على بُعد أمتار من ركام يملأ الأفق في مدينة غزة، وفي أروقة حرب صامتة مختلفة تماماً عن سياق الحرب المتعارف عليها، تجلس السيدة الستينية آسيا يونس وتحسب السنوات.

عشر سنوات منذ أن بدأت تقاضيها في نزاع عائلي يتعلق بحقوق ومطالبات مالية وشخصية بين أفراد الأسرة. عشر سنوات من التنقّل بين المحاكم والإجراءات، تأمل في أن يحمل القرار القضائي حلاً. ثم جاءت الحرب الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023 بأوزارها وتداعياتها الاجتماعية العنيفة، فأعادت القضية إلى نقطة البداية، لتدفع بها نحو فضاء "العرف العشائري" الذي عاد كمسار موازٍ لمحاولة ضبط الصراعات.

تقول المرأة الستينية بلهجة من جرّبت كل الطرق: "انتظرت سنوات في المحاكم، وكان لديّ أمل أن تنتهي القضية من خلال القانون. لكن الظروف تغيّرت، والمحاكم لا تعمل كما كانت، ولم يعد هناك جديد". وتضيف بوضوح: "لذلك عدنا إلى الوجهاء والعشائر لعلهم يستطيعون الوصول إلى حل".

عودتها إلى العرف العشائري لم تكن خياراً اجتماعياً ترفياً؛ إنما كانت محاولة لإنهاء نزاع استنزف سنوات من عمرها في بيئة حرب مضطربة، مع إدراكها التام أن هذه العودة فُرضت عليها بتوقف المسار الرسمي، ودون أن تتنازل عن حقها في الحل القانوني. هذا الواقع يفتح الباب للسؤال الأوسع الذي يمتد مع استمرار الأزمة حتى منتصف عام 2026: هل يسد العرف فراغاً مؤسساتياً مؤقتاً، أم يكرّس نظاماً موازياً للعدالة؟

هذا الانتقال الاضطراري نحو مجالس العشائر والوجهاء يعيشه أيضاً أيمن سليمان، لكن في سياق نزاع آخر. فالأرض التي ورثها عن والده لم تكن قطعة تراب فحسب؛ كانت خطاً فاصلاً بين إخوة كانوا يتقاسمون حياة واحدة، قبل أن تعصف الحرب بالاستقرار وتعمّق الخلافات المالية المعقدة وسط انهيار الضمانات.

يقول الرجل الأربعيني وهو يستحضر ما مضى: "كنا نظن أن الحرب هي أقسى ما سنواجه. لكن الخلاف بين الإخوة على الميراث في وقت تنهار فيه كل الضمانات كان وجعاً آخر". وجد أيمن نفسه في نزاع مستمر لم تُفلح جلسات الصلح و"العطوات العشائرية" في إنهائه حتى اليوم. "جلسنا مراراً مع وجهاء ورجال إصلاح، وفي كل مرة نخرج بأمل أن تزول المشكلة، ثم يعود الخلاف من جديد".

ما دفعه نحو هذه المجالس يرتبط مباشرة بتعطّل المسارات الرسمية وصعوبة الوصول إلى التقاضي والتنفيذ، وهو وضع باتت تعيشه شريحة واسعة من سكان القطاع الذين يتلمسون أي وسيلة لفرض التزامات اجتماعية على الأطراف المتنازعة منعاً للانفلات، تاركين قضاياهم معلّقة دون حسم حقيقي.

المشهد يتجاوز قضايا الميراث التقليدية؛ فالبيئة التي أفرزتها الحرب الطويلة أفرزت نمطاً أخطر من الجنايات والنزاعات الدامية المرتبطة بانفراط العقد الاجتماعي والانهيار الاقتصادي الذي دفع بنسبة الفقر لتخطي حاجز الـ 90%. 

وتوثق التقارير الميدانية تصاعداً مقلقاً في الجرائم المحلية؛ ففي غضون أسبوع واحد فقط من مايو المنصرم، قُتلت ثلاث نساء في القطاع بأبشع الطرق: المسنة نبيلة شعشاعة طعناً على يد لص داخل منزلها بهدف السرقة، والشابة (ر. م) على يد زوجها في حي النصر، والنازحة (هـ. ج) طعناً داخل مركز إيواء في تل الهوى.

تتزامن هذه الجرائم مع انهيار كامل لآليات الحماية المؤسسية؛ إذ أغلقت بيوت الأمان التي كانت تشكل الملاذ الأخير للنساء المعنفات، وتوقفت خطوط الشكاوى الساخنة، وتحولت الخيام ومراكز الإيواء المكتظة إلى مساحات ضيقة تنعدم فيها الخصوصية والأمان، مما يترك آلاف النساء يواجهن العنف والابتزاز بصمت خوفاً من الانتقام أو فقدان المورد المالي للأسرة.

