"أقصى أمنياتي كانت توفير وجبة واحدة في اليوم، وغالباً ما كنت أفشل في الحصول عليها" هذا ما قالته المواطنة أسماء زاهر من قطاع غزة التي وضعت طفلها "يوسف" بوزنٍ حرج لا يتجاوز 1.8 كيلوغرام إثر ولادة مبكرة نتيجة الحرمان الغذائي وسوء التغذية الذين عاشتهما خلال فترة المجاعة وغلاء الأسعار.

تذهب ببصرها بعيدًا وتتذكر كيف أنجبت أطفالها السابقين الذين ولدوا بأوزان طبيعية تراوحت بين 3 و4 كيلوغرامات في ظروف معيشية وصحية مستقرة قبل الحرب الإسرائيلية (2023- 2025) المستمرة تداعياتها حتى اليوم. وتلخص بشهادتها أثر سياسة التجويع المباشر على نتائج الحمل والولادة في قطاع غزة.

بين أرقام المنظمات الدولية وتقارير وزارة الصحة الفلسطينية، تتكشف أبعاد الكارثة التي تلاحق الأجنة في الأرحام؛ إذ إن المعضلة ليست مجرد نقص عابر في السلع، انما تدمير منظم وممنهج لبنية الحياة والنمو الطبيعي. وفي هذه القصة المدفوعة بالبيانات، تكشف "آخر قصة" عبر المؤشرات الرقمية الموثقة كيف يعطل الحصار الطبي والغذائي المؤشرات الحيوية لنمو الأجنة في مراحل تشكلها الأولى.

فقر الدم والوفاة داخل الأرحام

تُظهر ورقة حقائق صادرة عن "مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان" في مارس 2026، بعنوان "أثر سوء التغذية والتجويع على المواليد في قطاع غزة"، أنّ سياسة التجويع والحصار الشامل أدت إلى تدهور مخيف في المؤشرات الصحية للنساء الحوامل.

وتبين أنّ 67% من النساء الحوامل في قطاع غزة يعانين من فقر الدم (الأنيميا) الحاد نتيجة سوء التغذية. و38% من الحوامل اللواتي جرت متابعتهن من قبل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) يواجهن سوء تغذية حادّ يُهدد سلامة الحمل. كما سجلت 616 حالة وفاة لأجنة داخل الرحم كحصيلة مباشرة للظروف النفسية القاسية وسوء التغذية الناتج عن الحرب والحصار. 

ويشير مدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة زاهر الوحيدي، إلى أن غياب المواد الغذائية الغنية بالقيم الأساسية أحدث عجزًا حادًا في تلبية الاحتياجات البيولوجية المتبادلة بين جسد الأم والجنين، مما قلص فرص بقاء الأجنة ونموها السليم.

لمى ناهض (25 عامًا)، أم نازحة تتردد على أقسام الولادة المتبقية في مدينة غزة، لتكشف عن مأساة تعميق الجوع عقب الولادة. 

وتروي ناهض: "عشت فترة حملي كاملة وسط النزوح والمجاعة، ولم أكن أجد ما يسد رمقي. وضعت طفلتي مبكرًا في الأسبوع الـ 30، وحين حاولت إرضاعها لم يخرج من صدري قطرة حليب واحدة؛ فجسدي كان جافاً وهزيلاً من الجوع. الحليب الصناعي البديل شحيح، والماء المتوفر ملوث، أشعر أنني أموت عجزًا وأنا أرى طفلتي تذبل في الحاضنة يومًا بعد يوم".

وفي ظلّ هذا الانهيار وخروج غالبية المستشفيات عن الخدمة وتكدس ما تبقى منها، برز دور إنساني قسري من وسط الحصار والنزوح والخيام؛ إذ تروي القابلة الميدانية هيام رجب، شهادة صادمة ومأساوية.

تقول: "لقد تحولت الولادة في غزة من لحظة فرح إلى رحلة رعب وموت. أجريت عمليات ولادة غير مكتملة في ظروف استثنائية منها تحت إنارة كشاف الهاتف، فوق شوادر بلاستيكية وسط انعدام تام للمياه النظيفة أو الشاش المعقم. واضطررت أحياناً لقطع الحبل السري بأدوات معقمة يدويًا، وشهدت حالات نزيف حاد بعد الولادة دون القدرة على نقل الأم للمستشفى لغياب المواصلات والوقود. نعيش لحظات حاسمة قبل التقاط النفس الأول للأطفال وسط بيئة لا تصلح أساسًا للحياة".

