سقطت قذيفة مدفعية على منزل لعائلة البردويل في مخيم الشاطئ، فتهاوى جزء من السقف وامتلأ المكان بالغبار .ومن تحت ذلك الغبار، انتشل أحمد ابنه يامن، وفق روايته .كان الصبي قبل الحرب متفوقًا في دراسته، محبًا للنقاش والحديث، لكن والده يقول إن تغيّرات في سلوكه وقدرته على الكلام بدأت تظهر عليه منذ ذلك اليوم.
بدأ يامن، البالغ 12 عامًا، يتعثر في النطق، ويستيقظ ليلًا مفزوعًا، وتنتابه نوبات بكاء ويعاني التبول اللاإرادي، بحسب الأب. وأمام هذه التغيرات اصطحبه إلى مركز للدعم النفسي تابع لإحدى المؤسسات التي تقدم الرعاية النفسية للأطفال.
أخبر الأخصائي الذي تابع الحالة الأب بأنّ الأعراض تتوافق مع اضطراب ما بعد الصدمة، ووضع خطة علاجية تتطلب متابعة لمدة ستة أشهر. وفي الجلسات الأولى لاحظ الأب تحسنًا تدريجيًا: صار يامن أهدأ، وتعلّم تقنيات التنفس والتعبير عن مشاعره، وأخذت قدرته على الكلام تتحسن. لكن هذا المسار توقف بعد الجلسة الخامسة، حين اضطرت الأسرة إلى النزوح مجددًا، وهذه المرة إلى خان يونس جنوب القطاع.
بعد نحو شهر ونصف من انقطاع الجلسات، تواصل أحمد البردويل مع المؤسسة للاستفسار عن إمكانية استكمال العلاج، فأُبلغ بانتهاء تمويل المشروع الذي كان يقدم الخدمة، وبعدم وجود آلية لنقل ملف يامن بين مناطق النزوح، وطُلب منه إعادة تسجيل ابنه على قوائم الانتظار والبدء من جديد.
ومنذ ذلك الحين يلاحظ الأب تراجعًا في حالة ابنه: عاد إلى الصمت، وانسحب من التفاعل مع إخوته، وصار يتجنب الحديث بسبب التلعثم. ويربط الأب هذا التراجع بانقطاع الجلسات، فيما حالت التكاليف المرتفعة للعيادات الخاصة في خان يونس دون استكمال العلاج.
تكشف رواية الأب أن استمرار العلاج ارتبط بعمر المشروع الذي يموّله وبمكان إقامة الأسرة، أكثر من ارتباطه بحاجة الطفل نفسه؛ فحين انتهى التمويل وتغيّر المكان، لم يبقَ للملف طريق يتبع صاحبه.

علاج بعيد المنال
أما يارا الكردي، البالغة 15 عامًا، فلم تصل إلى علاج نفسي متخصص أصلًا. قبل النزاع كانت تهتم بمظهرها وتخطط لمستقبلها الدراسي، لكن حالتها تغيرت بعدما شهدت استهداف المنزل المجاور لمكان لجوء الأسرة. وتقول والدتها إنها انغلقت على نفسها، وصارت تمضي فترات طويلة في الصمت، وتنتابها نوبات خوف وارتجاف عند سماع الأصوات المفاجئة، وبدأت ترفض تناول الطعام.
بحثت الأم عن مساعدة في نقاط صحية ومراكز للدعم النفسي والاجتماعي قرب مكان نزوح الأسرة. وجدت في المراكز التي زارتها جلسات رسم وغناء جماعية، وأُبلغت بأن خدماتها تقتصر على الدعم النفسي الأولي لعدم وجود أطباء نفسيين فيها، ونُصحت بالتوجه إلى عيادة متخصصة. غير أنّ تكلفة الجلسة الواحدة في العيادات التي استفسرت منها تراوحت بين 70 و100 شيكل، وهو مبلغ لا تستطيع تحمله في ظل ظروف النزوح. كما واجهت صعوبة في الحصول على بعض الأدوية التي تعتقد أن ابنتها تحتاج إليها، لعدم توفرها في الصيدليات التي راجعتها وارتفاع أسعارها في السوق الموازية.
أما المركز المجاني المتخصص الذي وصلت إليه، فأبلغها العاملون فيه بأن مدة الانتظار تتجاوز أربعة أشهر، وبأن الأولوية تُمنح للحالات الأشد خطورة. وبذلك بقيت الأسرة تبحث عن علاج يناسب ابنتها ولم تبلغه في الوقت الذي كانت ترجوه.

