على بعد أقل من كيلومتر واحد من "الخط الأصفر" الذي يفصل قطاع غزة عن المناطق العسكرية الإسرائيلية، يقف محمد الجذبة (45 عاماً) فوق أنقاض منزله المدمر. بيدين متشققتين، يخلط الطين بشعر بشري جمعه من صالونات الحلاقة وبالأعشاب الجافة، محاولاً إعادة بناء جدار يحميه هو وعائلته من برد الشتاء القادم ورصاص القناصة.

"الخيمة التي عشنا فيها لأشهر لم تكن تحمينا من المطر، ولا حتى من الرصاص الطائش الذي أصاب والدتي قبل أسبوعين"، يقول الجذبة لوكالة فرانس برس. "هذا الحجر الممزوج بالطين والشعر يمنحنا خصوصية، وربما يصد طلقة طائشة".

بعد عامين من النزاع وستة أشهر على توقف الحرب دون أي بوادر لإعمار حقيقي، بات سكان غزة يلجؤون إلى حلول يائسة للبقاء على قيد الحياة. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 92% من الوحدات السكنية في القطاع تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي.

"هندسة عكسية" من مخلفات الحرب

الشعر البشري الذي يجمعه الجذبة من الصالونات ليس مجرد مادة حشو، بل هو بديل عن الألياف التي تمنح الطين تماسكاً في غياب الإسمنت والجبس، اللذين تمنع إسرائيل دخولهما إلى القطاع منذ بداية الحرب.

في غياب الوقود اللازم لنقل الحجارة الثقيلة، يحمل الجذبة وأبناؤه بقايا الرخام والصفائح المعدنية على أكتافهم لمسافات طويلة. "نحن روافع بشرية"، يقول مبتسماً بمرارة.

رعب الحجر المعلق

على الجانب الآخر من المدينة، في منطقة النصر غربي غزة، يعيش سكان حي "مفترق حميد" كابوساً مختلفاً. مبنى عائلة حميد الذي تعرض للقصف يقف كهيكل عظمي عملاق: أسقف معلقة بخيوط حديدية صدئة، وكتل إسمنتية تتفتت ببطء.

"في الليل، عندما يسود الهدوء، نسمع صوت تفتت الإسمنت داخل المبنى"، يقول أحد سكان الحي، رافضاً الكشف عن اسمه. "نجونا من الصواريخ، لكننا قد نموت بسبب حجر معلق منذ عامين".

المارة في هذه المنطقة لا يسيرون بانتظام؛ بل يهرولون بأعينهم مثبتة على الأسقف المتدلية التي تتمايل مع كل هبة ريح. الأطفال الذين يذهبون لجلب الماء باتوا يحفظون "جغرافيا الخطر": يبتعدون عن الرصيف الأيمن حيث "حجر الزاوية" على وشك السقوط، ويسرعون عند المدخل حيث "الصبة الإسمنتية" لم تعد تسندها سوى أسياخ صدئة.

أرقام صادمة

حتى مطلع عام 2026، يحتاج أكثر من مليون شخص في قطاع غزة — الذي يقطنه نحو 2.4 مليون نسمة — بشكل عاجل إلى مستلزمات مأوى أساسية، وفقاً للأمم المتحدة. يعيش أغلبهم في خيام مهترئة أو مبانٍ مهددة بالانهيار.

خلال شتاء 2025-2026 فقط، سُجلت وفاة 39 شخصاً — بينهم 22 قاصراً — بسبب سوء الأحوال الجوية وانهيار المباني المتضررة التي لم تتم إزالتها.

لا يزال انتشار القوات الإسرائيلية خلف "الخط الأصفر" يحول دون وصول آلاف العائلات إلى منازلهم أو البدء بإزالة الركام في مساحة تقدّر بأكثر من 50% من مساحة القطاع.

"هذا السجن الكبير"

يقول ماهر الطباع، الخبير الاقتصادي الفلسطيني، لوكالة فرانس برس: "استمرار القيود المفروضة على مواد البناء الأساسية والوقود يقتل أي جهد حقيقي للتعافي. في ظل هذا الفراغ والخذلان الدولي، يضطر الغزيون لابتكار حلولهم الخاصة من مخلفات الحرب".

يضيف الطباع: "في غزة — هذا السجن الكبير — يبني الإنسان جدرانه بدموعه وعرقه، بانتظار إجابات لأسئلة معلقة منذ ستة أشهر، وأهمها: متى يصبح الحجر بيتاً لا مقبرة؟"

بينما يواصل الجذبة بناء جداره بالطين والشعر البشري، وفي الجانب الآخر من المدينة يواصل سكان "مفترق حميد" هرولتهم اليومية تحت الحجارة المعلقة، يبقى سؤال واحد معلقاً في الهواء: هل سيأتي الشتاء القادم ليحمل مزيداً من الضحايا تحت الأنقاض؟