لم يكن يدر في خلد الفلسطينية الشابة دينا محمد (*)، البتة أن الاستعدادات لقدوم مولودها قد ذهبت أدراج الرياح، بفعل الحرب على قطاع غزة، وأنه في الموعد المقرر لولادته كانت وفاته.
حين اندلعت الحرب على غزة في السابع من تشرين الأول الماضي، كانت الشابة محمد (26عاماً) تعد الأيام لأجل وضع جنينها، وقد كانت حينها في الشهر التاسع للحمل. غير أنه وتحت وطأة القذائف والصواريخ اضطرت للنزوح عن مسكنها الواقع في شارع الوحدة وسط مدينة غزة. خلال عملية النزوح استنشقت غاز الفسفور الذي ألقته الطائرات الحربية على مناطق مختلفة من القطاع.
تستذكر دنيا تلك اللحظات المروعة وتقول: "أصابنــي اختنــاق حــاد فــي تلــك اللحظــات، فهربـت إلـى مدرسـة الرمـال الإعداديــة إلى الغرب من المدينة، وبعـد أسبوعين حان موعد الميلاد، فذهبت إلــى عيــادة أصدقــاء
المريـض للاطمئنـان علـى الجنيـن، ليخبرنـي الطبيـب أن الجنيــن قــد هلــك، لــم أســتوعب الصدمــة حينها، لذا فضلنا مشاركة الأمر عبر طبيب آخر، فأكد فقدان الجنين".
وأضافت محمد: "لقد سألني الطبيب عما إن كنت قد استنشقت غــاز فوســفور فأجبته بنعــم، فقــال: "إنــه السـبب فـي مـوت جنينـي فهنـاك العديـد مـن النسـاء الحوامـل مثـل حالتـي (..) لقد كانـت تجلس إلى جـواري فـي نفـس اللحظـة أم فقـدت جنينهـا لنفـس السـبب".
وتشير إلى أنها ومنذ تلك اللحظة التي مرت عليها بضعة أشهر، لكنها ما تزال تعاني أثارا نفسية سيئة، على اعتبار أن التاريخ المحدد لميلاد جنينها، كان تاريخ وفاته.
شكوك حول الدوافع
تثار الكثير من الشكوك حول الدوافع الكامنة وراء الانتهاكات الإسرائيلية الممارسة بحق النساء الفلسطينيات في قطاع غزة وبخاصة الحوامل منهن، خلال الحرب التي دخلت شهرها السابع دون وجود مؤشرات لقرب وقف إطلاق النار. علماً أن عدد الضحايا تجاوز 33 ألفاً حتى كتابة التقرير، 70% منهم من النساء والأطفال، وفقاً لوزارة الصحة بغزة.

الشهادات الحية التي استمعنا إليها لنساء حوامل تعرضن لانتهاكات جسيمة خلال الهجمات العسكرية الإسرائيلية، إلى جانب إفادات حقوقية محلية، جميعها تعطي دلائل واضحة على وجود رغبة حقيقية لدى الاحتلال بمنعهن من الإنجاب، مما يلقي بظلال سلبية على الصحة الإنجابية عموماً في غزة.
ولم تحظ النساء الحوامل بحقهن في الحماية طبقا لما نص عليه القانون الدولي الإنساني، إذ تطالهــن الهجمــات بشــكل مباشــر إما بالقتل أو الإصابة أو استنشاق غازات سامة، وتعرضهن لأضـرار نفسـية وجسـدية جسـيمة ناجمـة عـن الخـوف والقلـق الشـديدين وحرمانهـن مـن نظـم الحمايـة الخاصـة بهـن، كما أن بعضهن خضعن لعمليات ولادة قيصرية بدون تخدير.
جميع الانتهاكات الآنفة، قادت وفق إفادة مختصين، إلـى منـع الـولادة وتـركت تبعـات جسـيمة علـى الصحـة الإنجابيـة، بمـا فــي ذلــك زيــادة آلام الحمــل وحالات الإجهاض وحالات الــولادة المبكرة وحالات ولادة أطفــال ميتيــن.

