في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، يقطع الخمسيني محمد الشرافي (58 عامًا) مسافات طويلة على قدميه المتعبتين بحثًا عن علاجه الشهري من أدوية السكري والضغط، في مسار يومي يثقلُه المرض كما يثقلُه تفاوت أسعار الدواء بين صيدلية وأخرى.

يتنقل الشرافي بين الصيدليات القليلة المتبقية في الحي والمناطق المجاورة لتأمين أدويته الأساسية، ليجد نفسه في كل مرة أمام المأزق ذاته، أنّ الدواء هو نفسه وبنفس المواصفات، لكنه يُباع بأسعارٍ متفاوتة بشكلٍ ملحوظ بين صيدلية وأخرى.

يقول إن معظم الصيادلة غالبًا ما يبررون هذا التفاوت بشحّ المخزون، وصعوبة إدخال الأدوية، وإغلاق معابر قطاع غزة، في وقتٍ يُضاعف فيه اختلاف الأسعار العبء المالي على المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة الذين لا يملكون ترف تأجيل العلاج أو الاستغناء عنه، فيما يُقدَّر أنهم يشكّلون نحو ربع إلى ثلث البالغين في قطاع غزة، وفق تقديرات صحية سابقة، مع مؤشرات على ارتفاع هذه النسبة خلال الحرب.

يُحرك الشرافي يديه بتوترٍ ويضيف: "لا يوجد خيار أمامي سوى شراء الدواء مهما ارتفع سعره، لأن تأخير الجرعة أو انقطاعها قد يعرّض صحتي للخطر أتنقل بين أكثر من صيدلية على أمل العثور على سعر أقل، لكنني غالبًا أعود محمّلًا بتكاليف إضافية واستنزاف جديد لما تبقى من دخلي المحدود".

على مسافة غير بعيدة، في إحدى خيام النازحين في منطقة "أنصار" غرب مدينة غزة، تعيش الشابة نيرمين صالحة (32 عامًا) تجربة مشابهة تركت لديها شعورًا بالعجز والقهر، فبعد إصابة طفلها أحمد (4 أعوام) بنزلة معوية حادّة نتيجة تلوث المياه والبيئة المحيطة بمكان النزوح، خرجت بحثًا عن مضادٍ حيوي له بشكلٍ عاجل.

تروي صالحة: "بعد رحلة بحث طويلة ومضنية سيرًا على الأقدام، اضطررت إلى شراء الدواء من إحدى الصيدليات القريبة بسعرٍ مرتفع اقتطعته من مخصصات الطعام اليومية لعائلتي، قبل أن أكتشف في اليوم التالي عبر قريبات لي في المخيم أن صيدلية أخرى كبرى لا تبعد سوى مئات الأمتار كانت تبيع هذا العلاج بالعيار نفسه لكن بسعرٍ أقل بفارق ملحوظ".

في تلك اللحظة، لم يكن ما أثقل كاهلها مرض طفلها أو صعوبة الوصول إلى الدواء فحسب، وانما شعورها بأن الحاجة الملحّة للعلاج قد تُجبر المرضى أحيانًا على الشراء دون القدرة على المقارنة أو البحث عن خيارات أقل كلفة.

الواقع ذاته تعيشه رزان المغاري (24 عامًا) التي تقيم في محافظة دير البلح وسط قطاع غزة، وتروي بمرارة كيف تتغير أسعار دواء والدتها التي تعاني من تبعات جلطة دماغية سابقة بشكل متكرر وغير متوقع.

هذا الأمر اضطر الفتاة المغاري لمتابعة الأسعار من صيدلية لأخرى أسبوعيًا لتتمكن من تأمين الدواء بالسعر الأفضل، توضح: "أدركت أن أسعار الأدوية لا تخضع لمنطق ثابت، أحياناً أشتري العبوة بالسعر نفسه في أسبوع، لأتفاجئ في الأسبوع التالي بارتفاع كبير في ثمنها"، في ظلّ تبريرات يربطها بعض الصيادلة بتذبذب الإمدادات وصعوبة إدخال الأدوية وقلّة توفر البدائل في السوق.

