أدوات التجميل في غزة: سلاح صامت لمواجهة الحرب
عبوة عطر، مرآة مشروخة، وقلم كحل أسود، هذا ما حملته هدى الأحمد (36 عامًا) من بيتها في الشجاعية شرق مدينة غزة عندما نزحت إلى أحد مراكز الإيواء المكتظة غرب غزة، افترشت فراشًا أرضيًا وسط المرتبات المكدسة وأصوات الأطفال ودويّ القذائف وأخرجت أدواتها البسيطة من كيسٍ بلاستيكي.
تمرر طرف إصبعها على جفنها كما كانت تفعل في صباحات بيتها القديم، ثم ترفع رأسها بابتسامة فيها شيء من التحدي. تقول: "عندما نزحت إلى هنا سألني البعض بسخرية: هل تحضرين معك كحل؟ قلت لهم: هناك مَن ينزح بمستلزمات بيته، وآخرين بالأوراق الرسمية، وأنا انزح بالكحل… لأنه كياني، وقوتي أمام أولادي".
في كل صباح، قبل أن توقظ أطفالها الأربعة أو تذهب لتأمين قوتهم، ترتب ملابسها وتُحسن مظهرها، ثم تبتسم لنفسها في المرآة. تقول: "اشتريت قلم الكحل ببضع شواكل، أطفالي يحتاجون الطعام، وأنا أحتاج شيئًا يذكرني بأنني أم حية، لا مجرد آلة لإدارة البقاء".
تقف دقائق أمام المرآة تلتقط الضوء الخافت المتسرب من نافذة مكسورة، وتعدل حجابها ببطء. الهواء مشبع برائحة العرق والمكان الضيق، لكن عبير العطر الذي ترشه على أطراف ملابسها يخلق حولها جزيرة صغيرة من الانتعاش. تردف وهي تجمع أغراضها في الكيس البلاستيكي: "هذه الدقائق وحدها تجعلني أتحمل اليوم، إذا فقدنا شكلنا، سنفقد أنفسنا، وبالتالي قد نغرق في دوامة اكتئاب حاد".
هدى لا تملك بيتًا الآن، ولا أثاثًا، ولا حتى سريرًا خاصًا بها، لكنها تملك رسالة تؤمن بها: "لا يكفي أن ننجو، يجب أن نعيش ونبقى جميلات، وقويات".

كما هو الحال مع هدى، تجد نساء أخريات في غزة أن التجميل ليس رفاهية، بل وسيلة لحماية صورتهن أمام أنفسهن وأمام الآخرين، رغم ما فعلته حرارة الخيام والمواقد والمشي بين أزقة النزوح ببشرتهن.
على شاطئ بحر غزة، حيث تصطف الخيام كصف طويل بدا بلا نهاية، تجلس فاطمة رمزي (27 عامًا) في خيمتها، يتسلل ضوء الهاتف الخافت ليضيء وجهها. تفتح علبة كريم الترطيب وتغمس أصابعها ثم تدهن بشرتها التي أصيبت بالجفاف نتيجة الحرّ. ترص فاطمة أمامها على قطعة قماش صغيرة، أدوات التجميل خاصتها: قلم كحل، مسحوق بودرة خدود، وأحمر شفاه شفاف.
تمرر فاطمة مسحوق البودرة على وجنتيها وتراقب التغيير في المرآة الصغيرة، كمن يتأكد من أن ملامحه ما زالت مألوفة وسط الغبار وملح البحر الذي يترسب على وجوه النازحين قبالة الشاطئ. تقول بصوتٍ منخفض: "فقدت والدتي قبل تسعة أشهر، وأنا الأكبر بين أخواتي، يجب أن أكون قوية وألا أظهر ضعفي وليس من المعقول أن ننغمس في الهم إلى أبد الأبدين!".
ترى الشابة فاطمة أن الزينة وسيلتها للحفاظ على صورتها أمام عائلتها، وسلاحها الصامت الذي يذكرها بأنها ما زالت امرأة تستحق الحياة بكرامة وسط الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ 22 شهرًا. وتقول: "عندما عدت للاهتمام بمظهري قليلًا أصبحت أرى الملامح التي أعرفها من قبل، شعرت بأن روحي ردت إلي".
صالونات التجميل في غزة: استمرار وسط القصف وانقطاع الكهرباء