تجارب واقعية
فجر الثامن من تشرين الأول الماضي، ودون سابق إنذار تعرض البرج السكني (المخابرات 2) غرب مدينة غزة، الذي تقيم فيه السيدة رويـدة خليل (*) إلى القصف من قبل طائرات الاحتلال. كانت حينها رويدة حامل في الشهر السادس، واضطرت لاستخدام السلم مهرولةً للنزول من الدور السابع إلى الأرضي.
تصف خليل (29 عاماً) تلك اللحظة وتشخص عينيها كأنما تستحضر المشهد قائلةً: "كنـت أنـزل والبـرج يتسـاقط ومـا إن وصلـت إلـى البوابـة حتـى انهـار البـرج بالكامـل خلفـي. لقـد كان الخـوف لا يوصـف، جريـت بسـرعة حتـى وصلنـا إلـى فنـدق المشتل. لقـد أجريت قبـل عاميـن عمليـة قيصريـة لـولادة ابنـي الأول، وأثناء المشـي مـن شـدة الخـوف فتق جـرح العمليـة وبدأت أنـزف. لـم أستطع الذهـاب إلـى المستشـفى مـن شـدة القصـف المتواصـل. مكثنـا ليلـة فـي الفنـدق تناولت خلالهـا مسـكنات قويـة حتـى أقـوى على التحمل، وفي الصباح اتصل جيش الاحتلال على إدارة الفندق وأمره بالإخلاء الفوري".
وتضيف بعد أن اعتلت مسحة حزن وجهها: "مشــيت وأنــا أنــزف مــا يقــارب ســاعتين حتــى وصلــت إلــى مستشفى الشــفاء. وكان هنــاك عــدد هائــل مــن الشــهداء والمصابيــن ومعظمهــم ملقــى علــى الأرض لكثرتهــم. ذهبــت إلــى قســم الاستقبال فمــا كان منهم إلا أن وضعــوا لــي لاصــق طبــي علــى الجــرح فقط، رغم أني أخبرتهــم بحاجــتي إلــى فحــص وإلـى إبــرة تكبيــر رئــة للجنيــن والتــي أحصــل عليهــا فــي كل حمــل، فأجابونــي أنــه لا مجــال لهــذا الاهتمام فهناك ضغط شديد وحالات خطرة جداً من المصابين تحتاج إلى إنقاذ".
خـلال شـهرين كاملين لـم تسـتطيع رويدة الوصـول إلـى الرعايـة الطبيـة المناسبة بسـبب كثافـة القصـف وخـروج المستشـفيات عـن العمـل، حينها كان قد أصبح الجرح غائراً، واضطرت للتوجه إلى مشفى "الصحابـة" الواقع إلى الغرب من مدينة غزة، لإجراء ولادة مبكرة وعاجلة خشية على حياة الجنين.
بتاريــخ العاشر من يناير الماضي أجريت عملية الولادة القيصريـة، وتمكنت من وضع مولودها الذي أسمته (وليـد)، وقـد سـعدت بذلـك كثيـراً هي وأسرتها نتيجة ما تحملته من آلام. إلا أن رئتاه اللتان لـم تكـتمل أجبرتاها على إدخاله إلـى حضانـة مستشـفى كمـال عـدوان فـي شـمال غـزة. هناك كانت الكارثة حيث أن التيــار الكهربائــي قــد تعطل بســبب القصــف الشــديد فــي محيط المشفى ممــا أدى إلــى انقطـاع الأكسـجين عـن المولود وتوفي بعد ثمان أيام من دخوله المشفى.
تقول رويدة: "لا أسـتطيع وصـف الشـعور، لقـد كانـت فاجعة بالنسبة لي، كل ما أشعر به الآن أنني لا أريد أن أنجب مرة أخرى ولا أريد أن أكرر هذه المأساة".

