قبل شروق الشمس ومع أول خيط ضوء يتسلل عبر ثقوب الخيمة في مدينة غزة، تستيقظ سعاد كساب (34 عامًا) أمّ لأربعة أطفال، عند الخامسة فجرًا، ليس لأنها نالت قسطًا كافيًا من النوم، بل لأن هذا الوقت هو الأكثر احتمالًا داخل الخيمة.

في هذه الساعات الأولى من الصباح، تكون حرارة الخيمة ما تزال هادئة ومحتملة؛ ما يسمح لها بإنجاز بعض الأعمال اليومية مثل تجهيز الطعام، وترتيب المكان، وغسل بعض الملابس قبل أن تبدأ الشمس برفع درجة الحرارة تدريجيًا.

تصف كساب حال الخيمة بالقول: "بعد الساعة الثامنة صباحًا، يتغير الجو داخل الخيمة تمامًا، يسخن النايلون بسرعة، ويصبح الهواء خانقًا، فنشعر وكأن الخيمة أُغلقت باب من جهنم علينا".

مع ارتفاع درجات الحرارة، تبدأ حركة الحياة داخل الخيمة بالتباطؤ، خصوصًا في ساعات الظهيرة، حين يصبح البقاء داخلها لا يُطاق.

وتضيف كساب: "حتى التخفيف من الملابس بسبب الحرّ ليس ممكنًا، فالخيام بلا خصوصية والناس حولنا طوال الوقت".

بين الظهر والعصر، تكادّ الحركة تتوقف تمامًا داخل خيمتها، يجلس الأطفال في أماكنهم دون قدرة على الحركة من شدة الحر، فتحاول هي وأطفالها التهوية بقطعة كرتون أو بلاستيك متاحة، لكن الهواء نفسه ساخن.

حتى الماء لا يبقى على حاله؛ فالجالون الذي يُجلب في الصباح يفقد برودته سريعًا، ليصبح جزءًا من حرارة المكان بدلًا من أن يُخففها.

وتستحضر كساب أصعب لحظات النهار: "أصعب لحظة عندما يطلب ابني ماءً باردًا أعلم أن الماء أصبح دافئًا، لكن لا يوجد بديل".

أما آمنة الكفارنة (45 عامًا)، التي تغادر خيمتها في ساعات الصباح الأولى، قبل أن تشتد الشمس وتحوّل المكان إلى مساحة لا تُحتمل، بحثًا عن بقعة ظل أو هواء أخف خارج حدود الخيمة.

لا وجهة محددة لهذا الخروج اليومي؛ أحيانًا تتجه إلى مكان مفتوح قرب البحر، وأحيانًا تبقى في ظل مبنى متضرر أو مساحة عامة أقل ازدحامًا، فقط لتفادي ساعات الحر داخل الخيمة، لتوضح: "لا أذهب إلى مكان محدد بالمعنى الحقيقي، المهم فقط أن أخرج من الخيمة قبل أن ترتفع حرارتها".

لكن هذا "الهروب" لا يشبه الراحة؛ فالتنقل مع الأطفال ومتطلبات اليوم يجعل الخروج نفسه عبئًا إضافيًا كبيرًا، كما أن أي مكان تقصده لا يوفر بالضرورة ظلًا مستمرًا أو ظروفًا أفضل فالخيام على مد البصر والعمران محدود جدًا.

وتتابع الكفارنة: "نبقى خارج الخيمة لساعات، لكننا نظل نفكر في العودة. للخيمة مسؤوليات أيضًا، والهروب منها ليس كاملًا".

ومع حلول منتصف النهار، يبقى الخيار بين حرارة الخيمة أو حرارة الخارج، وكلاهما لا يقدم فارقًا كبيرًا سوى تغيير المكان.

لكن الخروج الذي في حقيقته هروبًا ليس متاحًا للجميع؛ فهناك حدود ترسمها الصحة والقدرة الجسدية، تجعل بعض النساء عالقات داخل الخيام، يواجهن حر الصيف دون قدرة على المغادرة، كما هو حال رندة محمد (50 عامًا) التي لا تستطيع مغادرة خيمتها في ساعات الصباح مثل غيرها.

تروي: "ليس باستطاعتي الخروج في كل مرة أحيانًا أستيقظ متعبة، وأحيانًا أضطر للبقاء قرب الخيمة أو الاعتناء بأمور لا تسمح لي بالحركة".

داخل الخيمة، يصبح البقاء خيارًا اضطراريًا لا مهرب منه ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتفاقم صعوبة أداء أبسط المهام اليومية، من الجلوس إلى إعداد الطعام أو حتى محاولة الحصول على قسط من الراحة.

