تستند أسماء عواجة إلى وسادة صغيرة داخل خيمة نزوحها غرب مدينة غزة تلظي بحرارة الظهيرة، بينما تحاول أطراف يدها إبعاد أسراب البعوض والذباب التي لا تهدأ حول وجهها. يتسلل بصرها إلى سقف قماشي باهت، وهناك تستقر لحظات طويلة، كأنها تبحث عن صورة بيت قديم لم يعد قائمًا.

عادةً، كان عيد الأضحى يبدأ عندها قبل أسابيع من قدومه، وفي العيد الذي سبق اندلاع الحرب الإسرائيلية (2023-2025)، كانت قد جهزت نفسها وبيتها على أتمّ استعداد، صندوق زجاجي للضيافة، فناجين قهوة سوداء مطعّمة بالذهب، أغطية جديدة للأرائك، مفارش مطرّزة اختارت ألوانها بعناية، اشترتها خصيصًا لموسم لم يأتِ بعد. بعد انتهاء ذلك العيد، خبّأتها في الدولاب للعيد القادم، لكن لم يصل ذلك القادم؛ سُحق البيت، وبقيَّ كل شيء تحت الركام.

داخل خيمة نزوحها اليوم، يتكرر استحضار العيد القديم كطقس عائلي. تجلس عواجة مع بناتها وتعيد رسم مشاهد العيد في مكان سكنها القديم، تستذكر شوارع وبيوت مخيم جباليا شمال قطاع غزة كما كانت. ابنتها الكبرى، ذات العشر سنوات، تشاركها ما يدور في ذاكرتها: "يا ماما ما في عيد بالخيمة.. متى هيصير عنا بيت وأجواء عيد زي زمان".

الأيام التي تسبق العيد، كما تصف، كانت تحول فيها البيت إلى ورشة كاملة: تنظيفه، وتجهيز أطقم الضيافة، شراء المكسرات والشوكولاتة والعصائر، اختيار ملابس جديدة لها وللبنات. لكن اليوم تتبدد كل تلك التفاصيل في مساحة ضيقة من القماش: "فقدنا البيت، وكل شيء من حياتنا السابقة بلا استثناء، ولم يعد للعيد بهجته القديمة".

هذه الأيام تحاول عواجة استعادة جزء صغير من الطقوس القديمة عبر أشياء بسيطة: صندوق ضيافة جديد، بعض الحلوى، محاولة إدخال طقس صغير للفرح. لكن فقدان الأب، وعدد من الأقارب والمعارف والبيت نفسه، يثقل اللحظة أكثر مما تحتمله، تقول: "لا أستوعب أن العيد يمر دونهم".

في غزة، تغيّرت ملامح العيد بالكامل منذ نشوب النزاع. مئات آلاف البيوت اختفت أو تضررت أو أصبحت خارج الوصول. وفق تقديرات الأمم المتحدة، نزح نحو 1.9 مليون شخص، يعيش معظمهم خارج منازلهم بين خيام رديئة ومراكز إيواء مكتظة لا تصلح للسكن. ما يقارب 90% من السكان فقدوا القدرة على العودة إلى بيوتهم، فيما يظل خطر النزوح قائمًا في أي لحظة.

فقدان الشعور ببهجة العيد بين سكان قطاع غزة لا يقتصر على الطقوس، انما امتد إلى الغياب الثقيل داخل العائلات، إذ تستقبل آلاف البيوت العيد هذا العام بنقصٍ واضح في أفرادها. والأعياد التي كانت مساحة للّقاء، تتحول إلى مناسبة لاستدعاء الغياب أكثر من استدعاء الفرح.

في خيمة أخرى، ووسط كآبة ولظى الصيف تحاول ولاء سليمان تركيب مشهد عيد داخل مساحة تصفها بأنها "جهنم" بسبب الحرارة الخانقة في ساعات النهار. تشتري ملابس جديدة لأطفالها ولها أيضًا، رغم إدراكها أن الفعل لا يعيد ما فُقد، لكنه يخلق لحظة عابرة من الفرح داخل حياة مضغوطة.

كلما اقترب عيد تعود إلى صور أطفالها في آخر عيد جمعهم داخل بيتهم المقصوف. تروي: "في بيتي، قبل يومين من العيد كنت أقلب البيت رأسًا على عقب لتعزيله، أحضر الكعك، أجهز نفسي والصغار لاستقبال المهنئين بالعيد". أما بعد الأحداث يأتي بعض الأقارب لدقائق ويغادرون تحت وطأة الحر، فيما تختفي أبسط وسائل التبريد. لا ثلاجة تحفظ ماءً باردًا، ولا قدرة على تقديم ضيافة كما كان يحدث سابقًا، سوى ما تتيحه الشوكولاتة والعصير قبل أن تذوب في حرارة المكان.

