"بنفع يا بابا الدكتور ياخد عيني ويحطلك إياها عشان ما في عندك عين". ارتجف زكريا خليل (36 عامًا) وهو يسمع كلمات طفله الذي تابع لحظة بلحظة رحلة فقدان والده لعينه خلال الحرب، من دون أن يفهم تمامًا ماذا يعني أن يفقد الإنسان عينه إلى الأبد. كان الطفل يحدّق طويلًا في وجه والده محاولًا استيعاب ما تغيّر، فيما كان زكريا يراقبه بعينه السليمة، ويرى في نظرته سؤالًا مستمرًا عن شكل الحياة بعين واحدة.

أُصيبت عين زكريا اليمنى بشظية إثر انفجار صاروخ بالقرب منه جرّاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، واضطر الأطباء إلى تفريغها بالكامل. منذ ذلك اليوم، يعيش وسط أسئلة أطفاله الأربعة التي لا تنتهي: "أين عين أبي؟ وهل يمكن تركيب عين جديدة؟".

يجلس خليل واضعًا يده على عينه الفارغة محاولًا إخفاءها عن المارة. الصداع لا يفارقه، والألم يمتد من مكان الإصابة حتى الجمجمة، بعدما اكتشف الأطباء لاحقًا أن الشظية ما زالت مستقرة داخل رأسه.

يروي: "بعد فقدي لعيني أعاني للغاية، فقد اكتشفنا لاحقًا أن الشظية لا زالت ثابتة بالجمجمة وهذا يتسبب لي في صداع قوي وألم مستمر، أحاول العيش مع آلامي واستيعاب أنني بعين واحدة لكن لا أستطيع".

في زاوية أخرى من المنزل، كانت زوجته بيسان تُنهي تسجيل اسمه في مبادرة تركيب العيون الصناعية التي أطلقتها وزارة الصحة في غزة، بينما تحاول في الوقت ذاته حماية أطفالها من أثر المشهد الذي يطاردهم يوميًا.

تخفض صوتها قليلا وتمسح دمع عينها بشالها، وتقول: "يسألني أطفالنا عن عين والدهم، وكيف فقدت، تأثرت نفسيتهم بشدة، لكني أخبرهم أن والدهم يراهم بعينه الثانية وما زالوا جميلين في عينه، نأمل أن تنجح محاولاتنا في تركيب عين صناعية له حتى تتحسن نفسيته ونفسية الصغار".

في غزة، يعيش المصابون الذين فقدوا عينًا واحدة أو كلتا عينيهم جراء الحرب واقعًا يوميًا قاسيًا يتجاوز حدود الإصابة الجسدية. كثيرون فقدوا جزءًا من ملامحهم، وتبدّلت علاقتهم بالمرايا والعمل والناس والشارع، بينما تحاصرهم نظرات الفضول والشفقة والأسئلة الثقيلة.

ومع انهيار المنظومة الطبية في القطاع، واستمرار منع إدخال العيون الصناعية والمستلزمات الخاصة بالعمليات الجراحية المعقدة، يبقى مئات المصابين عالقين بين الألم والانتظار، مترقبين فرصة سفر للعلاج في الخارج، أو السماح بإدخال العيون الصناعية إلى غزة، على أمل استعادة جزء من حياتهم التي تبدّلت قسرًا.

العين الصناعية هي عين تعويضية تُستخدم لأغراض تجميلية تمنح الوجه مظهرًا أقرب إلى الطبيعي بعد فقدان العين، لكنها لا تعيد حاسة الإبصار. وتُصنع عادة من الأكريليك أو الزجاج، وتتوافر بأشكال مختلفة، منها العين الثابتة والعين المتحركة.

الشاب وئام الجيش يحمل قصة مُشابهة. كان يسير في الشارع عندما دوّى انفجار مفاجئ، وانطلقت شظية صغيرة استقرت مباشرة في عينه، لتتحول تلك اللحظة إلى نقطة فاصلة في حياته.

فقده لعينه لم يترك أثرًا جسديًا فقط، وإنما أصاب قدرته على الاحتمال النفسي أيضًا. يقول: "لقد ذهبت عيني اليسار تمامًا، كان لدي أمل في بداية الإصابة أن تظل لي عيني، لكني من شدة الألم وسوء وضعي الصحي، وبعد مدة من الإصابة أجريت ثلاث عمليات على مرات متفرقة لتفريغ عيني بالكامل، لكن وجعي لم يهدأ".

حين يمشي في الشارع، يلتقط نظرات الأطفال المندهشة قبل كلماتهم. السؤال يتكرر أمامه باستمرار: "أين عينه؟".

يردف: "سمعت انتقادات عديدة منهم، وأيضًا كنت أرغب في الارتباط وأبحث عن عروس فواجهت صعوبات مجتمعية لقبولهم لإصابتي، وتزوجت بعد مدة طويلة بمن قبلت".

على الرصيف نفسه تقريبًا وسط مدينة غزة، يسير محمود الطلايقة واضعًا يده فوق عينه اتقاءً للهواء الذي يضرب مكان الإصابة. أُصيب خلال عيد الأضحى عام 2024، بعدما أطلقت المدفعية قذيفة تجاه المدرسة التي كان ينزح فيها. كان يقف عند الباب حين أصيب في عينه وصدره.

يأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول: "فقدت عيني اليسار، وعانيت كثيرًا من آلام تضرب في رأسي، وأشعر بضغط شديد في العين وخدلان، عدا عن الحكة والإفرازات".

كان يستخدم قطرة طبية وصفها له الطبيب، لكنها اختفت تمامًا من غزة، فتوقف عن استعمالها واكتفى بمحلول لتنظيف مكان العين.

يُحرك يديه بسرعةٍ متواترة، ويقول: "كل ما أريده أن أسافر للعلاج بالخارج وتركيب عين صناعية، تعوضني قليلًا عن غياب عيني، إذ منذ إصابتي تجنبت التعامل مع الناس تمامًا لأجل ألا أرى نظرة تعجب أو شفقة".

في 12 مايو 2026، أطلقت وزارة الصحة في غزة مبادرة لتركيب العيون الصناعية، في محاولة للتعامل مع الأعداد المتزايدة من المصابين الذين فقدوا أعينهم خلال الحرب.

مدير مستشفى العيون في غزة، حسام دواد، كشف أن أكثر من 600 مصاب فقدوا أعينهم خلال الحرب، في رقم يضع حجم الإصابة الجماعية في مواجهة مباشرة مع محدودية الاستجابة الطبية المتاحة. 

وبينما لا تسمح الإمكانات المتوفرة بتركيب عيون صناعية للجميع، جرى إدخال عدد محدود من العيون الصناعية إلى القطاع بجهود فردية من طاقم المستشفى وبالتعاون مع إحدى المؤسسات، قبل إطلاق رابط إلكتروني لتسجيل المصابين، في خطوة تفتح باب التقديم أمام مئات الحالات لكن ضمن سقف لا يتجاوز 100 مستفيد فقط.

تُشكل إصابات العيون واحدة من أكثر الإصابات تعقيدًا من الناحية الطبية، إذ تمر بمراحل علاجية متتابعة تبدأ بالتدخلات الجراحية الطارئة وتنتهي بمرحلة التركيب التجميلي. 

وفي ظلّ الضغط الكبير على غرف العمليات ونقص مستلزمات جراحات العيون الدقيقة، لا يزال عدد كبير من المصابين في غزة عالقًا في المراحل العلاجية الأولى أو غير المكتملة، ما يؤخر وصولهم إلى مرحلة تركيب العين الصناعية حتى في الحالات التي يُفترض أن تكون مؤهلة طبيًا لذلك.

هذا يعني أن سدس المصابين تقريبًا هم من يمكنهم الوصول إلى تركيب عين صناعية، فيما تبقى الغالبية خارج نطاق التغطية، عالقة بين الحاجة الطبية المحددة وإمكانات لا تكفي سوى لجزء محدود من الطلب المتراكم.

وأوضح داود أن عملية تركيب العيون الصناعية تُنفذ بواسطة طاقم فني مختص، بعد إجراء تعديلات دقيقة تتناسب مع مقاييس كل حالة، فيما تُبنى معايير الاختيار على أولوية الإصابة، مع استثناء الحالات التي تتطلب عمليات جراحية متعددة قبل الوصول إلى مرحلة التركيب؛ الأمر الذي وصفه مصابون بأنه يضيف طبقة إضافية من التعقيد أمام وصول جميع المرضى إلى الخدمة.

على المستوى النفسي، يرى المختص النفسي عرفات حلس أن فقدان جزء من الجسد كالعين يترك أثرًا عميقًا على المصاب، ويجعله أكثر حساسية تجاه نظرات الآخرين وطريقة تعاملهم معه، الأمر الذي قد يدفعه إلى العزلة أو تجنب الاختلاط بالمجتمع.

ويشير إلى أن كثيرًا من المصابين يعانون من القلق والتوتر واضطرابات النوم، إلى جانب شعور دائم بعدم الارتياح وفقدان الإحساس بالأمان، خصوصًا مع التغير المفاجئ الذي يطرأ على شكلهم وحياتهم اليومية.

كما أن صعوبة الحركة والعمل والخروج من المنزل تضاعف الضغوط النفسية في ظل الظروف المعيشية القاسية، ما يجعل الدعم النفسي جزءًا أساسيًا من إعادة تأهيل المصابين ودمجهم مجددًا في المجتمع.

يظل المصابون الذين فقدوا أعينهم في غزة عالقين في انتظار طويل لعين صناعية قد تعيد للوجه شيئًا من ملامحه، من دون أن تعيد القدرة على الإبصار. فالمسألة لا تتوقف عند تعويض شكلي، بل تمتد إلى أثر أعمق يطال الإحساس بالذات والحياة اليومية، حيث لا يكفي الترميم الخارجي لردّ ما تغيّر داخليًا. 

وفي ظلّ هذا الواقع، يستمر حضور العائق المرتبط بإدخال العيون الصناعية إلى القطاع، وما يرافقه من قيود تجعل الوصول إلى هذا النوع من العلاج محدودًا وبطيئًا، فيما يبقى الأمل مؤجّلًا بين الحاجة والإمكان.