وقفت هبة سليم على شاطئ بحر غزة تتأمل الأمواج بتمعن؛ غير أن ما أثار انتباهها لم يكن حركة الموج أو ازدحام المصطافين، بل غياب المنقذين الذين اعتادت رؤيتهم قبل الحرب في مواقعهم على امتداد الشاطئ. بحثت بعينيها عن سترات الإنقاذ الصفراء أو الفوسفورية فلم تجد أحدًا، فيما لفت انتباهها علم صغير باهت كُتب عليه بخط جاف: "ممنوع السباحة منعًا باتًا". لكن المشهد خلف اللافتة كان يناقض فحواها تمامًا؛ أطفال يلهون ويسبحون ويمرحون بالقرب من المنطقة المحظورة ذاتها.
تذكر سليم جيدًا أن فرق الإنقاذ البحري لم تك تغادر مواقعها في هذه المنطقة القريبة من حوض الميناء قبل الحرب الإسرائيلية (2023-2025)، فاستغربت هذا الاختفاء المفاجئ من المشهد البحري.
بموجب دلالة اللافتة، طلبت هبة من أبناء شقيقتها الابتعاد فورًا عن تلك النقطة في ميناء غزة والتوجه للسباحة في الجهة المقابلة. ورغم بقاء مجموعات أخرى من الأطفال يركضون صوب المياه الخطرة، لم تُحول نظرها عنهم خشية أن يبتلعهم الموج في غفلة من ضعف التغطية الإنقاذية وغياب الرقابة الميدانية الكافية.
تقول والموج يضرب قدميها: "أعرف أن هناك أماكن يُمنع فيها السباحة، وكنت أرى المنقذين دائمًا قبل الحرب، لكنني أزور البحر هذه الفترة باستمرار فلا أراهم خلال وقت تواجدي.. نعلم جميعًا أن البحر كله بات غير صالح للسباحة لأن مياه الصرف الصحي تصب فيه بلا معالجة، لكنه يظل المتنفس الوحيد المتبقي لنا، والأوفر ثمنًا في ظل هذا الانهيار".

ولا تبدو ملاحظة هبة حالة فردية؛ إذ تكشف متابعة "آخر قصة" وجود فجوة متزايدة في منظومة الإنقاذ البحري على شواطئ القطاع، في ظل تراجع أعداد المنقذين ونقاط المراقبة والمعدات الأساسية، مقابل تزايد أعداد المصطافين الذين يقصدون البحر بوصفه المتنفس الأقل كلفة في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الراهنة.
ولا يرتبط خطر الشاطئ بضعف التغطية الإنقاذية فقط؛ إذ تكشف لافتات المنع عن أزمة بيئية موازية تتمثل في تلوث أجزاء من الساحل بمياه الصرف الصحي غير المعالجة.
بعد مراجعة التقارير المرجعية الصادرة عن سلطة جودة البيئة في غزة (تحديدًا بيانات عام 2023 الصادرة بالتعاون مع وزارة الصحة ضمن برنامج مراقبة جودة الشاطئ)، وجدنا أن 40% من الشاطئ كان مصنفاً كمنطقة غير آمنة وسامة قبل الحرب، في حين كانت النسبة الآمنة لا تتعدى 60% فقط. وهي أرقام يُجمِع الخبراء على أنها تضاعفت بشكلٍ مرعب بعد تدمير البنية التحتية للصرف الصحي خلال الحرب التي تستمر تداعياتها حتى اليوم.
هذا التآكل البيئي يضعه معتز النجار وهو أب لطفلين، في كفة، وإصرار أطفاله على الحياة في كفة أخرى. يزور معتز البحر أسبوعيًا للتخفيف من ثقل الواقع، لكن غياب المنقذين إلى جانب المخاوف من تلوث المياه يلاحقه باستمرار.
يقول وهو يراقب ابنيه اللذين يسبحان في مساحة يُشاع أنها آمنة: "فكرة أن يكون البحر ملوثًا ترهقني، أطفالي أجسادهم حساسة للغاية، وبعد كل مشوار للبحر يصابون بطفح جلدي شديد. عدا عن ذلك، أخاف عليهم من السباحة بعيدًا خصوصًا أنني لم أعد أرى منقذين على الشاطئ.. في إحدى المرات وجدت رجلاً (مستقلاً) يحث الناس على الابتعاد عن منطقة صخرية، وبعدها لم ألمحه".
