تقف لينا محمود في متجر بحي الرمال بمدينة غزة، تتأمل رفوفًا شبه خاوية لم يتبقَ عليها سوى أقل من عشر حقائب نسائية. تتفحصها واحدة تلو الأخرى؛ تمسك بإحداها لتجد جلدها الصناعي متقشرًا فتعيدها إلى مكانها. تنتقل إلى الرف المقابل، لتجد حقائب قماشية محلية رديئة الصنع، فتتركها بملل.

فقدَت محمود حقائبها إثر قصف استهدف منزل عائلتها في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، ما جعلها في حاجة ملحة لبديل. لكن رحلة البحث أصبحت مهمة شبه مستحيلة في زمن يُمنع فيه دخول هذه السلع إلى القطاع. وعندما حاول البائع إقناعها بالمتوفر، سألته: "أين الحقائب؟"، فأجابها بتنهيدة: "ممنوعة من الدخول".

غادرت محمود المحل باحثة عن وجهة أخرى وهي تواجه واقعًا اقتصاديًا مشوهًا، وتوضح أبعاد الأزمة قائلة: "كل فترة تختفي سلع من الأسواق بسبب منع دخولها أو ارتفاع كلفة تنسيق شحنها. هذه المرة طال المنع الحقائب؛ المتاح رديء، وإن وُجدت حقيبة متوسطة الجودة، فإن سعرها يفوق 100 دولار".

مؤخرًا، أصبحت المحلات التجارية في غزة شبه خالية من الحقائب النسائية، بعد أن كانت متوفرة إلى حدٍّ ما في فترة سابقة، حيث سُمح بدخولها آنذاك وبلغ سعر بعضها حوالي 50 دولارًا. أما اليوم، فقد اختفت تمامًا من معظم المحال المتخصصة، ولم يتبقَ إلا القليل جدًا، والجزء الأكبر من المعروض صُنع محليًا في غزة من أقمشة رديئة الجودة.

على نحو مشابه، تبحث رقية عبود عن حقيبة يد مناسبة دون جدوى. تصفق عبود كفيها ببعضهما تعبيرًا عن صدمتها قائلة: "ما يحدث جنون؛ ماذا يعني أن أشتري حقيبة سعرها 350 شيكلًا؟".

كانت عبود تنتظر تراجع الأسعار، خصوصًا بعد تقشر حقيبتها الوحيدة التي رافقتها منذ بداية الحرب، لكنها وقعت في فخ انقطاع السلع تمامًا. تضيف وهي تشير إلى حقيبتها البالية: "أخجل من الخروج بها فالتقشر واضح. حقائب القماش المحلية كبيرة ومناسبة للطالبات لا لسيدة مثلي، لذا صرت أخرج بمحفظة صغيرة رغم عدم شعوري بالراحة".

أما منال خليل، فقد اضطرت لشراء حقيبة بمبلغ 250 شيكلًا لعدم امتلاكها أي بديل صالح للاستعمال، وتحاول الآن البحث عن أخرى أرخص ثمنًا للمشاوير السريعة خوفًا من تلف الأولى.

تسرد خليل كيف تحولت الحقيبة إلى "كنز": "سُرقت حقائبي ودُمرت مستلزماتي إثر قصف جزئي لمنزلي، فأجبرت على الشراء من الصفر. بحثت مؤخرًا عن حقيبة لي ولشقيقتي، لكن المتجر الذي اعتدت عليه كان فارغًا تمامًا".

وتتابع بتساؤل مستنكر: "لا أعلم سبب منع حقائب النساء وتشديد القيود على الأساسيات. لقد فقدنا الأمان الاقتصادي؛ فالشيء المتوفر اليوم بسعر مضاعف، قد يُمنع غدًا ونبدأ رحلة البحث عنه".

