على كيس رملي ثقيل ملأه زوجها بيديه ليضعه عند أطراف الخيمة قبل حلول الشتاء، تجلس آية أبو ستة وتتأمل صف الأكياس المتجاورة، ثم تسأل نفسها: "هل ستحمي خيمتنا من تسرب الأمطار نحوها ومن الرياح المجنونة في ليالي كانون؟" وتتمنى لو تبدّل خيمتها بأخرى، فقماشها المتعب تتناثر فيه الرقع فوق الثقوب، وقد سرقت الشمس لونه حتى بهت، غير أن أسعار الخيام والشوادر تفوق قدرة زوجها المالية، الذي بالكاد يؤمّن ثمن طعام أسرته وشرابها.

في اليوم الثالث من الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023، فقدت آية منزلها، فبدأت رحلة نزوح انتقلت خلالها بين المناطق ثماني مرات، ولا تزال تتنقل حتى اليوم. ومنذ ذلك الحين تعيش ما تصفه بـ "عذاب" الشتاء داخل الخيام؛ فالفصل الذي طالما تغنّت بجماله صار خصمًا تخشى تقلباته، وصارت نشرات الطقس وأوقات المطر شغلها اليومي الذي تتابعه بدقة.

تتدفق كلماتها وهي تجلس عند باب خيمتها في الزوايدة وسط قطاع غزة، بينما تهتز قدماها بعنف: "نعيش في أرض خاصة بالإيجار ولم نتلق منذ فترة طويلة خيمة أو حتى شوادر، ولا أغطية شتوية، نحن نتحمل تكلفة كل شيء، نضطر للاستدانة لنجلب شادر لنضعه فوق الخيمة حتى لا نغرق في الشتاء، أوليس من المفترض أن كل ساكن في خيمة يمنح خيمة وشوادر وأغطية للشتاء، أين المؤسسات؟".

شتاء بلا مأوى

أبو ستة واحدة من نحو 867 ألفًا يسكنون خيامًا أنهكها البلى، وذلك وفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي الذي صدر عنه: "من بين الأسر النازحة يقيم مليون و27 ألفًا و396 فردًا داخل مراكز إيواء، بينما يقيم نحو مليون و122 ألفًا و566 آخرون خارجها، فيما يعيش 867 ألفًا و288 فردًا في خيام بدائية مهترئة وبالية تمامًا، تتطلب استبدالًا فوريًا، إذ لم تعد صالحة للحياة الآدمية".

وفيما يتهيأ النازحون في غزة لشتائهم الرابع، تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من نصف الخيام يحتاج إلى استبدال فوري، وأن هناك عائلات تحتمي بجدران مبانٍ آيلة للسقوط لغياب مستلزمات الإيواء، وتحذّر من ظاهرة "إل نينيو" المناخية التي قد تزيد غزارة الأمطار في غزة.

وتقيس المنظمة الفجوة بين الحاجة والمتاح: "إن إمدادات الإيواء المتاحة لن تلبي سوى 17% من احتياجات فصل الشتاء، ويوجد 8600 مجموعة من مستلزمات الإيواء الطارئ التابعة للمنظمة جاهزة للتسليم، ولكن الاحتلال الإسرائيلي يواصل رفض إدخالها عبر المعابر".

وتكشف أرقام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادرة بمناسبة اليوم العالمي للإسكان حجم ما فقده القطاع من جدران وأسقف: نحو 201,290 مبنى تعرضت للضرر جراء النزاع، أي ما يعادل 82% من إجمالي المباني، وذلك حتى 16 يونيو 2026 بحسب تقييم الأقمار الصناعية التابع للأمم المتحدة.

وتتضح الصورة أكثر في تفاصيل الأرقام: "من بين المباني المتضررة في قطاع غزة إبان الحرب الإسرائيلية نحو 134,422 مبنى دُمّر بشكل كامل، فيما تعرض 13,848 مبنى لأضرار بالغة، في حين بلغ إجمالي عدد الوحدات السكنية المتضررة نحو 328,627 وحدة".

أما أسماء سعيد، وهي سيدة منفصلة تعيش في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، فلا خيمة خاصة تؤويها، إذ تقيم مع شقيقها، وفي حديثها عن حق تراه مؤجلًا: "من المفترض أنني تبعًا لظرفي وأنني منفصلة يحق لي الحصول على خيمة ومستلزمات للإيواء، لكنني لا أحصل على شيء، لماذا لا أعرف، صرنا نتمنى أم نحصل على خيمة إلى أين وصلت بنا الأحلام؟"

وتعلو نبرة صوتها بسؤالها: "أين حقي في الخيمة، أنا الآن على الأقل بحاجة ماسة لاستلام شوادر ما لدي تهالك، يجب أن تنظر لنا المؤسسات الإغاثية كمنفصلات، من حقي أن أستلم أغطية شتوية ومنظفات، ومستلزمات عاجلة لفصل الشتاء".

