غزة ليست مجرد اسم على خارطة، بل وجع يمشي على تراب مثقل بالحزن. من شمالها حتى جنوبها، قصة لا تنتهي من الألم والصمود؛ مدينة تحاصرها النار من كل الجهات، لكنها لا تزال تنبض بالحياة.
منذ إعلان الهدنة، لم يهدأ شيء. لا تزال أصوات القصف تتسلل إلى ليالينا، كأنّ الهدنة لا تشملنا. هناك اختراقات يومية واستهدافات متكررة تصيب المدنيين الآمنين وتزرع الخوف في قلوبهم. الناس هنا اعتادوا أن يناموا على قلق ويستيقظوا على فقد. أما النازحون، أولئك الذين تركوا بيوتهم تحت التهديد والدمار، فيسكنون الآن خيامًا لا تقي من البرد ولا تصمد أمام المطر.
في كل منخفض جوي، يصبح البرد خصمًا إضافيًا، والماء عدوًا جديدًا، والخيمة سلاحًا مكسورًا لا يحمي. أطفال ينامون على أرض مبللة، وأمهات يقضين الليل في محاولة تدفئة صغارهنّ بكلمات من دعاء وبقايا أمل.
أما الوضع المادي فلا يُحتمل؛ فقد فقدت معظم العائلات مصدر رزقها، وقلّ ما تجد ما يسدّ رمقها. صار طعامهم يعتمد على ما يصل من مساعدات لا تكفي ولا تأتي في وقتها، والشراب في بعض المناطق بات معاناة يومية. حتى الماء النظيف أصبح حلمًا في بعض الأحياء. أما التعليم، فحدث ولا حرج؛ آلاف الأطفال لم يعودوا إلى مدارسهم، لا كتب، لا دفاتر، لا مقاعد، وحتى أحلامهم صاروا يؤجلونها.
كيف يحلم طفل وهو لا يعرف إن كان سيعيش غدًا؟ كيف يكتب واجبه المدرسي تحت خيمة تُسرّب المطر؟ أما القطاع الصحي... فيئن تحت الضغط؛ المستشفيات تعمل بطاقات شبه معدومة، ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وانقطاع متواصل للتيار الكهربائي يعقّد الحالات الحرجة.
الطواقم الطبية تبذل جهودًا مضاعفة، لكن الظروف القاسية تُعيق حتى أبسط الإجراءات العلاجية، في ظل حصار خانق يحد من دخول المعدات اللازمة. رغم كل ذلك، غزة لا تنكسر. شعبها يكتب من دمه حياة، ومن وجعه صمودًا، ومن كل خيبة بداية جديدة. وكل طفل نازح... حلم مؤجل ينتظر عدالة السماء. نحن هنا لا نعيش فقط، نحن نحارب كي نبقى.