من واقع اطلاعه على حركة المعابر والأسواق بحكم عمله، يكشف المورد ومخلص الجمارك، خليل حسونة، أن هناك تكدسًا كبيرًا للبضائع النسائية التابعة لتجار غزة في مخازن الضفة الغربية، حيث تنتظر السماح والموافقة الإسرائيلية على دخولها، وتشتمل هذه الشحنات على الإكسسوارات النسائية، والمكياج، والحقائب، بينما لا تزال أسباب المنع من قبل سلطات الاحتلال غير واضحة.

وعن البدائل المحلية، أوضح حسونة أن الحقائب الموجودة حاليًا في الأسواق هي صناعة محلية، لكنها رديئة بسبب غياب الخبرة اللازمة في صناعة الحقائب بالقطاع، فضلًا عن أن الأساس في صناعة الحقائب هو الجلد وليس القماش المستعمل حاليًا.

ويشير إلى أن حركة التجارة في غزة لم تعد كالسابق (أي كما كانت قبل الحرب)؛ إذ تخضع الآن لقيود شديدة وتفتيشات دقيقة، في ظل هشاشة النظام الاقتصادي وشح السلع الأساسية في الأسواق. ويعود ذلك إلى المنع المباشر من قبل الاحتلال، وارتفاع تكاليف التنسيق للشاحنات التجارية، فضلًا عن تأخر الشاحنات المسموح بدخولها نتيجة لآليات النقل والتحميل والتفتيش المعقدة.

في المقابل، يرى غالبية الموردين أن أسباب التأخير وتكدس البضائع في المخازن، سواء في الضفة الغربية أو مصر، تعود أحيانًا إلى محاولات إدخال بعض "الممنوعات" التي يحددها الاحتلال ضمن الشاحنات؛ حيث يُعثر غالبًا على مواد مهربة كالسجائر، وهو ما يتسبب في إرجاع الشاحنات بالكامل وإعاقة حركة الواردات إلى غزة.

من الناحية الاقتصادية، يرى المختص الاقتصادي عمر صلوحة أن الأزمة الرئيسية تتمثل في تواصل انخفاض العرض مقابل الطلب المتزايد. ورغم أن حقائب اليد الخاصة بالنساء تندرج أكاديميًا ضمن إطار "السلع الكمالية"، إلا أنها تشهد طلبًا كبيرًا في الواقع، مما خلق ضغوطًا تضخمية مستمرة، وآليات تسعير مشوهة لا تلبي قدرة أو طلب الزبون. 

ويشرح صلوحة أن ما يجري يُصنف اقتصاديًا كـ "أزمة عرض حادة واضطراب في سلاسل الإمداد"، تسببت في قفزات جنونية بأسعار المتبقي من المنتج المطلوب، مرجعًا الارتفاع الحاد إلى كلفة التنسيقات الباهظة وشح المعروض.

أما قانونيًا، يُفترض أن تندرج عملية استيراد البضائع تحت سياق محددات قانونية واضحة لضمان حقوق أصحابها، مثل قوانين الجمارك الفلسطينية وبروتوكول باريس الاقتصادي. 

ولكن في ظل الأوضاع الأمنية الراهنة والتحكم المطلق في حركة المعابر من قبل الاحتلال، فإن هذه المحددات والاتفاقيات باتت معطلة ولا تُطبق، مما أدى إلى تفشي حالة من الفوضى العارمة، في ظل غياب أي طرف فلسطيني يتولى تنظيم العملية التجارية بالكامل.

في ظل استمرار شح المعروض من حقائب النساء وتشديد قيود دخولها إلى غزة، ستبقى أسعارها مرشحة للارتفاع المستمر، وتظل الأزمة قائمة ما لم يطرأ تغيير جوهري وسياسي على حركة المعابر. وفعليًا، لا تبدو الحلول المؤقتة، كالتصنيع المحلي البدائي والرديء، كافية لمعالجة هذا الاختلال بل إنها تفاقمه؛ إذ تتطلب المعالجة الحقيقية إعادة توازن السوق عبر زيادة المعروض بشكل مباشر يواكب حجم الطلب الفعلي.