منذ ساعات الصباح الأولى، يتجه المواطن محمد أبو طير نحو متجر محلي في مدينة خان يونس الواقعة في جنوب قطاع غزة، للاصطفاف في طابور الحصول على الخبز.

يأخذ أبو طير، الذي يعيل أسرة مكونة من تسعة أفراد، دوره في الطابور قبل أن تفتح أبواب المتجر المعدنية الضخمة. وإلى جواره المئات من الرجال والنساء والأطفال الذين يتحدون برد الصباح ويأتون للحصول على رزمة أرغفة.

يقول أبو طير، الذي يرتدي قبعة بيسبول وسترة داكنة لحمايته من البرد: "أنا واقف هنا منذ الساعة 6 صباحاً. آتي إلى هنا كل يوم لشراء رابطة واحدة من الخبز، علماً أنها لا تكفي أسرتي".
 

المواطن محمد أبو طير- خانيونس- تصوير وكالات

عادةً ما تخبز عائلة أبو طير الخبز في المنزل، لكن ذلك تغير بعد اندلاع أزمة الشرق الأوسط التي عصفت بالمنطقة. في البداية، ولمدة تزيد عن شهر، لم يدخل أي دقيق قمح تجاري إلى غزة، مما تسبب مؤقتاً في ارتفاع الأسعار.

يقول أبو طير، مستعيداً صدمته من ارتفاع الأسعار قبل بضعة أسابيع، وهو ما دفعه إلى شراء الخبز المدعوم من متجره المحلي: "ذهبت إلى السوق بحثاً عن كيس دقيق، ولكني عاطل عن العمل ولا أستطيع تحمل تكلفة ذلك".

لا تزال القيود المفروضة على حركة المعابر مع قطاع غزة، وبخاصة على إمدادات الدقيق، إلى جانب المخابز المتضررة وارتفاع تكاليف إنتاج الخبز، تحول دون تطبيق حق الحصول على الغذاء للسكان.

وأدى ذلك إلى تقلب أسعار المواد الغذائية الأساسية، مما ضاعف معاناة سكان غزة الذين يرزحون تحت نير الحرب منذ السابع من أكتوبر 2023. بعد مرور ما يقرب من سبعة أشهر على وقف إطلاق النار "الشكلي" ، لا تظهر أي بوادر للانتعاش.

ويعاني حوالي 80 في المائة من القوى العاملة في غزة من البطالة، ويواجه الكثيرون الجوع. وخلص تقرير صدر مؤخراً عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أن القطاع سيحتاج إلى 71.4 مليار دولار أمريكي خلال العقد المقبل من أجل عملية الإنعاش وإعادة الإعمار.

يُعد برنامج الأغذية العالمي المصدر الوحيد لإدخال الدقيق، والذي بدوره سمح للمتاجر بتوفير الخبز المسطح بأسعار مدعومة، علماً أن الكثير من الأسر لا تملك سيولة نقدية يومية (دولار واحد) لتشتري تلك الرزمة من الأرغفة.
 

عمال مخبز - خانيونس-تصوير وكالات

يقول علاء الصافي، صاحب متجر متعاقد مع برنامج الأغذية العالمي: "أسعار غاز الطهي ومستلزمات الحياة بشكل عام مرتفعة في الوقت الحالي، خاصة منذ بداية شهر مارس/آذار".

والصافي هو واحد من 164 تاجراً يبيعون الخبز الذي تنتجه 26 مخبزاً في أنحاء غزة، وهو ما يزودهم برنامج الأغذية العالمي بالدقيق والوقود. وتوفر هذه المخابز حوالي ثلث احتياجات القطاع من الخبز.

ومن بين كل عشرة أربطة خبز تنتجها المخابز المدعومة من برنامج الأغذية العالمي، تذهب ثمانية أربطة إلى تجار التجزئة، حيث تُباع بسعر محدد يبلغ ثلاثة شيكلات (حوالي دولار أمريكي واحد). أما باقي الخبز فيُقدَّم مجاناً للعائلات التي تقيم في خيام النزوح، عبر مطابخ الوجبات الساخنة.
 

