في صباحاتها البعيدة، قبل أن تلتهم الحرب كل شيء، كانت السيدة أنعام عبد العزيز (52 عاماً) تفتح نافذة مطبخها الصغير لتستقبل اليوم بصوت القرآن، ثم تعبر بيدها المعتادة على مؤشر الراديو التقليدي لتستقر قليلاً عند فيروز، قبل أن تشرع في تحريك القرص مجدداً لتتنقل بين البرامج الصباحية للإذاعات المحلية. كان ذلك طقسها اليومي خصوصا خلال تحضير وجبة الإفطار.

قبل السابع من أكتوبر 2023، كان قطاع غزة يموج بحركة إذاعية نشطة، إذ ضم حوالي 23 إذاعة محلية تنوعت بين محطات حزبية، وأخرى خاصة تسعى لتقديم برامج متنوعة للمستمعين . 

كانت تلك الإذاعات تشكل شريان حياة يومي للغزيين، تقدم لهم الأخبار العاجلة، وتفتح لهم نوافذ على الموسيقى والبرامج الحوارية، وتنقل هموم المواطن العادي. لكن الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023، وحملت معها دماراً هائلاً، طالت هذه المحطات أيضاً. 

القصف الإسرائيلي دمّر مقارّ الإذاعات تباعاً، حتى أسكتت جميعها، ليتوقف البث المحلي تماماً لمدة عامين، مخلفاً فراغاً كبيراً في حياة الناس الذين اعتادوا على رفقة الراديو اليومية.

اليوم، لم يعد المطبخ وجود. ولم تعد غزة التي تعرفها أنعام موجودة. هي الآن تجلس عند مدخل خيمة مقامة على أطراف الرمال غرب مدينة غزة، تخيم على ملامحها معالم النزوح والفقدان، وإلى جوارها أحد أبنائها وزوجته وأطفاله الخمسة. 

الحرب التي اندلعت قبل أكثر من عام غيّرت كل شيء، قطعت الكهرباء، دمرت البنى التحتية، شتت العائلات، وأسكتت معظم الإذاعات المحلية لعامين كاملين.

لكن شغف أنعام بالراديو لم يمت. تقول: "الحياة لم تعد كما كانت، لكن الحنين إلى ذلك الصوت الذي كان يملأ البيت لا يزال حياً".

في خيمة قريبة، يقف الحاج عمر عودة (67 عاماً) الذي فقد منزله وعائلته جزءاً من أفرادها، يقول: "نحن في أمس الحاجة إلى إذاعة تنقل همومنا ومشاكلنا بعيداً عن حالة الاستقطاب السياسي. قبل الحرب، كنا نسمع أصواتاً كثيرة، بعضها كان حزبياً وبعضها تجارياً، اليوم، كل ما نريده هو من يسمع الصوت ويأتمن عليه، وينقله بشفافية إلى العالم".

قبل أيام، سمعت أنعام والحاج عمر بخبر انطلاقة جديدة: "هنا غزة"، إذاعة تعود للبث من القطاع رغم الدمار الذي طال البنية التحتية وحد من سبل التشغيل. تقول أنعام إن أملاً صغيراً بدأ يتسلل إلى قلبها، لكنه سرعان ما اصطدم بالواقع المرير. فلكي تستمع إلى الراديو، تحتاج إما إلى كهرباء تشغل الجهاز، أو إنترنت. وفي غزة اليوم، حيث البنى التحتية مدمرة والخدمات مفقودة، كلا الخيارين أشبه بالمستحيل.

ورغم ذلك، تضيف بابتسامة خفيفة تخفي وراءها صلابة امرأة اعتادت النكبات: "سأحرص كلما سنحت الفرصة على الاستماع إليها، حتى لو لم أستمع إليها الآن، يكفيني أن أعرف أن هناك صوتاً ما زال يخرج من غزة، يروي حكايتنا. سأجد طريقة لأسمعها، ولو مرة".

"هنا غزة".. ننتصرُ للحياة

من مكانٍ حوصِر فيه الصوت قبل الجسد، وقيسَت الحقيقة بقدرتها على النجاة، ولدت "هنا غزة". إذاعةٌ وتلفزيون ينحازان للإنسان الفلسطيني وهو يفاوضُ الحياة يوميًا على حقه في البقاء، وعلى حقه في أن تُروى حكايته كما هي.. بلا اقتطاعٍ ولا تزييف. 

المبادرة، التي أطلقتها جمعية "فلسطينيات" بالشراكة مع مركز الإعلام التابع لجامعة النجاح الوطنية، وبدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع "ENGAGE"، ليست مجرد محطة إعلامية جديدة، بل هي كما يصفها القائمون عليها: "مساحةٌ للإصغاء، وفعلُ حضورٍ في وجه المحو، وذاكرة تصاغُ على الهواء".

تقول وفاء عبد الرحمن، مديرة جمعية فلسطينيات: "هنا غزة ليست وسيلة إعلام إضافية، بل مساحة آمنة مجتمعية للإنسان في غزة، ليسأل في ظل غياب الإجابات. هي استمرار للمساحات الآمنة التي وفرتها فلسطينيات للصحفيات تحديداً خلال الإبادة، ومستمرة في تقديمها".

أما غازي مرتجى، مدير مركز الإعلام في جامعة النجاح، فيرى أن "هنا غزة هي صوت المواطن الغزي الذي صمد انتصاراً للحياة، وليس أي حياة، بل حياة عز وكرامة".

المحطة، التي بدأت بثها التجريبي مطلع شباط/فبراير 2026، وانطلقت رسمياً الأربعاء 11 شباط/فبراير على موجة 102 FM، تبث من استوديوهات مركز الإعلام في نابلس، واستوديوهات فلسطينيات في غزة ودير البلح. و80% من طاقمها من الصحفيات الشابات ذوات الخبرة الواسعة، ما يتيح تقديم الرواية برؤية نسوية شبابية تستهدف جميع القطاعات دون تمييز.

إلى جانب التغطية الإخبارية، تقدم "هنا غزة" برامج توعوية وإرشادية تعالج الأزمات الصحية والبيئية والنفسية، وقضايا المرأة والطفل والشباب، إضافة إلى معلومات تفصيلية حول الخدمات المتوفرة في القطاع: الصحة، التعليم، الغذاء، المياه، المعابر، المحاكم، البلديات، المؤسسات، وأسعار المنتجات. كل ذلك ينطلق من الاستماع إلى أصوات أهل القطاع، ويستند إلى دعم مهني متخصص.

وتستند السياسة التحريرية للمحطة إلى مبادئ الحرية والاستقلالية والمصداقية، وإلى التزام عميق بالمعايير الأخلاقية والقانونية، بما يضمن تقديم محتوى يخدم الإنسان الفلسطيني وقضيته، ويعكس تنوع المجتمع وقدرته على الصمود.

يمكن متابعة البث المباشر عبر الموقع الإلكتروني: www.honagazza.live، حيث تتاح أيضاً السياسة التحريرية ومدونة السلوك كأداتين للمساءلة المجتمعية، تأكيداً على أن "هنا غزة" وُجدت منذ البداية، وستبقى، لخدمة المجتمع وتقديم معلومات موثوقة.