قفزة في الولادات المبكرة

لم تتوقف تداعيات التجويع عند حدود الأرحام، بل امتدت لتشوه المؤشرات الحيوية للمواليد الجدد الذين يخرجون إلى الدنيا بأجساد واهنة. فمن بين 48,600 حالة ولادة سُجلت داخل المستشفيات والمراكز الصحية (من إجمالي 49,190 مولودًا)، رصدت البيانات الطبية تحولات صادمة مقارنة بعام 2022 (ما قبل الحرب).

وتوضح البيانات أن بعض المواليد سجلوا وزنًا حرجًا يبلغ 1 كيلوغرام فقط، وهو وزن يضاعف خطر الوفاة بنحو 20 ضعفاً مقارنة بالوزن الطبيعي. علاوة على ذلك، سُجلت 315 حالة ولادة مصحوبة بتشوهات خلقية ناتجة مباشرة عن نقص العناصر الفيتامينية والغذائية الأساسية خلال المراحل الحرجة لتخلق الأجنة.

وفي قراءة استشرافية خطيرة لواقع هؤلاء الأطفال، تحذر أخصائية التغذية العلاجية رنا زعيتر من ظاهرة البرمجة الجنينية، مؤكدة: "إن الأجنة التي تعاني من سوء التغذية الحاد تعيد برمجة آيضها وعملياتها الحيوية داخليًا للنجاة في بيئة شحيحة السعرات، مما يترك أضراراً مستدامة وبعيدة المدى على جيل المواليد منخفضي الوزن".

أبرز هذه الأضرار هي ظاهرة التقزم والضمور العضلي، حيث يعاني الأطفال المولودون بأوزان حرجة من تلف قسري مبكر في صفائح النمو العظمي

الأخطر وفقًا لزعيتر هو التدهور الإدراكي والعصبي، توضح: "إن نقص المغذيات الصغرى كالحديد والزنك يمنع نمو المادة الرمادية في الدماغ وتفرع الخلايا العصبية بالشكل السليم، مما يعني أننا أمام جيل مهدد بتدنٍ دائم في مستويات الذكاء (IQ)، وصعوبات بالغة في التعلم والتحصيل المعرفي ممتدة لعقود قادمة".

مقبرة الحضانات

في مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح، تروي النازحة زهرة رشدي مأساة طفلها "محمد" الذي ولد في الأسبوع 32 من الحمل (قبل موعده بشهر تقريبًا) بوزن طاقة كيلوغرامين اثنين فقط. وضع محمد في الحضانة، لكنه لم يصمد سوى أسبوع واحد وفارق الحياة. 

تقول والدته: "لدي خمسة أبناء ولدوا سابقًا بأوزان طبيعية، لكن خلال فترة المجاعة لم أكن أحصل إلا على وجبة واحدة تفتقر لأي بروتينات".

على نحوٍ مُشابه يروي أحمد مروان (34 عامًا)، وهو يمسك بملابس طفله الراحل الذي لم يكتب له البقاء سوى 4 أيام فقط: "ولد طفلي بوزن 1.2 كيلوغرام وكان يحتاج إلى تنفس اصطناعي وحاضنة مجهزة بالكامل. في الليلة الثالثة لنزوله، انقطع التيار الكهربائي تمامًا عن القسم بسبب نفاد السولار المشغل للمولدات، واضطر الأطباء لمحاولة إنعاش الأطفال بأيديهم يدوياً.. لكن دون جدوى، توقفت نبضات قلبه الصغيرة لأن جسده الواهن لم يحتمل الصدمة".

 

تُعزى هذه الفاجعة المتكررة إلى أزمة خانقة، إذ تبين أنّ 47 طفلاً من حديثي الولادة يموتون شهريًا في عام 2026، مقارنة بنحو 27 طفلاً شهريًا في عام 2022، بزيادة تقدر بنحو 75%. إضافة إلى تدمير ممنهج لأقسام الحضانة والمستشفيات خلال العمليات العسكرية، ما تسبب في عجز لوجستي طبي حادّ جعل الحضانات المتبقية غير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الأطفال الخدج والمبتسرين. كما أنّ 165 طفلاً قضوا نحبهم مباشرة بسبب سوء التغذية والجوع وفقاً لبيانات وزارة الصحة الفلسطينية.

بعد توقف وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة في مجمع الشفاء بسبب نفاد الوقود، قال أبو سلمية إن طفلين خدّجين توفيا، وإن عشرات الأطفال الآخرين باتوا مهددين بالموت. وأوضح أن سبب الوفاة كان انقطاع الكهرباء اللازمة لتشغيل الحاضنات التي توفر الحرارة والأكسجين المستمر للمواليد الخدّج. 

ويتقاطع حديث أبو سلمية مع ما كشفه مختصون بأنّ الحاضنة الطبية ليست مجرد سرير زجاجي؛ هي منظومة رعاية متكاملة تعتمد على استقرار الكهرباء والأكسجين والأجهزة المساندة. فالأطفال الخدج غير قادرين على تنظيم حرارة أجسامهم بصورة كافية، ما يجعل أي انقطاع للكهرباء أو اضطراب في مصادر الطاقة تهديدًا مباشرًا لحياتهم. 