الخيمة ليست مهيئة لاستقبال ضيوف، فلا وجود حيز للاستقبال، فمساحة النوم المتاحة هي نفسها مساحة الحياة كلها. تضع سليمان شرشف أبيض يفصل الخيمة إلى نصفين، في محاولة لصنع خصوصية مؤقتة حين تنام الأطفال. تعقب: "لم أستطع فعل شيء أكثر للضيوف، فهكذا كان تجهيز الخيمة في العيد بفصل مساحة مترين لجلوس القادمين".

ياسر عدوان يقف عند طرف آخر من المشهد، حيث يمتد الغياب إلى مدينة كاملة. رفح، مسقط رأسه، لم تعد موجودة كما كانت. وفي ذاكرته يبدأ عيد الأضحى بصلاة الفجر، ثم ذبح الأضحية، فرز اللحوم وتوزيعها على الأقارب والجيران، إفطار بالكبدة الطازجة، ثم جولات طويلة حاملة حصص اللحم.

لكن هذه الأيام حتى ما تبقى من الطقوس يتقلص في زيارة الأرحام التي أصبحت فعلًا مكلفًا يحتاج إلى سيارة تُستأجر بالساعة. يوضح: "لم تعد لدي قدرة على التجول في العيد، والمعايدة على الأهل"، ويضيف أن الخيمة نفسها لا تصلح لاستقبال أحد؛ الحرارة تجعل البقاء فيها مرهقًا، فكيف بضيف يأتي من الخارج.

 

في مراكز إيواء النازحين يأتي العيد بصيغة مختلفة تمامًا. يسرا خليل أصبحت تخرج إلى البحر كلما حل العيد؛ هربًا من طقوسه المفقودة في مكان نزوحها، وكأنها تبحث عن هامش مفتوح يعيدها إلى ما قبل فقدان البيت. تحاول تعويض أطفالها بشراء ملابس جديدة، لكنها تصف ذلك بأنه محاولة لا تكتمل.

داخل الصف المدرسي الذي تعيش فيه مع عائلتها، تتحول التفاصيل اليومية إلى بدائل قسرية. تقول: "أحاول تنظيف الصف بدل البيت"، فيما تتحول طقوس تلميع وتزيين النوافذ والستائر إلى ذكرى بعيدة. في الصف يقيم ثمانية أشخاص معًا، نصف المساحة ممتلئ بالأمتعة، وزاوية صغيرة للمطبخ، بينما يصبح استقبال الأقارب عبئًا إضافيًا، فيغدو العيد مساحة للانسحاب بدل اللقاء.

مع هذا التحول، لم يعد الحزن حالة فردية. بات امتدادًا عامًا لمدينة أنهكتها الحرب والنزوح والفقدان، وقدوم العيد لم يعد مناسبة للفرح فأصبح مساحة تتقاطع فيها الذكريات مع واقع لا يمنح فرصة للانفصال عنه.

المختصة النفسية نورا أبو عيطة تقرأ هذا التحول من زاوية أعمق. الخيمة، كما تصف، لا تكون ضيقة أو حارة فقط، بل تتحول إلى مساحة تستحضر البيت الذي كان، والشارع الذي كان ممتلئًا بالحياة. الصدمة المستمرة تبقي الأفراد داخل الحدث نفسه دون مسافة أمان نفسية.

الذاكرة المقارنة تضاعف الألم. كل مشهد احتفال خارجي يعيد رسم الفارق بين ما كان وما أصبح. تشتت العائلات، فقدان الأحبة، والعجز عن تأمين احتياجات العيد، كلها عناصر تضغط على الشعور العام حتى يصل إلى إرهاق نفسي متراكم.

وتشير إلى أن التعامل مع هذا الثقل يبدأ من الاعتراف به دون مقاومة. الحزن، في هذا السياق، ليس خللًا بل استجابة طبيعية لفقد واسع. إنشاء طقوس صغيرة داخل الخيام قد يخفف من حدته: تكبيرات العيد، حلوى بسيطة، قطعة قماش ملونة على الجدار. وعندما يصبح الألم أكثر كثافة، يصبح الحديث مع شخص قريب أو مختص خطوة تساعد على ترتيب المشاعر بدل تركها تتراكم.

في غزة، يبقى العيد محاولة مستمرة للتمسك بما تبقى من الحياة. قطعة حلوى، ثوب جديد لطفل، صوت تكبيرات يخرج من خيمة مثقلة بالحر. خلف كل محاولة للفرح، يمتد فقد طويل لا يغادر المكان، وحنين إلى أعياد كانت تمر خفيفة، محمّلة بالأمان لا بالخوف. هنا، لا يبدو العيد مناسبة عابرة، بل اختبارًا إضافيًا لقدرة الناس على الاحتمال.