الأمر نفسه ينطبق على الشارع؛ حيث تحولت السلع الأساسية كالدقيق وأسطوانات غاز الطهي إلى محركات للنزاعات الدامية. الشاب محمد عبيد تعرّض للاعتداء بآلة حادة وسرقة كيس دقيق كان يحمله لإطعام عائلته، والحاج عمر أحمد وجد محطة الوقود الخاصة به وقد تعرضت للتخريب والسطو على صهاريجها وتدمير كاميرات مراقبتها. 

وفي ظل غياب المراكز الأمنية، أصبحت قضايا السطو والسرقة تُقيد ضد مجهول، وشاع في الأسواق تداول المقتنيات الشخصية المسروقة، والأدوات الطبية، وحتى طاولات المدارس التي تحولت إلى بسطات لبيع السلع، مما يفرز واقعاً يأخذ فيه الأفراد حقوقهم بأيديهم خارج سياق القانون.

أمام هذا التدحرج الخطير، تضاعف العبء على المسار الموازي لرجال العشائر والمخاتير باعتبارهم خط الدفاع الأخير لمنع الفلتان الأمني والاجتماعي.

رجل الإصلاح محمد أبو نادي يُفسّر هذه الاستجابة في واقع الحرب: "تدخلنا جاء تلبيةً لحاجة مجتمعية فرضتها الظروف القاسية. دورنا يتركز في احتواء الخلافات والفصل فيها ومنع تصاعدها إلى مربع الثأر أو الجريمة، والحفاظ على السلم الأهلي والعلاقات بين الأطراف المتنازعة".

ويضيف أن كثيراً من المواطنين يلجؤون إلى مجالس الإصلاح بسبب صعوبة الوصول إلى المسارات الرسمية، وأن الهدف الأساسي هو الوصول إلى حلول توافقية، وعقد "عطوات أمنية وعشائرية" تحفظ الحقوق وتمنع تفاقم النزاعات الجنائية والمالية في هذه البيئة المضطربة.

لكن، هل يمتلك هذا النظام العشائري القدرة على تقديم عدالة حقيقية متكاملة؟ رجل الإصلاح أبو محمد اللحام يقر بالحدود البنيوية لهذا المسار، مؤكداً أن فض النزاع وطلب الصفح في الحوادث الفردية والمشاجرات العائلية يمكن تبنيه عشائرياً، بيد أن قضايا معقدة كالميراث، والحضانة، والفصل القضائي المتكامل يصعب أن يحكم فيها القضاء العشائري المحكوم بمنطق الصلح والقوة الاجتماعية وليس بمنطق الحقوق القانونية الصرفة.

ما الذي جرى للمحاكم تحديداً حتى يؤول هذا الحمل الثقيل إلى العشائر؟ يتضح أن الصورة أكثر تعقيداً وعمقاً مما يبدو؛ فبعد مرور أكثر من عامين ونصف على الحرب، يتفاوت وضع منظومة القضاء بحسب نوعه. المحاكم الشرعية، المعنية بقضايا الأسرة والميراث والأحوال الشخصية، عادت إلى العمل بصورة شبه كاملة، رغم أن الحرب أودت بـ 10% من قضاتها ودمّرت نصف مقارّها وأحرقت أرشيفاً ورقياً تاريخياً. 

أما المحاكم النظامية المدنية والجزائية (المنوط بها الفصل في الجنايات والاعتداءات والخلافات المادية الكبرى)، فلا تزال تعاني نقصاً حاداً في الكوادر والمقار، وتواجه عبئاً غير مسبوق من القضايا المتراكمة جراء تعطل الحياة العامة؛ إذ يقتصر مجمع محاكم دير البلح وسط القطاع، على استقبال الدعاوى لحفظ المدد القانونية دون النظر الفعلي في جوهر القضايا، مجمداً آلاف طلبات الطلاق والنفقة لنساء تحولن إلى "معلّقات" بلا حقوق ولا حماية.

هذا العجز المؤسسي الممتد تلمس آثاره بمرارة أسماء محمد (35 عاماً)، التي تبحث اليوم عن شيء يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه معقد في عمقه وسط واقع الحرب: أن ترى أطفالها فحسب.