مواطنون يحصلون على الخبز من مخبز محلي بخانيونس- تصوير وكالات

قبل اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان في القطاع ما يقرب من 100 مخبز مسجّل ومزدهر، إلى جانب عدد كبير من المخابز الصغيرة غير الرسمية. وكان الخبز الطازج الذي تنتجه هذه المخابز ركيزة أساسية في الحياة اليومية الفلسطينية، ويُؤكل مع كل وجبة تقريباً.

وخلال الحرب، أدّت المخابز دوراً حيوياً في مواجهة تصاعد الجوع وانعدام الأمن الغذائي، إلى أن اضطرت إلى الإغلاق بعد فرض حصار على المساعدات استمر شهرين وبدأ في مارس/آذار 2025. وقد دُمّر العديد منها أو تضرر بشدة جرّاء الغارات الجوية والقصف، فيما لا تزال خطوط إنتاج كاملة مدفونة تحت الأنقاض، وباتت خارج نطاق الإصلاح.

يقول طارق عويضة، صاحب مخبز حيفا في خان يونس: "في يوليو/تموز 2025، حولت غارة جوية مخبزي إلى أنقاض". قُتل والده، الذي كان يملك المخبز سابقاً، أثناء ذهابه لتقييم الأضرار، إلى جانب ابن أخ عويضة. "عملنا ليل نهار لإزالة الأنقاض وإعادة بناء ما ترونه اليوم".

لم تكن عملية إنقاذ معدات المخبز من تحت الأنقاض سهلة. ويضيف لبرنامج الأغذية العالمي: "لا شيء هنا جديد، كل ما ترونه تم إصلاحه". وقد أعيد افتتاح المخبز في مارس/آذار، لكن معظم المعدات بالكاد تفي بمتطلبات العمل.

ومع القيود المفروضة على دخول مواد البناء إلى قطاع غزة، وغياب الموارد المالية، تبدو إعادة إعمار المخابز مهمة شبه مستحيلة في الوقت الراهن.

يقول محمد زيدان، صاحب مخبز آخر يدعى "القلعة" في بلدة دير البلح وسط غزة: "من الصعب جداً العثور على المواد الخام والمعدات بسبب القيود المفروضة على ما يُسمح بعبوره عبر الحدود".

محمد زيدان صاحب مخبز القلعة- خانيونس- تصوير وكالات

ويضيف زيدان: "حتى عندما تجدها في السوق، فإنها باهظة الثمن بشكل لا يصدق. بعض قطع الغيار التي كنا نستوردها سابقاً من إسرائيل مقابل 5,000 شيكل تكلف الآن أكثر من 40,000، ولا يوجد أي منها جديدة".

وتشكل صيانة خط الإنتاج المتقادم مشكلة أخرى. يقول زيدان: "مرت ثلاث سنوات منذ أن خضعت آلاتي للصيانة المناسبة، لقد أصبحت بالية للغاية".

ويقع مخبز "الحلو" المجاور لمخبز حيفا في خان يونس، والذي لم يعد سوى كومة من الأنقاض، على بُعد مئات الأمتار مما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث يبدأ الجزء من قطاع غزة الخاضع حالياً لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي. ويعتاد السكان في هذه المنطقة على أصوات إطلاق النار والانفجارات، فيما تؤجل بعض المتاجر ساعات افتتاحها لأن الزبائن يخشون الخروج في ساعات الظلام، حفاظاً على حياتهم.

وبينما تدخل بعض الإمدادات التجارية الآن إلى القطاع، فإنها تظل محدودة وغير متوقعة. ويخشى أصحاب المخابز في غزة من أن يضطروا إلى إبطاء العمل أو الإغلاق مرة أخرى.

والمشكلة تتجاوز الخبز. فالعديد من التجار يختارون استيراد منتجات ذات هوامش ربح أعلى، مما يؤدي إلى نقص في بعض المواد الغذائية الأساسية.

يقول زيدان: "نحتاج إلى فتح جميع المعابر المؤدية إلى غزة وأن نتمتع بحرية استيراد ما نحتاجه لتسيير أعمالنا. ففي النهاية، ما نقوم به هو ضمان حصول الناس على الخبز ليأكلوه".