كما يؤدي نقص الأكسجين وتعطل أجهزة التنفس إلى مضاعفات صحية خطيرة قد تفضي إلى الوفاة أو إلى أضرار دائمة. وتتفاقم الأزمة مع صعوبة إدخال قطع الغيار والمستلزمات الطبية الأساسية، إلى جانب النقص الحاد في المغذيات العلاجية اللازمة لإنقاذ هؤلاء الأطفال.

أطفال فلسطينيون حديثو الولادة في حاضنة واحدة في مستشفى الحلو بسبب أزمة الوقود في مدينة غزة (رويترز)

وحذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في يوليو/تموز 2025 من أن قطاع غزة يواجه خطر المجاعة، مؤكدة أن أكثر من 320 ألف طفل دون الخامسة معرضون لسوء التغذية الحاد. 

وقالت المديرة التنفيذية لليونيسيف كاترين راسل إن "الأطفال والرضع الهزلى يموتون بسبب سوء التغذية في غزة"، مطالبةً بضمان وصول فوري وآمن ودون عوائق للغذاء والمياه والأدوية والمساعدات التغذوية المنقذة للحياة.

بالتوازي مع ذلك، وثق صندوق الأمم المتحدة للسكان في فلسطين اضطراره اللجوء لتوزيع "حقائب الولادة النظيفة والآمنة الفردية" كخيار ملاذ أخير وقاسٍ لمنع العدوى وحمى النفاس والنزيف القاتل للأمهات في ظل العوائق الشديدة المفروضة على إدخال مستلزمات التعقيم الأساسية والشاش للمستشفيات المتضررة.

التأصيل القانوني

من منظور القانون الدولي، لا يمكن عزل هذه الأرقام المأساوية عن سياق السلوك الممنهج. وتؤكد القراءة القانونية لمؤسسة الضمير لحقوق الإنسان أن استخدام التجويع والتقييد الغذائي المتعمد كسلاح ضد المدنيين والنساء الحوامل بهدف الإضرار بجيل جديد يشكل انتهاكًا صارخًا للاتفاقيات الدولية: 

"إن تعمد منع الغذاء والمساعدات الطبية عن الحوامل والأطفال يندرج ضمن جريمة الحرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ويخالف المادتين 55 و56 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم قوة الاحتلال بتأمين الأغذية والإمدادات الطبية. بل إن هذا السلوك يرتقي إلى جريمة إبادة جماعية وفقاً للمادة 2 من اتفاقية عام 1948، كونه يخضع المجموعة السكانية عمداً لظروف معيشية يُراد بها إهلاكها الفعلي وتدمير قدرتها على التجدد البشري". 

ويتطابق هذا التحليل تمامًا مع ما خلصت إليه الهيئات والتقارير الأممية الدولية؛ حيث أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة تقريرًا شاملاً أكدت فيه رسمياً إدانة السلطات الإسرائيلية بارتكاب أربعة أفعال من أصل خمسة تنص عليها المادة 2 من اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948. 

كما شدد مقررون أمميون ومختصون في القانون الجنائي الدولي (بمن فيهم المقررة الخاصة فرانسيسكا ألبانيز في إفاداتها المحدثة) على أن فرض ظروف التجويع والحصار الشامل وتدمير مستشفيات الولادة وحضانات الأطفال يمثل تطبيقاً صريحاً وفقيراً للفقرتين (ج) و(د) من المادة الثانية للاتفاقية والمتمثلة في فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب والإهلاك الفعلي داخل الجماعة، مطالبين بضرورة إدراج هذه البنود والأدلة الرقمية الموثقة ضمن مذكرات الاعتقال والمحاسبة الجنائية الدولية الصادرة بحق القادة والمسؤولين عن تلك السياسات.

تخلص الورقة الحقوقية إلى أنّ إنقاذ أطفال غزة وأمهاتها يتطلب ما هو أبعد من مجرد الاستجابة الإغاثية التقليدية المحدودة؛ إن الأمر يستدعي ضغطًا دوليًا فوريًا لرفع الحصار، وفتح المعابر بلا قيود، وإعادة تأهيل أقسام الولادة والحضانات المدمرة، وتوفير المكملات الغذائية العلاجية بشكل مستدام.

ولكن حتى يتحقق ذلك التحرك الدولي، تظل الأرحام في غزة تدفع الثمن الأقسى حربًا وتجويعًا، وتظل أمهات غزل يبكين أطفالاً يولدون بوزن الريشة ويموتون في مهد النزوح.