وتروي المغاري كيف وضعها هذا الاختلاف في أسعار الأدوية في حالة قلق دائم، إذ لا تستطيع التنبؤ بكلفة العلاج أو ضمان استمراريته؛ ما يضيف عبئًا نفسيًا وماديًا على أسرتها التي تعاني من ظروف معيشية صعبة بعدما خسروا كل ما يملكون خلال الحرب وعمليات النزوح الطويلة.

من جانبه، يوضح الصيدلي همام مشتهي أن تفاوت أسعار الأدوية يرتبط باضطراب سلاسل التوريد وصعوبة إدخال بعض الأصناف، ما يدفع الصيدليات أحيانًا لشراء الأدوية من موردين متعددين بأسعار متفاوتة.

ويشير إلى أن غياب قائمة أسعار رسمية وملزمة يسهم في خلق فروقات واضحة في أسعار بعض الأدوية بين الصيدليات.

ويضيف مشتهي أن هذا الواقع يضع المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة، أمام عبء إضافي يتمثل في البحث المستمر عن الدواء بسعر مناسب، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة.

ولعل ما يُغذّي هذه العشوائية ويفتح الباب أمام اختلاف أسعار الأدوية بين صيدليات قطاع غزة هو الشلل الحادّ الذي يضرب القطاع الدوائي، إلى جانب ضعف آليات الرقابة على التسعير والمتابعة؛ فوفقًا لمنظمة الصحة العالمية في قطاع غزة، فإن نحو 40% إلى 45% من الأدوية الأساسية في القطاع تعاني من نقص أو انقطاع متكرر، في حين تصل أصناف حيوية أخرى إلى مستوى "صفر مخزون" لفترات طويلة، لا سيما أدوية الأمراض المزمنة والمضادات الحيوية.

هذا النقص في القنوات الرسمية المجانية يدفع آلاف المرضى مجبرين إلى السوق الخاص، ليقعوا ضحية الفوارق السعرية الفادحة بين صيدلية وأخرى، في ظل انهيار اقتصادي واسع في قطاع غزة؛ إذ تشير تقديرات حديثة صادرة عن البنك الدولي ومنظمات أممية إلى وصول معدل البطالة إلى نحو 80% في قطاع غزة.

كما تُظهر بيانات الأمم المتحدة أن جميع السكان بنسبة 100% يعيشون تحت خط الفقر، إلى جانب انهيار شبه كامل في مستويات الدخل وتراجع فرص العمل إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، ما جعل القدرة الشرائية لمعظم الأسر شبه معدومة واعتمادها على السوق المحلي رغم ارتفاع أسعاره وتقلّبها.

أمام هذه الأرقام الصادمة وصرخات المرضى، تواصلت مراسلة "أخر قصة" مع مدير عام الصيدلة في وزارة الصحة ذكري أبو قمر، للحصول على رد حول تفاوت أسعار الأدوية وآليات الرقابة والتسعير، إلا أنه لم يتم تلقي أي استجابة حتى لحظة نشر هذا التقرير.

في النهاية تُظهر الوقائع أنّ فوضى أسعار الأدوية هو وجه آخر من تداعيات الحرب في قطاع غزة، حيث تتحول حبة الدواء من حقٍ للعلاج إلى سلعة تختلف أسعارها بين صيدلية وأخرى، في ظل مستويات فقر مرتفعة تطال شريحة واسعة من السكان.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات ملحّة حول ضرورة تفعيل الرقابة الدوائية وتوحيد التسعيرة الرسمية، ليس كإجراء إداري فحسب، بل كخطوة أساسية لضمان حق المرضى في الحصول على العلاج بسعر عادل ومستقر، يخفف من الأعباء المتزايدة على أجساد أنهكها المرض وظروف النزوح.