؛ إذ تشير الإحصاءات الرسمية لـ "سلطة المياه الفلسطينية" ووكالات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 85% من مرافق المياه والصرف الصحي في قطاع غزة تعرضت لتدمير كلي أو جزئي. 

وتحت وطأة هذه الأرقام، وفي ظلّ وصول معدلات الفقر العامة إلى 100% والبطالة إلى أكثر من 80% وفقاً لتقارير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، وتضرر المنشآت الصغيرة بنسبة 90%، تحول التدمير إلى سوق بديل يُدعى "اقتصاد الضرورة".

خلف مكتبه الخشبي الصغير، يدون فادي أبو شوارب أسماء زبائنه. كان قد أسس مغسلته قبل ثماني سنوات، فيما يرى اليوم أن الإقبال بات مضاعفًا بفعل الأزمة، لكنه إقبال مجبول بالحاجة لا بالرفاهية. 

يقول أبو شوارب: "أغلقت المغسلة تحت القصف، ثم عدت لأنها مصدر رزقي الوحيد. اضطررت لتقليص عمالي من ستة إلى ثلاثة. يشتكي الناس من الغلاء، لكن تكلفة الوقود لتشغيل المولدات باهظة جدًا وتنعكس على الخدمة". 

ويلفت بنظره إلى الأكوام المتراكمة: "معظم ما يصلنا هي أغطية وملابس انتشلت من تحت الردم، تعجز النساء عن غسلها يدويًا لعمق الأوساخ وغياب كميات وفيرة من المياه الجارية في الخيام والمنازل". 

على الرصيف المقابل، يصنع زياد الأشقر من رماد مصنعه القديم بداية جديدة. كان يمتلك مصنعًا شهيرًا للحلويات في مخيم الشاطئ قبل أن تسويه الطائرات بالأرض. اليوم، لم يتبق له سوى "عجانة كهربائية" واحدة، أنقذها من الردم ليفتتح بها نقطة لخبز عجين العائلات وتحمير صواني طعامهم، مستعينًا بأربعة عمال فتح لهم باب رزق جديد. 

يقول زياد وهو يراقب نيران فرنه الحجري: "أحاول التخفيف عن النساء، بدلًا من الوقوف لساعات أمام الحطب والنار، يرسلن العجين وأخبزه بسعر رمزي. هناك عائلات تسلمني كيس الطحين كاملًا، لأقوم بكل المراحل ويستلموا خبزهم طازجًا كل صباح".

هذا المشهد المعقد، الذي يتأرجح بين نزيف العائلات واستماتة أصحاب الحرف للبقاء، يفكك خيوطه المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر، موضحاً أن هذه المهن "القديمة المتجددة" لم تظاهر بالازدهار إلا لملء فراغ مأساوي. 

ويشير أبو قمر إلى أن ما يحدث يندرج تمامًا في سياق "اقتصاد الضرورة"؛ وهو نمط قسري ينعش مهاماً كانت تؤديها الأسرة داخلياً بالمجان، بعد أن جُرّدت العائلات من البنية التحتية والمقومات الأساسية لإنتاجها.

ويلفت إلى الأثر المزدوج لهذا النمط: "هذه الخدمات تفرض اليوم مقابلاً مادياً ليس بالبسيط، ما يعادل كلفة ثابتة وشبه يومية تستنزف جيوب عائلات بلا دخل أساساً، لكنها في المقابل، تحولت إلى طوق نجاة وشبكة أمان ومصدر رزق بديل لعشرات الأسر الأخرى التي تعتاش من تقديم هذه الخدمات".

في غزة، يفرض "اقتصاد الضرورة" معادلته القاسية والمعقدة في آن واحد؛ فهو يلوّح بفرص عمل بديلة وطاقات إنقاذ صغيرة لعمال وحرفيين سُحقت منشآتهم، لكنه في المقابل، يقتطع ثمن هذه الخدمات البدائية من لحم المستهلك اليومي، ويستنزف جيوب مواطنين يبحثون بالكد عن سبل للبقاء على قيد الحياة.

المشهد ليس ترفًا، ولا سعيًا لراحة سيدة المنزل؛ بل هو استسلام قسري لواقع انتُزعت منه كل مقومات الحياة، ليصبح فيه غسل قميص، أو خبز رغيف، أو رشفة ماء نظيفة.. تفاصيل يومية غالية الثمن، تُشترى بالمال، وتُدفع من رصيد الكرامة والجهد.