يقام في قطاع غزة الذي لا تتجاوز مساحته 365 كم2 قرابة 200 محطة وقود موزعة على محافظات القطاع الخمس. وهو عدد ترى فيه جمعية أصحاب محطات الوقود أنه يشكل زيادة عن حاجة السكان الذين يزيد عددهم عن أثني مليون مواطن، ويتقاطع معها في هذا التوجه هيئات رسمية، وتؤكده دراسة محلية.
يقود البحث عن أسباب التضخم في عدد المحطات التي تبين أن أكثر من 80% منها مخالفة لشروط السلامة العامة، إلى وجود قرار رسمي صادر عن الإدارة العامة للبترول في قطاع غزة عام 2017، يوصي بوقف إصدار تراخيص لشركات البترول، غير أن هيئات محلية ذات اختصاص تجاهلت هذا القرار واستمرت في منح التراخيص.
تجاهلٌ قادنا إلى محاولة الوقوف على دواعي إغراق السوق بهذا العدد من المحطات والتي باتت تشكل خطراً على حياة السكان، لاسيما أن غالبيتها تحولت بفعل وجود المئات من المخالفات والتجاوزات القانونية، إلى قنابل صامتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
خلال التحقيق، اتضح وجود عدد من التدخلات الحكومية الملحوظة في هذا الملف الملغوم والمتخم بالتجاوزات، ومحاولات لتصويب واقع محطات الوقود الذي كانت بعض الهيئات المحلية سبباً في تضخم اعدادها لأسباب لم تفصح الجهات صراحة عنها.
لكن في الحقيقة فإن هذه التدخلات تسير بوتيرة بطيئة أحياناً بذريعة الواقع الاقتصادي ومدى الخسائر التي يمكن أن تلحقها معالجة المخالفات بأصحاب الشركات، دون أن تأخذ الجهات الحكومية بعين الاعتبار أن الخسائر في الأرواح التي قد تنجم عن استمرار التجاوزات الخطرة لمدى زمني أطول، ستكون أعظم كثيراً من أي خسائر أخرى.
لا تراعي التوزيع
استناداً إلى دراسة محلية صدرت في نوفمبر 2018 تحمل عنوان (إدارة المخاطر في محطات الوقود والغاز بقطاع غزة باستخدام نظم المعلومات الجغرافية)، فإن الزيادة في عدد المحطات تعتبر غير طبيعية، ولا تلائم واقع القطاع، حيث أنها لم تراعي التوزيع المكاني بما يستنزف الموارد المادية.
تؤكد الدراسة التي أعدها الباحث يحيى العطار، على أن زيادة عدد المحطات ينطوي عليه زيادة في نسبة المخاطر المحتملة، وعليه أوصت بضرورة وقف منح التراخيص.
بالتوازي، يتوافق رأي بعض الهيئات الحكومية ذات الارتباط بملف الوقود وكذلك شركات البترول، مع النتيجة التي خلصت إليها الدراسة، حيث وجدنا أن هناك شبه إجماع على أن غزة ليست في حاجة إلى المزيد من محطات الوقود.
وعلى الرغم من هذا التوافق إلا أن استمرار إقامة المحطات خلال السنوات الأربع الأخيرة، يثير الكثير من الأسئلة حول دوافع بعض الهيئات المحلية (البلديات) في منح التراخيص. رغم أن أهل مكة (أصحاب محطات الوقود) وهم أكثر الناس دراية بشعابها، يقولون إن العدد يفوق المعقول وإن الزيادة تخفض من مستوى أرباح الشركات نفسها، وفقاً لقانون العرض والطلب.
واعتبر أمين سر جمعية أصحاب محطات الوقود عائد أبو رمضان، أن هذه الزيادة ناتجة عما اسماه وجود "سياسات خاطئة" من قبل الهيئات المسؤولة، على اعتبار أن زيادة العدد يؤثر على الشركات وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها سواء المتعلقة بدفع الضرائب، والرسوم ورواتب العمال وغير ذلك.
رداً على ذلك، أفاد مدير إدارة الأمن والسلامة بجهاز الدفاع المدني الدكتور محمد المغير، بتقديم توصية للجهات الحكومية بعدم حاجة القطاع إلى ترخيص مزيد من محطات الوقود حتى العام 2022، مرجعا فكرة انشاء المحطات خلال السنوات الماضية، إلى محاولة تعويض النقص في الوقود الناتج عن إغلاق الاحتلال للمعابر.
غير أنه عاد وقال مستدركاً: "هناك بعض التجاوزات قد تمت من قبل بعض الهيئات المحلية والتي قامت بمنح تراخيص للمواطنين دون الرجوع للجهات المختصة، ولكن بعد وقوع حادثة النصيرات أوقف هذا التجاوز بشكل كامل".