وتصف رندة واقع الحر داخل الخيمة: "الحر داخل الخيمة مختلف عن الخارج. في الخارج يوجد هواء، حتى لو كان ساخنًا، أما هنا فنشعر وكأننا محاصرون".

وتتابع: "مع منتصف النهار، تصبح ساعات الصيف اختبارًا يوميًا للصبر والقدرة على الاحتمال داخل مساحة لا تسمح بالراحة، في واقع يجعل الهروب من الحر خيارًا غير متاح للجميع".

ولا يرتبط الحر داخل الخيام بدرجات الحرارة فقط، بل بطبيعة بيئة الإيواء نفسها، إذ يوضح المختص البيئي نزار الوحيدي أن الخيام ومواد الإيواء المؤقتة، خصوصًا المصنوعة من النايلون أو الأقمشة غير العازلة التي تفتقر إلى الحد الأدنى من التهوية والعزل الحراري، ما يجعلها أكثر عرضة لاحتباس الحرارة خلال ساعات النهار.

ويلفت إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، بالتزامن مع الاكتظاظ داخل مساحات ضيقة، يضاعف الإحساس بالاختناق والإجهاد الحراري لدى السكان.

كما يوضح الوحيدي أن الأزمة لا تتعلق بحرارة الصيف وحدها، وإنما بتراكم عوامل بيئية ومناخية تضاعف أثرها داخل مخيمات النزوح، مشيرًا إلى أن قطاع غزة يشهد أصلًا ارتفاعًا تدريجيًا في درجات الحرارة وموجات الحر خلال السنوات الأخيرة، بينما يعيش النازحون في بيئات تفتقر للعزل والظل والبنية التحتية المناسبة.

ويصف الواقع المناخي داخل الخيام بالقول: "الخيمة المصنوعة من النايلون تتحول في الصيف إلى مساحة تحتفظ بالحرارة لساعات طويلة، خصوصًا مع الاكتظاظ وضعف حركة الهواء داخلها، ما يرفع الإحساس الحراري مقارنة بالخارج أحيانًا، ويزيد من الإجهاد الجسدي والنفسي لدى السكان".

يوضح الوحيدي أن تدمير مساحات واسعة من العمران والأشجار، إلى جانب تراكم النفايات ومحدودية شبكات المياه والصرف الصحي

ويأتي ذلك في وقت تشير فيه تقارير أممية إلى أن أكثر من مليون شخص في قطاع غزة ما زالوا بحاجة ملحّة إلى دعم في المأوى ويعيش كثير منهم في خيام أو مبانٍ متضررة تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية المناخية جرّاء تداعيات الحرب الإسرائيلية (2023- 2025) التي ما تزال حتى اليوم.

ولا تبدو هذه المعاناة مجرد تجارب معزولة، إذ تعكسها أرقام الواقع في قطاع غزة، حيث يُقدَّر عدد النازحين بنحو  1.9 مليون شخص، يعيش مئات الآلاف منهم داخل خيام، تسهم موادها المصنوعة من النايلون في رفع درجات الحرارة داخلها مقارنةً بالمحيط الخارجي، في ظل شحٍّ مائي يحدّ من حصول السكان على كميات كافية من المياه يوميًا.

وفي ضوء هذه الأرقام، يحذر طبيب الأسرة غسان مطر من أن البقاء لساعات طويلة داخل أماكن مغلقة وضعيفة التهوية، مع محدودية الوصول إلى مياه باردة ونظيفة، يرفع من احتمالية الإصابة بالإجهاد الحراري والجفاف والطفح الجلدي، إضافة إلى اضطرابات النوم والصداع المستمر.

ويشرح الطبيب مطر: "ارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام قد يفاقم مشكلات صحية موجودة أصلًا، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو ضعف عام، كما يزيد الضغط الجسدي والنفسي الناتج عن الظروف المعيشية الصعبة". 

ويشير مطر إلى أن النساء من أكثر الفئات تأثرًا بالبقاء داخل الخيام لفترات طويلة، في ظل الحرارة المرتفعة وضعف التهوية وشح المياه، الأمر الذي يفاقم مشكلات جلدية وصحية متعددة، منها التسلخات والالتهابات والإجهاد الجسدي، إضافة إلى تأثيرات تطال الصحة الإنجابية لدى بعض النساء.

بالإضافة إلى ذلك يلفت إلى أن الأطفال وكبار السن أيضًا من الفئات الأكثر هشاشة أمام موجات الحر، في ظل محدودية وسائل التبريد وانعدام المساحات المهيأة للتعامل مع درجات الحرارة المرتفعة.

ومع استمرار موجات الحر، تبقى حياة النساء النازحات في الخيام معلّقة بين حرارة لا تُحتمل وظروف إيواء لا توفر الحد الأدنى من الحماية، في انتظار حلول تتجاوز الطابع المؤقت للأزمة.