في المقابل، تتذكر أم العبد سلامه الخيمة الوحيدة التي تسلمتها خلال الحرب، وقد ظلت منصوبة في الشجاعية شرقي المدينة حيث بيتها المدمر دون أن تسكنها. واليوم تعيل ستة أفراد وتقضي أيامها يومًا بيوم تحت قماش متهالك لا يصح، على حد وصفها، أن يُسمى خيمة.

وبإشارة إلى ثقب كبير في وسط الخيمة، يتجسد ما تحكيه: "فعليًا أكره الشتاء بسبب حياة الخيام، كل شتاء نفس المعاناة دون أن يتدخل أحد لإنقاذنا، نغرق ثم في اليوم التالي نحاول أن نعيش وكل يوم على هذا الحال، أنا اليوم احتاج خيمة جديدة لا أغرق في الأمطار فيها".

ولا تختلف حكاية ياسر عدوان كثيرًا عمّا سبقها؛ نزح من مدينة رفح إلى مواصي خانيونس جنوب القطاع، ومنذ ذلك اليوم يقيم وأسرته في خيمة يغمرها الماء كل شتاء. وما إن بدأ الحديث معه حتى قال: "الصيف أرحم مليون مرة من الشتاء". ومع كل منخفض جوي يضيق صدره ولا يجد مهربًا من الخيمة.

ثم تتوالى فواتير ترميم الخيمة على لسانه: "نحن ندفع مبالغ خيالية على تصليح الخيمة كل فترة، من شراء أخشاب، وأكياس رملية، وتصليح الحمام الذي يتعطل كل فترة، ندفع مبالغ لم نتخيل أن ندفعها في حياتنا على شيء كهذا عدا عن مصاريف الطعام".

مساعدات معلّقة

وبينما ينتظر الغزيون ما يصفونه بـ "العذاب"، تتعالى أسئلتهم عن دور الجهات الرسمية في مساندتهم قبل الشتاء وتجديد خيامهم المتهالكة. وللبحث عن إجابات، توجهت مراسلة آخر قصة إلى اللجنة المصرية، ممثلة بالمتحدث باسمها محمد منصور، لسؤاله عن خطط توزيع المساعدات الشتوية على النازحين، غير أن أسئلتنا بقيت دون إجابة حتى كتابة هذا التقرير.

تواصلت مراسلة "آخر قصة" مع الناطق الرسمي باسم لجنة إسناد عملية الفارس الشهم 3 الإماراتية، عزام شعث، فجاء رده: "إن عملية الفارس الشهم 3 تجهز لحزمة من الخدمات والمساعدات العاجلة والطارئة في قدوم فصل الشتاء، تشمل الخيام والشوادر ومستلزمات الإيواء والأغطية وكسوة الشتاء، وبنفس مستوى استعدادنا خلال فصول الشتاء الثلاثة الماضية".

وعند سؤاله عن أرقام المسجلين لديهم وأعداد المستفيدين وإحصاءات التوزيع القادم في فصل الشتاء، جاء الرد خاليًا من أي عدد، قديم أو جديد: "المساعدات التي تخص فصل الشتاء لم يبدأ توزيعها بعد، لكننا في مساعدات الخيام والشوادر كما غيرها من المساعدات، نوزع على مدار أيام السنة".

وفي السياق ذاته، توجهنا إلى وزارة التنمية الاجتماعية، فجاء الرد على لسان المتحدثة باسمها رجاء العابد: "إن إدارة ومتابعة شؤون المخيمات تندرج ضمن اختصاص وزارة الدولة لشؤون الإغاثة، بينما تركز وزارة التنمية الاجتماعية على احتياجات الأسر والأفراد والمناشدات الواردة إليها، بما يجعل الاستجابة لاحتياجات الإيواء جهدًا تكامليًا بين الجهات الحكومية والشركاء".

ثم تتكشف فجوة في الأرقام نفسها؛ فالوزارة لا تملك حاليًا حصرًا شاملًا ومحدثًا بدقة لاحتياجات الإيواء في قطاع غزة كله، إذ يصعب إجراء مسح ميداني شامل ومستمر لجميع المناطق ومواقع النزوح، بحسب العابد.

في المقابل، تتشكل مبدئيًا قائمة بالاحتياجات الأساسية والملحة للإيواء، ترصدها وتحددها الوزارة بالتنسيق والشراكة مع وزارة الدولة لشؤون الإغاثة، وتشمل بشكل أساسي: 200 ألف خيمة، و200 ألف شادر، و200 ألف كشّاف، ومستلزمات الإيواء الأساسية، مع مراعاة التغير المستمر في أعداد الأسر النازحة واحتياجاتها وظروف مواقع الإيواء، كما أفادت العابد.

وعن مصير الشكاوى والمناشدات بشأن عدم وصول المساعدات الخاصة بالشتاء، جاء في ردها: "تقوم الوزارة بدراستها والتحقق من المعلومات الواردة فيها، وعند الحاجة يتم التحقق ميدانيًا من بعض حالات الأسر لتحديد درجة احتياجها، واتخاذ ما يمكن من إجراءات أو إحالتها إلى الجهات الشريكة ذات العلاقة، وفق الإمكانيات المتاحة".