وعن سؤاله المغير: بماذا تفسر وجود تجاوز من قبل بعض الهيئات المحلية لقرار وقف الترخيص؟ قال: "اتحفظ على الإجابة لأنها ستدخلنا في قضايا ليس من الصواب الدخول إليها".
علماً أنه أصر على التأكيد على أنه جرى التوافق مع كافة الجهات المختصة، على أن تتم معالجة هذا الملف من خلال منهجية واضحة ومرتبطة بجدول زمني، حيث قاموا بتقسيم الاشتراطات وفقا لدرجة خطورتها بين عاجلة وآجلة.
ولفت مدير إدارة الأمن والسلامة بجهاز الدفاع المدني، إلى أن بعض المخالفات القانونية تستوجب معالجتها القيام بنقل المحطة بأكملها، وهو أمر ينطوي عليه تكلفة مالية عالية، واهدار أصول لا يمكن استعادتها، وبالتالي "هذا الملف من الملفات التي تخضع للتوازن بين السلامة والاقتصاد والاشتراطات الفنية، وحالة غزة معقدة فأنا لا أستطيع كسر المواطن.. الشرع حثني على الموازنة" حسبما قال.
بيد أن مدير الإدارة العامة للبترول المهندس إياد الشوربجي، أرجع الأمر إلى سبب آخر: "عدد محطات الوقود المرخصة القائمة في قطاع غزة البالغ (183) محطة هو عدد مبالغ فيه، ولكن هذا عائد إلى التغيرات الحكومية الحاصلة خلال السنوات الماضية والتي جرى فيها ترخيص الكثير من المحطات".
وأضاف الشوربجي "تم توقيف ترخيص المحطات قبل أربع سنوات من قبل ثلاث هيئات رسمية: الهيئة العامة للبترول ووزارة المالية والأمانة العامة لمجلس الوزراء، وما جرى ترخيصه بعد العام 2017 جاء بسبب تضارب القرارات الحكومية، حيث أن هناك بعض الجهات أعطت تراخيص مثل البلديات وغيرها دون علم بقرار التوقيف، لذلك لابد من التوقف عن إعطاء تراخيص جديدة لأن درجة الخطوة عالية من ناحية الأمن والسلامة وكذلك لا جدوى اقتصادية من ذلك".
وبناء على هذا العدد من المحطات المنتشرة في مختلف شوارع وأحياء القطاع، فإن الشوربجي أشار اعتماداً على إحدى الدراسات المسحية إلى أن نسبة المخاطر أصبحت تغطي أكثر من 90% من مساحة قطاع غزة بسبب هذا الانتشار.
لا لوم
ردا على ذلك قال أمين سر جمعية أصحاب محطات الوقود: "تعاقب الحكومات لا يجب أن يؤثر على سير العمل، كما لا يجب إلقاء أي لوم على الشركة، من يقوم بتنظيم المدن هي الهيئات المحلية وهي المسؤولة عن قراراتها السابقة وإذا أرادت اجراء تغيير على التنظيم، يجب أن تقوم بتعويض الشركات المتضررة".
ثم عاد أبو رمضان وشدد على ضرورة ألا تطلب الحكومة متطلبات تعجيزية من أصحاب الشركات، وأن تتعامل معهم بشكل نزيه يضمن تعزيز الشراكة بين القطاعين الخاص والعام.
وجهات نظر
تفسير ثالث لزيادة عدد المحطات، جاء على لسان رئيس اللجنة المركزية للأبنية وتنظيم المدن المهندس سعيد عمار، والذي قال: "قرار وقف اصدار رخص لمحطات جديدة صدر عن الإدارة العامة للبترول في العام 2017، وكان موضوع خلافياً بسبب اختلاف وجهات النظر، لذلك استمرت اللجنة المركزية للأبنية وتنظيم المدن بإصدار تراخيص، غير أنه جرى معالجة هذا الخلل في بداية العام 2018 وجرى التوافق على وقف اصدار تراخيص لمحطات الوقود والغاز".
تفسيرٌ قد يبدو غير منطقي، بأن تتضارب المواقف الحكومية تجاه مسألة حساسة كترخيص محطات وقود قد تكون مطابقة لمعايير دون أخرى، خصوصا معايير السلامة العامة، الأمر الذي قد يضاعف المخاطر على حياة الناس.
ثم أن عمار عاد وأكد على أنه منذ ذلك الوقت لم تصدر أي رخصة، "أما فيما يتعلق بالمحطات التي افتتحت بعد عام 2018، فهي بسبب أن أصحاب تلك المحطات قد حصلوا على تراخيص في وقت سابق لكنهم لم يقوموا بإنشاء المحطة في حينه. وبالتالي فإن كل ما تراه هي محطات حاصلة على تراخيص قديمة" على حد قوله.