هذا الفراغ الرقابي أكدته أيضًا سما إبراهيم، وهي شابة مولعة بالسباحة كانت ترتاد الشاطئ مرتين أسبوعيًا في الصيف قبل الحرب. لكن بعد أن تحول الشاطئ إلى مساحة مكدسة بالخيام والازدحام، بفعل عمليات النزوح، لم تسبح إلا مرات معدودة.
تروي: "كان للمنقذين دور كبير في شعوري بالأمان.. بمجرد أن أراهم أطمئن وأدخل لمسافات لا بأس بها. في الصيف الحالي، وجدت نفسي مضطرة لمساعدة أطفال يسبحون، وأنقذت بالفعل أكثر من مرة أطفالاً كانوا على وشك الغرق بسبب تأخر المنقذين عن الحضور إلى نقاطهم".

وعبر التواصل المباشر مع الجهات الرسمية وتتبع خطوط الإنقاذ الممتدة مؤخرًا بإشراف بلدية غزة (من منطقة فندق البلو بيتش شمالاً حتى شارع الحرية جنوبًا بطول 8 كيلومترات)، سعت مراسلة "آخر قصة" للتعرف على دور بلديات غزة والوسطى والجنوب، والوقوف بدقة على أرقام العجز الميداني.
وتكشف البيانات التي حصلت عليها "آخر قصة" أن التحدي الأبرز لا يتمثل فقط في تلوث المياه، بل أيضًا في محدودية قدرات الإنقاذ البحري مقارنة بحجم الإقبال على الشواطئ وطول الساحل الذي يحتاج إلى تغطية مستمرة.
في مقابلة مع المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، تظهر الأرقام فجوة حادة في الحماية؛ حيث أشار إلى أنّ البلدية تمكنت من تشغيل 14 نقطة إنقاذ بحري فقط من أصل 22 نقطة كانت تفعّل قبل الحرب. ويعمل حاليًا على الشاطئ نحو 80 منقذًا بحريًا (بين مثبتين وتثبيت مؤقت)، في حين أنّ الاحتياج الفعلي لتغطية الشاطئ كاملاً يتطلب 150 منقذاً؛ ما يعني وجود عجز صريح يقدر بـ 70 منقذاً بحريًا.
وبذلك تعمل المدينة بنحو نصف احتياجها الفعلي تقريبًا من المنقذين البحريين، رغم استمرار تدفق المصطافين على الشاطئ.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الإنقاذ البحري في غزة يعمل حاليًا بقدرات أدنى من الاحتياج الفعلي، سواء من حيث أعداد المنقذين أو البنية التحتية المساندة، ما يضاعف من المخاطر التي يواجهها المصطافون يوميًا.
وبالإشارة إلى جودة المياه، قال مهنا أن البلدية حاولت إجراء الفحوصات المخبرية منذ بداية الموسم، إلا أن النقص الحاد في المواد المخبرية حال دون تنفيذ الفحوصات وإصدار أي نتائج دقيقة، مما يعني أن المصطافين يسبحون حاليًا في مياه مجهولة المنسوب الجرثومي وبلا أي غطاء علمي.
كما لخص التحديات في الغياب الكامل لأبراج المراقبة المرتفعة للسيطرة البصرية، النقص الحاد في المعدات الأساسية (الطوافات، الصافرات، وملابس الإنقاذ)، وتدني أجور العاملين مقارنة بخطورة المهمة.

أما في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، فيتخذ العجز الميداني شكلاً مختلفًا؛ حيث يمتد الشاطئ بطول يقارب 900 متر طولي تتولى بلدية النصيرات مهمة تأمينه بكادر بشري محدود الاعتماد.
ويشير المتحدث باسم البلدية، نبيل الصالحي، إلى أن الإدارة سعت لسد الفراغ عبر الاستعانة بمشاريع التشغيل المؤقت (البطالة)، إلى جانب وجود 6 منقذين فقط من موظفي وزارة الحكم المحلي المنتدبين، وهو ما يعكس الاعتماد على حلول مؤقتة وموسمية لتغطية احتياجات الشاطئ المتزايدة.