ما عشته هذه السيدة وغيرها المئات من النساء الحوامل في غزة خلال الحرب، يتعارض تماماً مع ما نص عليه القانون الدولي الإنساني، الذي يمنح النســاء الحمايــة العامــة المقــرة للمدنييــن فــي أوقــات النــزاع، بمــا فيهــا الحــق بالمعاملـة الإنسـانية فـي جميـع الأوقـات، والحـق فـي الحمايـة مـن الأعمـال العدائيـة.
كمـا يأخـذ القانـون بعيـن الاعتبـار كونهـن أمهـات وربمـا يكـن عرضـة لأنـواع معينـة مـن العنـف ممـا يلـزم ضمـان حمايـة خاصـة لهـن، فقـد نصـت المـادة (١٦) مـن اتفاقيـة جنيـف الرابعـة: "يكـون الجرحـى والمرضـى وكذلـك العجـزة والحوامـل موضـع حمايـة واحترام خاصين".
ومع ذلك، تعانـي جميـع النسـاء فـي قطـاع غـزة، منـذ بـدء الحرب ضروبــا مختلفــة مــن الانتهــاكات الجســيمة لحقوقهــن كمدنييــن، وبخاصة إن هناك إفادات قانونية تشير إلى رصد ارتكاب الاحتلال أحد أفعال جريمة الإبادة الجماعية وهي "منع الإنجاب" في غزة.
طبقاً لتقرير صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فإن من بين الإجــراءات الإســرائيلية التــي تمنــع الــولادة، هي ضعـف الخدمـات الطبيـة المقدمـة للنسـاء الحوامـل وصعوبـة الوصـول الآمـن إليهـا، بالإضافـة إلـى تقييـد إمكانيـة الحصـول علـى الغـذاء المناسـب، وفـرض ظـروف معيشـية صعبـة تزيـد مخاطـر الحمـل.
يشير التقرير إلى أن هـذه الانتهـاكات أدت إلى فقـدان بعـض النسـاء الحوامـل لأجنتهـن، وأخريـات اضطـررن للـولادة المبكـرة، أو ولادة أطفـال ميتيــن، فيمــا تواجــه العديــد منهــن مضاعفــات ومخــاوف شــديدة مــن الوفــاة أو فقــدان أجنتهــن بســبب الإهمــال والتجاهل للاحتياجات الخاصة بهن.

على ضوء ذلك، قالت ريـم السـالم، مقـررة الأمـم المتحـدة الخاصـة المعنيـة بالعنـف ضـد النسـاء والفتيـات وأسـبابه وعواقبـه: "يمكــن وصــف العنــف الإنجابــي الــذي تمارســه إســرائيل علــى النســاء الفلســطينيات والأطفــال حديثــي الــولادة والرضــع والأطفــال بأنــه أعمــال إبــادة جماعيــة بموجــب المــادة (٢) مــن اتفاقيــة منــع الإبــادة الجماعيــة، بمــا فــي ذلــك فــرض تدابيــر تهــدف إلــى منــع الــولادات فــي غضــون مجموعــة".
وأضافت السالم "يجــب علــى الــدول منــع مثــل هــذه الأفعــال والمعاقبــة عليهــا وفقــا لمســؤولياتها بموجــب اتفاقيــة الإبــادة الجماعية".
وطبقاً للأمم المتحدة فأنه ومع إغلاق 14 مستشفى و45 مركزا للرعاية الصحية الأولية، تضطر بعض النساء إلى الولادة في الملاجئ، أو في منازلهن، أو في الشوارع وسط الأنقاض، أو في مرافق الرعاية الصحية المكتظة، حيث تتدهور المرافق الصحية، ويزداد خطر الإصابة بالعدوى والمضاعفات الطبية.
في المقابل يقول المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، إنه ونظـراً لعـدم إمكانيـة الوصـول إلـى الإمـدادات الطبيـة الحيويــة في قطاع غزة بسبب الهجمات الإسرائيلية، بمــا فــي ذلــك الــدم، يضطــر الأطبــاء إلــى إجـراء عمليـات اسـتئصال الرحـم غيـر الضروريـة عـادة للشــابات فــي محاولــة لإنقــاذ حياتهــن، ممــا يجعلهــن غيــر قــادرات علــى إنجــاب المزيــد مــن الأطفــال. إذ تؤكــد وزيــرة الصحــة الفلسطينية السابقة مــي الكيلــة، أن الخيــار الوحيــد أمــام المــرأة الفلســطينية فــي غــزة التــي "تنــزف" بعــد الــولادة هــو إجــراء عملية استئصال الرحم من أجل إنقاذ حياتها".

تقييد الحصول على الغذاء
الأمر لا يقف عند حدود الاستهداف المباشر أو التأثير على واقع الولادة فحسب، فهناك تداعيات سلبية نتيجة الحصار المطبق على القطاع وتقييد إمكانية الحصول على الغذاء بما في ذلك الدقيق والخضروات، حيث حال ذلك دون حصول الحوامل على التغذية السلمية.
على سبيل المثال تعاني رؤى السنداوي وهي الحامل بثلاثة توائم من الدوار بسبب تناولها طعامًا معلّبًا منذ اندلاع الحرب قبل سبعة أشهر، وهو ما أثر على امتصاص الحديد، وفقًا لطبيبها.
تدرك السيدة السنداوي أهمية أن تتناول كامرأة حامل، الطعام الصحي ونيل