في الوقت الذي يصعد فيه أكثر من مليوني حاج إلى جبل عرفات اليوم التاسع من ذي الحجة 1446هـ، ليشهدوا أعظم ركن في الحج، يقف آلاف آخرون خلف العديد من الحواجز التي تحول بينهم وبين تلبية هذه الشعيرة.

ويواجه سكان المجتمعات الفقيرة وبخاصة كبار السن، تحديدات تعيق المشاركة في مواسم الحج، والتي من بينها حواجز الفقر، والحصار، وغياب الميسرة.

في الأراضي الفلسطينية عموما وقطاع غزة على وجه الخصوص، فالمأساة متجذرة، حتى قبل اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، كان الحصار الإسرائيلي يمنع آلاف الفلسطينيين من السفر لأداء الفريضة. 

ويؤكد مراسل آخر قصة أن تكلفة الحج من غزة كانت تأخذ مسارا بريا إلى القاهرة ومن ثم إلى مكة جواً، وكانت تبلغ في السنوات الأخيرة ما بين 7000 و10 آلاف دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة العائلات البسيطة على توفيره في ظل فقر مدقع وبطالة مستشرية تتجاوز حدود 70%.

واظهرت الاحصاءات الرسمية أن إسرائيل تواصل اغلاق المعابر بوجه عشرة آلاف حاج كانوا يمنون النفس بإكمال أركان دينهم، وسط حالة من الياس التي تخيم على العائلات التي كانت تنتظر هذه اللحظة لسنوات طويلة.

واوضحت وزارة الاوقاف الفلسطينية في بيان لها، أن الاوضاع الميدانية الصعبة تسببت في تعطيل كامل لموسم الحج، خاصة مع غياب أي ضمانات امنية تسمح بفتح المعابر أو تسهيل حركة المسافرين من القطاع المحاصر.

وبينت مصادر مسؤولة أن قائمة المنتظرين شهدت رحيل واحد وسبعين شخصا وافتهم المنية وهم على قائمة الانتظار دون أن تتحقق امنيتهم في زيارة البقاع المقدسة.

ويشير مراسل آخر قصة إلى أن تسعين بالمئة من مكاتب وشركات الحج والعمرة في غزة تعرضت للدمار الشامل او الجزئي بفعل العمليات العسكرية الإسرائيلية على القطاع، مما ادى الى توقف الخدمات اللوجستية تماما.

لكن القصة لا تقف عند تحديدات المال أو الحصار فقط. ففي الثمانينيات والتسعينيات، وحتى بعد اتفاق أوسلو، كانت سلطات الاحتلال تمنع آباء "المطلوبين" أو المعتقلين السابقين من مغادرة القطاع، وكثيرون حرموا من الحج لأسباب أمنية.

أم محمد (77 عاماً) نازحة من جباليا شمال قطاع غزة، قالت: "زوجي اعتقل في الثمانينات، وبعد خروجه من السجن بسنوات منع من الحج، بحجة أنه شارك في الانتفاضة، توفي زوجي وهو لم يرَ الكعبة، واليوم عرفة، وأدعو له هنا من داخل الخيمة".

أما على المستوى الفقراء في مصر، فيقول الحاج إبراهيم (69 عاماً) وهو فلاح من ريف المنيا في صعيد مصر "كل عام أرى الكعبة على الشاشة، وأموت ألف مرة".

يرتدي الحاج إبراهيم جلباباً رثاً ويجلس أمام تلفاز قديم، "ادخرت ثلاثين سنة، لكن الأسعار تزيد، واليوم عرفة، وأنا هنا مع الدجاج، لا مع الحجيج".

وتتراوح تكلفة الحج للفرد الواحد من مصر بين 4,500 دولار أمريكي للبرامج الاقتصادية وتصل إلى أكثر من 13,000 دولار للبرامج الفاخرة، حيث تختلف حسب الدرجة (بري، اقتصادي، سياحي). 

تلك التكاليف حولت "الركن الخامس" إلى امتياز للأغنياء، في صمت مطبق عن ملايين المسلمين الفقراء، خصوصاً في المناطق الريفية التي لا تزورها الكاميرات.

وفي الغالب تخضع المشاركة في الحج إلى القرعة التي تجريها الحكومات، غير أن التسجيل للقرعة أولاً يجب أن ينطوي على القدرة على دفع التكاليف في حال الفوز فيها. 

وفي مناطق نائية باليمن، السودان، وموريتانيا، العائق ليس الحصار فقط بل غياب أبسط المقومات، وبخاصة قلة مكاتب الحج، وصعوبة استخراج التأشيرات، والعجز عن دفع آلاف الدولارات "السياحية".

يقول أحد الباحثين في شؤون الحج، فضل عدم نشر اسمه: "نظام الحصص والقرعة والأسعار المرتفعة، خلقت طبقة من الحجاج الأثرياء، فيما يموت فقراء المسلمين حسرة على ساحة عرفات، وهذا ليس حكراً على العرب، لكن الفقر في الكثير من المجتمعات العربية يضاعف الألم".

على شاشات التلفاز، تبث القنوات مشاهد مهيبة للحجاج وهم يرفعون أيديهم بالدعاء على جبل عرفات، لكن في أكواخ الريف والمخيمات الفلسطينية وبيوت الفقراء، ينظر آخرون إلى نفس المشهد وهم يدركون أن قطار العمر قد مضى، في انتظار تحقق المسيرة.

في هذا اليوم بالذات، يوم عرفة، لا يدعو فقراء الأمة لأنفسهم فقط، بل يطلبون من الله أن يرد للحج روحه الأولى، حين كان الناس يحجون بالرغبة والجهد لا بالدولار وبطاقة الائتمان.