أعترف الآن: أنا جثة تمشي بين أزقة الوقت، تتلصص على حديث الحياة، وتراقب الوجوه التي أودعتها يومًا.
أبي ما زال يتحسس أثر البيت على يديه، يعد العمر ويحصي الخسارات.
يبكي.
ولا أعرف سبب بكائه، بينما أنام في الفراش المقابل لسريره، أرقبه بصمت الجثث التي لا تملك سوى النظر.
تسللت خفية إلى بيت حبيب. يجمع بتلات الورد عن ثيابه، يحصي كم مرة انتظر أن يهديني إياها، وكم مرة هبت العاصفة وأكلت حدائق المدينة.
كلما جمع ثلاثًا، هبت ريح، وجلس يبكي قوة الريح. وضعت القلق ببابه وهربت بعدها إلى جسدي، العالق في آخر قضمة تفاح بين فمي والعدم. أرمم فيه أثر لذة قديمة، أرجوه ألا يتنازل عن ذاكرته، وألا يعتاد الخسارات.
تجاهلت طعم الندم، وصنعت للرغبة مقاعد كثيرة فارغة.
فانتفض الندم وسار نحوها كضحية تنتقم.
هربت.
هربت من صراع قد يحدث بيني وبين ما تبقى مني.
تسللت إلى رأس المدينة أبحث عن رائحة الفانيلا.
الفانيلا!
ابنة الصباح المدللة، تحكي تفاصيل الرغبة. تجلس مزهوة على كرسي مكسور، كسيدة قصر تراقب لهاثي نحوها.
اقتربت؛ فلم تطمئن.
قرأت الفانيلا على جسدي أثر الموت، فتجاهلتني وهربت حيث لا أعرف.
إنها تخشى مثلي أثر الموت، ذلك الأثر المتمكن من الجسد والذاكرة معًا.
توقفت عن النداء.
فكلما ناديت، التهمني الغياب أكثر.
عدت وحدي كجثة تبحث عن أثر غيابها في الذاكرة.