في زقاق يمر بين كتلتين خرسان محطمتين وهما كل ما تبقى من حي كامل في مدينة غزة يسلكه السكان للوصول إلى ما تبقى من مساكنهم، يتقدّم مؤيد بكرون بخطى حذرة خلف كرسي والده سعيد، تجنباً لحصول اصطدام. 

ليس الطريق كما كان، بل أصبح أشبه بحقل ألعام، فالحفر العميقة وقضبان الحديد الملتوية التي تخرج من جوف الركام، تعيق حركة الأصحاء، فما بالك بالأشخاص من ذوي الإعاقة.

وتحوّل الممر الضيق الذي يسلكه الكفيف سعيد -وهو يعاني إعاقة حركية- من مساحة إلى الفضاء العام، إلى تحدي يعيق ممارسة حياته السابقة.

عاد سعيد إلى ما تبقى من منزله. جدران متصدعة، درج آيل للسقوط، وركام يعيق حركة كرسيه المتحرك. لا طريق ممهدة، ولا ممر آمنا، ولا بيت يصلح لحياة شخص يحتاج إلى الحد الأدنى من الوصول والحماية.

يقول سعيد بكرون: " قبل الحرب كنت أعيش في هذا المكان بطمأنينة وأمان، وكنت أستطيع التنقل بهذا الكرسي بسهولة ويسر، لأن الجدران كانت حامية وواقية. لكن بعد الحرب، كما ترون، الجدران منهارة، وصعوبة التنقل، بل استحالة التنقل، هي السائدة. ولم يكن أمامي بديل عن هذا البيت إلا الخيمة، والخيمة كما تعلمون أكثر سوءا من البيت، أو استئجار منزل بمبلغ طائل وإمكانياتي لا تسمح لي بذلك".

قصة سعيد تختصر جانبا أقل ظهورا من الأزمة الإنسانية في غزة: حياة الأشخاص ذوي الإعاقة، وخاصة من يعانون إعاقات بصرية أو سمعية أو مركبة، وسط دمار واسع، ونزوح متكرر، وانهيار في الخدمات الصحية والتأهيلية، ونقص حاد في الأجهزة المساعدة.

وتقول منظمات الأمم المتحدة إن الحرب ضاعفت هشاشة هذه الفئة. فالأشخاص الذين لا يسمعون أوامر الإخلاء، أو لا يستطيعون رؤية الطريق، أو لا يقدرون على الحركة دون مساعدة، يواجهون خطرا مضاعفا في بيئة تتغير فيها مناطق الخطر والنزوح بسرعة. 

وبحسب بيانات أممية، فقد كثير من ذوي الإعاقة في غزة أجهزتهم المساعدة، بما في ذلك الكراسي المتحركة والسماعات الطبية، فيما تشير تقديرات إلى إصابة عشرات الآلاف بأضرار سمعية كبيرة نتيجة الانفجارات المتكررة.

قبل الحرب، كان سعيد يعمل مذيعا في إذاعة محلية. كانت الطريق إلى العمل ممكنة، وكان الكرسي المتحرك وسيلة للحركة لا علامة على العزلة. اليوم، صار الخروج من المنزل رحلة محفوفة بالمخاطر.

يقول سعيد لأخبار الأمم المتحدة "قبل الحرب كنت أعمل مذيعا في إحدى الإذاعات المحلية، وكنت أستطيع الذهاب والإياب إلى هذه الإذاعة بيسر وسهولة، وذلك لسهولة الطريق. أما الآن وبعد الحرب، أصبحت الطرق غير معبدة، والمنزل كما ترون آيل للسقوط.".

في الطابق الثاني من المنزل المدمر، يجلس سعيد ويقرأ كتابا بلغة برايل. حوله منازل مهدمة وخيام نزوح. بالنسبة إليه، لم تكن القراءة هواية عابرة، بل مساحة شخصية للبقاء العقلي والروحي. لكن الحريق الذي أصاب منزله لم يترك له إلا كتابين.

يقول: " هذا الكتاب الذي في يدي، إضافة إلى كتاب آخر، هما الكتابان الوحيدان اللذان نجوا من الحريق الذي أصاب منزلي بفعل الحرب. ولذلك أشعر حاليا بملل شديد لفقدي أهم هواياتي وأكثر ما أملأ به وقت فراغي، وهو القراءة".

وتقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو ثلاثة وأربعين ألفا من المصابين في غزة تعرضوا لإصابات مغيرة للحياة، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأن أكثر من خمسين ألف إصابة مرتبطة بالحرب تحتاج إلى تأهيل طويل الأمد. 

وتشمل هذه الإصابات بتر أطراف، وإصابات في العمود الفقري، وحروقا شديدة، وإصابات دماغية وكسورا معقدة. وتقول المنظمة إن مرافق التأهيل في غزة لا تعمل بكامل طاقتها، وإن المعدات والأجهزة المساعدة لا تدخل بما يكفي لتلبية الاحتياج المتزايد.

أما الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد قدر قبل الحرب وجود نحو ثمانية وخمسين ألف شخص من ذوي الإعاقة في قطاع غزة. لكن الحرب وما خلفته من إصابات ونقص في العلاج والتأهيل، جعلت هذا الرقم مرشحا للارتفاع الكبير، في وقت يتراجع فيه الوصول إلى الرعاية، وتتعطل فيه سلاسل الإمداد، وتزداد صعوبة الحصول على الكراسي المتحركة، والسماعات، والنظارات الطبية، والعكازات، والأطراف الصناعية.

وتقول الأمم المتحدة إن معظم سكان غزة ما زالوا يواجهون انعدام الأمن والنزوح المطول والمتجدد، مع محدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية. وتضيف أن مواقع النزوح المكتظة والمباني المتضررة والملاجئ المؤقتة تفتقر إلى شروط كافية للمياه والصرف الصحي والحماية، وهي ظروف تجعل حياة ذوي الإعاقة أكثر تعقيدا وخطورة.

بالنسبة لسعيد، لا تتعلق المسألة فقط ببيت متصدع أو كرسي متهالك. إنها مسألة نجاة. فحين يقع القصف، يستطيع كثيرون الركض أو الانتقال إلى مكان آخر. أما هو، فيحتاج إلى من يراه، ومن يدفع كرسيه، ومن يعرف الطريق.

يقول سعيد: "الهم الوحيد هو البحث عن مكان آمن وملاذ آمن يمكن أن يكفل لي الحياة الآمنة بفعل هذا المكان المنهار. على سبيل المثال، القصف عندما يحدث يستطيع السوي أن يخرج بسهولة ويسر لكي ينتقل من مكان إلى آخر، أما أنا فوضعي الصحي لا يسمح لي بذلك".

في اليوم الدولي للإعاقة السمعية البصرية، الذي يصادف في 27 حزيران/يونيو من كل عام، تبدو غزة مثالا قاسيا على معنى أن تفقد القدرة على الوصول في مكان يفقد فيه الجميع تقريبا القدرة على الاختيار. 

لكن مأساة ذوي الإعاقة هناك ليست فقط في الإصابة أو العجز، بل في غياب البيئة التي تجعل الحياة ممكنة: بيت آمن، طريق صالح، جهاز مساعد، خدمة تأهيل، وإنذار يمكن سماعه أو رؤيته أو فهمه في الوقت المناسب.