وفي الجنوب، تتخذ الأزمة بعدًا ديموغرافيًا خانقًا؛ حيث يؤكد المتحدث باسم بلدية خان يونس، صائب لقان، أن المدينة استوعبت كتلة بشرية هائلة بلغت 900 ألف نسمة يتركزون في شريط غربي ضيق لا يتعدى 30 كيلومترًا مربعًا، مما جعل التدفق على الشاطئ غير مسبوق، ليفرض على المدينة ضغطًا عملياتيًا ولوجستيًا شديد التعقيد على طول الساحل البالغ نحو 9 كيلومترات.
وأمام هذا الوضع، دفعت بلدية خان يونس بـ 170 منقذًا بحريًا موزعين على طول الشاطئ، وجهزت 45 نقطة مراقبة قائمة على خيام بدائية بدلاً من الأبراج المدمرة، محذرة عبر منصاتها الرقمية من السباحة في مناطق المصبات السامة (تحديداً 350 مترًا شمال وجنوب المتنزه البحري).
إلا أن ارتفاع أعداد المنقذين في خان يونس يرتبط أيضًا بزيادة غير مسبوقة في أعداد السكان النازحين وتوسع الشريط الساحلي الذي يتطلب تغطيته، ما يبقي الضغط قائمًا على طواقم الإنقاذ؛ إذ يبدو أن التحذيرات لم تصل بالشكل الكافي، فتكشف الأرقام الصادرة عن بلدية خان يونس حجم الخطر المحدق؛ حيث سجلت الطواقم إنقاذ 175 حالة كادت أن تغرق خلال شهر مايو الماضي وحده، وذلك خلال ساعات الدوام الممتدة من الثامنة صباحًا حتى الثامنة مساءً.

يتجاوز الخطر الأكبر في هذا القضية الغرق الفوري إلى "التسمم التراكمي". يحلل المختص البيئي محمد مصلح هذه الكارثة الهيكلية محذراً من أن ضخ مياه الصرف الصحي غير المعالجة يرفع بشكل جنوني تركيز عناصر الكيماويات مثل (الفوسفور والنيتروجين)، مما يحفز "الازدهار الطحلبي الطفيلي" الذي يسحب الأكسجين من الماء ويؤدي لنفوق جماعي للأسماك أو هجرتها.
وفي هذا السياق، ينبه مصلح إلى: "أن التصريف العشوائي للملوثات لا يقف عند حدود الأمراض الجلدية والتنفسية للمصطافين، بل يؤدي بشكلٍ حتمي إلى تراكم المعادن الثقيلة والسموم داخل أنسجة الأسماك والكائنات البحرية، والتي تعود لتنتقل مجددًا إلى جسد الإنسان الغزي عبر السلسلة الغذائية (أكل الأسماك الملوثة)، مما يؤسس لأزمة صحية طويلة الأمد".
رغم الخطط الميدانية التي تعلن عنها البلديات لترميم ما دمرته الحرب، إلا أن الفجوة الحاصلة بين طول الشواطئ والمعدات المتوفرة تؤكد أن الأمان على شاطئ غزة بات مجرد "تخمين افتراضي". فالعجز البشري في فرق الإنقاذ، ونقص نقاط المراقبة والمعدات الأساسية، يضعان آلاف المصطافين أمام مخاطر يومية متزايدة، فيما تضاعف أزمة تلوث المياه من حجم التهديدات الصحية القائمة.
ومع تفاوت التغطية الميدانية وغياب أبراج المراقبة والمعدات الأساسية، يواجه المصطافون على شواطئ القطاع هذا الصيف خطرًا مزدوجًا يجمع بين التهديد المباشر للغرق وتبعات الكارثة البيئية الناجمة عن اختلاط مياه البحر بمياه الصرف الصحي غير المعالجة. وفي ظل استمرار العجز البشري واللوجستي في منظومة الإنقاذ البحري، تبقى سلامة آلاف المصطافين مرهونة بإمكانيات لا تتناسب مع حجم المخاطر القائمة.