هذه الطقوس الفردية تتحوّل داخل صالونات التجميل في غزة إلى فعل جماعي يخلق مساحة دعم نفسي. تقول دينا عزام، وهي صاحبة صالون تجميل، إنها تبدأ يومها رغم ضراوة القصف المستمر، وتقوم بتشغيل الصالون بواسطة مولد كهربائي صغير يعمل بالسولار، وتستقبل يوميا عشرات النساء اللواتي يبحثن عن لحظة راحة وسط صخب الحرب.
وتضيف عزام: "أحياناً أضع المكياج لهن حتى لو لم أضعه لنفسي، لأني أريد أن أكون مصدر أمل وقوة لأولئك النسوة اللواتي دفعن ثمناً باهظاً في هذه الحرب".
ورغم تضرر عدد كبير من صالونات التجميل، ما زال نحو 1800 صالون مرخّص في قطاع غزة يواصل العمل بشكل جزئي أو في أماكن بديلة، بما فيها مراكز الإيواء المؤقتة.
داخل أحد هذه الصالونات، جلست أمل محمد (39 عاماً) على كرسي التجميل تخضع لجلسة بروتين لفرد الشعر، محاولة استعادة بعض من حيويتها. لكنها سرعان ما انهارت وهي تتحدث عن ابنها البالغ 17 عاماً الذي فقدته في رفح جنوب القطاع: "مللت شكلي الحزين وشعري التالف، جئت إلى هنا لاستعادة ثقتي بنفسي قليلاً، رغم الحزن الذي يأكل قلبي على فقدان ابني".
وفي قبو منزل متصدع نتيجة قصف، تفوح رائحة مساحيق التجميل المنبعثة من حقيبة السيدة أم محمد مصلح. جاءت هذه السيدة إلى هذا المنزل لتُجهّز عروسًا ستزف إلى عريسها مع نهاية اليوم دون طقوس فرح تقليدي. وقالت مبتسمة: "هذه عروس ومن حقها أن تتزين وأن تقتنص القليل من الفرحة وسط هذا السودا الحالك (..) علينا أن نُذكّر العالم أنّه يوجد هنا أناس يعيشون ويحبون الحياة".
كانت مصلح، وهي سيدة خمسينية، تدير صالوناً في حي الرمال وسط مدينة غزة قبل أن يُدمّر بالكامل، ومنذ ذلك الحين تتنقل بين البيوت والملاجئ والخيام، تحمل حقيبة مليئة بأدوات المكياج وبعض مستلزمات الشعر. تقول: "في ظلّ المجاعة، قايضت بعض النساء على كيلو دقيق كي أوفر قوت أسرتي، لكنني لم أتوقف عن تجميلهن".
اليوم، تضع السيدة مصلح اللمسات الأخيرة على مكياج العروس دعاء أحمد، وهي نازحة من دير البلح وسط قطاع غزة. تمسك بفرشاة وتبدأ بتوزيع الكحل على عيني العروس التي قررت أن تكمل زفافها رغم تهجيرها وغياب والدها المفقود دون معرفة مصيره. تضع الكحل بعناية وتهمس: "هذا الخط ليس زينة فقط، هو خط عمر جديد، نحن نعيش رغم كل شيء".
أردفت بعينٍ باكية: "كنت أتخيّل يوم عرسي يبدأ نهاري بصالون التجميل وقاعة ملأى بالورود، مع صديقاتي، وضحك، وأغاني بصوت عالي، كنت أريد فستانا أبيضا منفوشا، ومكياجا كاملا، وألبوما للصور، لكننا نعيش اليوم ونصنع فرحتنا بأدنى التفاصيل".
الثوب المطرز الذي ترتديه دعاء أخرجته من خزانة والدتها، مطويًا بعناية ورائحته تحمل بقايا عبق قديم. تقول وهي تعدل حافة الثوب: "هذا الثوب من أيام جدتي، يعني هو أيضًا نازح مثلي، لكن اليوم يشاركني فرحتي".
تبتسم وتردّد بصوتٍ خافت عبارة الشاعر محمود درويش: "نحن أحياء وباقون وللحلم بقية"، وكأنها توقّع بها على يومها الذي قررت أن تصنعه رغم الغياب والدمار.

إلى جوارها، تجلس الجدة أم جميلة مسلم (90 عاماً)، يداها المجعدتان متشابكتان في حجرها وعيناها تتابعان المشهد بصمت. تبدأ بالكلام بصوت يملؤه الحنين: "عشت كل حروب ونكبات هذه البلاد، لكن نساء غزة لم يتركن الكحل ولا الحناء حتى في أصعب الأيام. عندما نضع الحناء على أيدينا، كنا نقول للحياة: نحن موجودون، رغم كل النكبات والحزن".
تبتسم الجدة أم جميل وهي تتذكر: "الكحل كان يحمي عيوننا، لكن كان أيضًا يحكي عن عزيمتنا. كنت أقول لبناتي وحفيداتي: ابقين دائمًا ثابتات، لا تجعلوا الحرب تكسركنّ".
كما ترى الجدة التي عاصرت النكبة الأولى عام 1984، أن ما تفعله النساء اليوم امتداد لطقس قديم من المقاومة الصامتة؛ فـالكحل والحناء كانا يومًا ما وسيلتهن لقول "نحن باقيات وبارعات في حب الحياة" رغم النفي والتشرد، وهو اليوم وسيلتهن لإثبات الشيء ذاته بأنهن لا يحلمن بأكثر من حياة عادية بسيطة هادئة مثل نساء العالم.
ارتفاع أسعار التجميل في غزة وتأثيره على حياة النساء
اليوم، ورغم تمسك النساء بهذه الطقوس كجزء من صمودهن، يواجهن تحديات جديدة لم تعرفها أجيال سابقة؛ فمستحضرات التجميل نفسها أصبحت صعبة المنال بعد أن شهدت ارتفاعًا حادًا في الأسعار داخل قطاع غزة عقب إغلاق الاحتلال الإسرائيلي المعابر ومنع دخول غالبية المنتجات.
مع الحصار الناتج عن إغلاق المعابر جرّاء الحرب، لجأت بعض النساء لاستخدام بدائل مثل الفحم المطحون أو الحناء، بينما اشترت أخريات منتجات عالمية لم تأت عليها الدمار بأثمان باهظة. تقول بسملة فريد (25 عاماً) إنها أنفقت 300 دولار على عطور ومنتجات عناية بالبشرة من ماركات عالمية مثل ديور وشانيل وماك: "ليس رفاهية، انهم يحاربوننا، لكننا ما زلنا أحياء ونختار أن نحافظ على إنسانيتنا".