ورغم هذه الإجراءات، لا تزال آلاف العائلات تشكو من غياب العدالة في توزيع المساعدات الإغاثية؛ فهي لا تتلقى مساعدات الشتاء ولا غيرها، بينما تصل المساعدات بسهولة إلى آخرين بالواسطة، وهو ما أشارت إليه أسماء سعيد في إفادتها.

في مواجهة هذه الشكاوى، تلوح في أفق الوزارة آلية أو برنامج موحد لتوثيق عمليات الصرف والتوزيع للمستفيدين، سيجري تطويره تحت إشرافها وتنسيقها، بما يسهّل متابعة التدخلات ويحدّ من ازدواجية الاستفادة قدر الإمكان، وفق العابد، مع مراعاة اختلاف قواعد البيانات وآليات العمل لدى المؤسسات الشريكة.

أما الخطط المشتركة مع المؤسسات الشريكة، كاليونيسف مثلًا، فتغيب عنها الجداول الزمنية؛ إذ لا توجد حاليًا خطة طوارئ مشتركة بجدول زمني محدد بين الوزارة واليونيسف أو معظم المنظمات الدولية بشأن الاستجابة الشتوية واحتياجات الإيواء، بحسب العابد. ويقتصر إطار التعاون القائم بين الوزارة واليونيسف بصورة أساسية على ملف حماية الطفولة وحماية المرأة، إضافة إلى المساعدات النقدية المرتبطة بهذين الملفين.

وبين التصريحات الرسمية والخطط التي لم تُنفذ بعد، ومستلزمات إيواء عالقة خارج غزة تنتظر دورها في التوزيع، يبقى المواطن ضحية الانتظار؛ فأمطار الشتاء لن ترحمه، والرياح العاتية تطاله، وهو ينتظر دورًا قد لا يأتي أصلًا ليتسلم خيمة أو شادرًا لعلهما يقيانه وقع الرياح وتسرب المطر.

مسؤولية ومساءلة

من زاوية قانونية، يُعد توفير المساعدات الشتوية، من خيام وأغطية وملابس وغيرها، جزءًا أصيلًا من حماية حقوق المواطنين المتضررين والنازحين في قطاع غزة، بحسب المحامي حماد ضهير، وقد نصت المادة (23) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 على أن "المسكن الملائم حق لكل مواطن، وتسعى السلطة الوطنية لتأمين المسكن لمن لا مأوى له".

وعلى الصعيد الدولي، تكفل المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق في مستوى معيشي كاف يشمل المأوى والكساء، بحسب ضهير، فيما تفرض قواعد القانون الدولي الإنساني، ومنها المادتان (55) و(59) من اتفاقية جنيف الرابعة في نطاق انطباقهما، التزامات تتعلق بالإمدادات الأساسية وتيسير الإغاثة للسكان المحتاجين.

ويحضر في الخلفية قرار مجلس الأمن رقم 2720 لسنة 2023، الذي أكد ضرورة السماح بإيصال المساعدات الإنسانية وتيسير ذلك وتأمينه بصورة فورية وآمنة ودون عوائق، بحسب ضهير.

وفي ميزان المسؤولية، تقع على المؤسسات الرسمية والجهات الإنسانية المعنية مهمة ضمان وصول المساعدات إلى الأسر الأكثر احتياجًا وفق معايير موضوعية وشفافة، تراعي فقدان المسكن وسوء ظروف الإيواء وحجم الأسرة ووجود الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، كما يرى ضهير. ويقتضي مبدأ عدم التمييز تجنب المحاباة والإقصاء التعسفي، مع توثيق عمليات التوزيع وتنسيق البيانات بين الجهات المختلفة، وتوفير آليات للشكاوى والاعتراض والتحقيق في حالات الفساد أو الاستيلاء على المساعدات أو تحويل المواد المخصصة للتوزيع المجاني عن غرضها الإنساني.

ومن منطلق الشفافية والنزاهة، تبرز الحاجة، بحسب ضهير، إلى خطة شتوية واضحة ومعلنة لقطاع غزة، تتضمن حصر الاحتياجات وتحديد أولويات التوزيع، وتمنح الأولوية للأسر التي لا تملك مأوى آمنًا أو تعيش في خيام لا تصمد أمام المطر والبرد، مع توفير مواد العزل والتثبيت والتصريف المناسبة.

بين حاجة النازحين إلى خيام تصمد أمام المطر، وتقديرات رسمية تكشف حجم العجز في مستلزمات الإيواء الشتوية، ووعود لم تتحول بعد إلى استجابة ملموسة، تبقى الأسئلة معلقة: من المسؤول عن ضمان وصول المساعدات الشتوية إلى مستحقيها قبل اشتداد الأمطار والرياح؟ وأين الخطط الزمنية الواضحة التي تحدد حجم التدخلات ومواعيد التنفيذ؟ وكيف يمكن ضمان عدالة التوزيع في ظل غياب حصر شامل ومحدث للاحتياجات؟ وبينما تتقاذف الجهات المعنية مسؤوليات الاستجابة، لا يملك النازحون ترف الانتظار حتى تتضح الأدوار أو تكتمل الخطط. فالأمطار آتية والرياح لا تنتظر أحدًا.