أبعدها خلاف أسري عاصف عن أطفالها، وجاءت تعقيدات الظروف الراهنة وتعطّل الإجراءات الرسمية لتجعل الوصول إلى تسوية باليد أمراً غاية في الصعوبة. تقول أسماء بنبرة مثقلة بالمرارة: "أصعب ما يمكن أن تعيشه أم هو أن تكون بعيدة عن أطفالها. كل ما أريده هو حل ينهي الخلاف ويحفظ حقوق الجميع، خصوصاً الأطفال".

وأمام مسارات رسمية ضاقت نوافذها وتباطأت معاملاتها حتى التوقف التام، تجد أسماء نفسها اليوم تسير في ذات الدرب الاضطراري؛ حيث تبحث عبر وساطات الوجهاء ورجال الإصلاح عن طريق بديل يعيد لها حق التواصل مع أطفالها، معلقةً آمالها على ضغط العرف الاجتماعي بعدما خذلها إنفاذ القانون.

غير أن المشكلة الأعمق تكمن في مكان آخر، وهو الجهاز التنفيذي للأحكام. فحتى حين تُصدر المحاكم أحكامها، لا توجد ذراع تنفيذية فاعلة تُلزم الأطراف بتطبيقها. جهاز الشرطة الذي يُشكّل العمود التنفيذي للقرارات القضائية تعطّل هو الآخر جرّاء الحرب واستهداف كوادره، مما يعني عملياً أن الحكم القضائي، رغم بعده الشرعي والقانوني، قد يبقى حبراً على ورق. هنا بالذات يكمن جزء كبير من سرّ العودة المكثفة إلى العشائر؛ فالأمر يتعدى توقف بعض المحاكم عن إصدار الأحكام، ليشمل غياب الجهة التي تضمن تنفيذها، مما يجعل الضغط العشائري والالتزام الاجتماعي الإجباري هو البديل المتاح.

هذا الواقع يتأكد بحدوث معالجات قاسية خارجة عن القانون، كقيام مجموعات ملثمة ومجهولة الهوية باستدراج أفراد يشتبه بأنهم لصوص في الشوارع والأسواق وضربهم تشهيراً بهم، وهو سلوك يعكس خطورة أخذ الحق باليد نتيجة غياب سلطة الردع الرسمية.

المحامي محمود عفانة يُقرّ بأن اللجوء إلى العرف العشائري خلال الحرب جاء نتيجة ظروف استثنائية وجد فيها الوجهاء أنفسهم في خط الدفاع الأول لمنع الجريمة، لكنه يطرح التخوف الجوهري حول أبعاد هذا النظام الموازي: "معالجة النزاعات يجب أن تراعي حقوق الأطراف، وألا تحل الوساطة محل المسار القانوني في القضايا التي تتطلب تدخلاً قضائياً رادعاً، خاصة قضايا القتل والاعتداءات المالية الكبرى".

العرف العشائري، كما يراه عفانة، قد يكون حلاً سريعاً وسداً للفراغ في النزاعات البسيطة أو تلك التي يتفق أطرافها على التسوية الودية و"فرض الديات". لكنه يحذر من تحوله إلى نظام عدالة موازٍ دائم؛ فغياب المحاكم وتعطّل آليات التنفيذ قد يدفع الطرف الأضعف إلى قبول تسويات غير عادلة أو مكتملة تحت ضغط العرف، مما يترك آثاراً قانونية واجتماعية معقدة وملغومة قد تنفجر في المستقبل بعد انتهاء الحرب.

المستشار القانوني محمد عبد القادر أبو علوان يشاطره هذا القلق، محذراً من أن غياب التخطيط طويل الأمد وتآكل ثقة المجتمع بمنظومة العدالة ككل، سيخلق تداعيات تمس جوهر الحقوق، وتجعل الفئات الهشة تدفع الثمن الأكبر.

الصورة إذن مركّبة ومثيرة للقلق والاهتمام في آن واحد. فالعشائر في غزة لم تملأ فراغاً بسيطاً، فهي باتت تتحرك وتتمدد في فراغ مزدوج: فراغ المحاكم النظامية التي تعطّلت أو تباطأت في ملاحقة الجنايات، وفراغ الجهاز التنفيذي الذي لا يستطيع إلزام أحد بتنفيذ أي حكم قانوني حتى حين يصدر.

بينما يرى بعضهم في العرف العشائري وسيلة إسعاف أولي لحماية المجتمع، وكبح جماح الثأر، ومنع تفاقم النزاعات الدامية، يبقى السؤال المركزي الذي يطرح نفسه: هل يمثّل هذا الدور استجابةً مؤقتة أملتها ظروف الحرب الاستثنائية، أم أنه يُعيد صياغة منظومة العدالة في غزة ليتجاوز تأثيره حدود الأزمة الراهنة؟