وفيما يتعلق بتحديد حاجة القطاع للمحطات والجهة التي تقرر أعداد المحطات وأنواعها وتوزيعها، قال عمار، إن هذا مناط بالإدارة العامة للبترول، وبالتالي هم الأقدر على الإجابة الواضحة عن موضوع حاجة القطاع للمزيد من المحطات من عدمه، لكننا نؤكد أن تراخيص محطات الوقود والغاز توقف بعد تاريخ ابريل 2018.
ورفض رئيس اللجنة المركزية للأبنية وتنظيم المدن، توجيه أي تهم بشبهات فساد في ملف اصدار التراخيص، قائلاً "هذا كلام فيه تجني وليس هناك أحد فوق القانون، والقانون يسري على الجميع ولكن طبيعية العمل الإداري في العالم تشير إلى أن هناك أناس لها علاقات شخصية تحاول استثمارها وتوظيفها لخدمة مصالحها، ولكن موقف المسؤول دائما ينطلق من العمل وفق الأنظمة واللوائح والمصلحة العليا والتي لا تتوافق أحيانا مع المصلحة الخاصة".
وأضاف "أنا أؤكد عدم وجود أي متنفذين وأصحاب نفوذ في صنع القرار(..) القرار يتخذ للمصلحة العامة، وبما يخفف الضرر عن المصالح الخاصة، نحن نعظم المنافع ونخفض السلبيات لكن لا أحد فوق القانون".
وشدد على فكرة أن حكومته تهتم بمسألة إحداث توازن في المعالجات، "على اعتبار أن إغلاق أي محطة سيترتب عليه توقف مصدر رزق عائلات، وبالتالي تحاول الجهات المسؤولة اجراء توازنات "وهذه التوازنات تتسبب أحيانا في بطء عملية المعالجة" كما يقول.
البطء الذي يتحدث عنه المسؤول الحكومي، ليس مبرراً في ضوء وقوع حادث تدميري في الخامس من مارس عام 2020، بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، نتيجة انفجار صهريج محروقات تابع لأحد المخابز وأسفر عن وفاة نحو (26) مواطنًا، وإصابة أكثر من خمسين مواطنًا بحروق مختلفة، إضافة إلى تضرر (30) محلًّا و(40) بسطة و(18) مركبة، وفقاً للجنة الحكومية للتحقيق في الحادث.
حادثٌ قاد إلى تشكيل لجنة حكومية في قطاع غزة تسمى "اللجنة الرئيسية للأمن والسلامة"، تضم في عضويتها كل من وزارة الحكم المحلي والإدارة العامة للبترول وجهاز الدفاع المني. ووضعت هذه اللجنة كما يقول أعضاؤها، ملف الحرف الخطرة في قطاع غزة على طاولة البحث لمعالجة الخطورة التي تشكلها نتيجة وجود مئات المخالفات والتجاوزات القانونية لمعايير السلامة العامة.
يقول المهندس سعيد عمار الذي يتبوأ أيضاً منصب نائب رئيس اللجنة الرئيسية للأمن والسلامة الحكومية: "في أعقاب حريق النصيرات، جرى تسليط الضوء على واقع محطات الوقود والغاز، وقد بدأت الحكومة بمراجعة شاملة للأنظمة واللوائح والقوانين التي تضبط عمل المنشأة والحرف الخطرة بشكل عام ومحطات الوقود بشكل خاص".
وأضاف عمار "جرى تشكيل اللجنة الرئيسية للأمن والسلامة، بعد الحادث مباشرة، وبدأت بعمل زيارات ميدانية لكافة المحطات ومراجعة أوضاعها، وتبين أنه كان هناك نوع من التراخي في تطبيق الأنظمة واللوائح والاشتراطات الخاصة بالأمن والسلامة في المحطات"، دون أن يفصح عن الجهة المتسببة بهذا التراخي.
لكنه بين في الوقت نفسه أن عمليات التصويب متباينة وفق ظروف كل محطة، بعضها يتطلب وقتا زمنيا والآخر بحاجة إلى تصويب فوري.
واعترف في الوقت نفسه بأن اجمالي عدد المحطات التي اجتازت التقييم بخلوها من المخالفات لا يتجاوز الـ20 محطة، أي بما يعادل 10% تقريبا من مجموع المحطات.
وقال: "المحطات التي لا تحتاج إلى تصويب (20 محطة) من أصل حوالي 200 محطة.. نحن نتكلم عن 90% من المحطات فيها مخالفات بسبب وجود نوع من أنواع التراخي وعدم تطبيق الأنظمة واللوائح والقوانين بشكل مهني، الكل يعرف هذا الأمر، وحادث النصيرات أفاق الجميع وأصب