أحمد المدهون لم يقتنع في البداية بجدوى العلاج النفسي لابنه كرم، البالغ 10 أعوام، والقصف مستمر والخوف يحيط بالأسرة. لكن حال الصبي تغيّرت بعد نجاته من قصف أصاب منزل الأسرة وفقدانه شقيقته الصغرى: صار يدخل في نوبات خوف كلما ابتعدت عنه والدته، وفقد شهيته، وكان يستيقظ ليلًا في حالة من الفزع.
خضع كرم لجلسات شملت العلاج المعرفي السلوكي وتقنيات معالجة الصدمة، واستمرت نحو شهرين. ويقول المدهون إن حالة ابنه كرم تحسنت خلال فترة العلاج؛ فقد تراجعت نوبات الخوف التي كانت توقظه ليلًا، وأصبح أقدر على الحديث عن شقيقته التي فقدها. لكن ظروف النزوح عادت لتصعّب عليه مواصلة التعافي.
وتفسّر الأخصائية النفسية بشرى أبو ليلة جانبًا من هذه الصور بأن الأطفال، خصوصًا الأصغر سنًا، يتأثرون بالحالة النفسية لوالديهم ومن يتولون رعايتهم. فبعضهم يصبح أكثر خوفًا وقلقًا ويجد صعوبة في التركيز والاستيعاب، ويظهر الغضب والسلوك العدواني على آخرين، ويميل غيرهم إلى العزلة والانسحاب، وقد يلاحظ الأهل تغيرات في كلام الطفل أو عودته إلى سلوكيات تجاوزها في مراحل سابقة. وتمتد المعاناة، في رأيها، من لحظة القصف إلى تفاصيل اليوم كلها: الطعام والمياه والبحث عن مأوى والإحساس بالأمان.
وتذهب أبو ليلة إلى أن التعامل مع هذه الاحتياجات يتطلب تنسيقًا أكبر بين المؤسسات بدلًا من أن تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى، وتلفت إلى أن التنافس على المشاريع والتمويل قد ينعكس على الخدمات المقدمة للأطفال، إذ تتفاوت قدرة المؤسسات على مواصلة عملها بتفاوت مواردها. وتقترح لمعالجة الفجوات تحديد احتياجات الأطفال والأسر، وتسهيل إحالة الحالات التي تحتاج إلى علاج متخصص إلى الجهات القادرة على متابعتها، وتدريب العاملين في المؤسسات التي تقتصر خدماتها على الدعم الأولي، مع توفير الإشراف والدعم النفسي لهم، ليتمكنوا من مساعدة الأطفال على تجاوز آثار الحرب.

احتياج متسع واستجابة لا تواكبه
وتضيء الأرقام الصورة الأوسع. تشير بيانات تقييم أجرته اليونيسف إلى مؤشرات للضيق النفسي لدى الأطفال في قطاع غزة. ففي التقييم الذي شمل 2,071 أسرة لديها أطفال، وجُمعت بياناته هاتفيًا بين 21 ديسمبر 2025 و15 يناير 2026، قالت 40% من الأسر إنها لاحظت اضطرابات في النوم لدى أطفالها، و32% التبول اللاإرادي، و19% سلوكًا عدوانيًا، و15% انسحابًا اجتماعيًا. ولم يتجاوز عدد مقدمي الرعاية الذين قالوا إنهم يعرفون جهة تقدم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي أو الأنشطة الترفيهية في مناطقهم 13%.
وعلى مستوى الاستجابة، ذكرت اليونيسف في تقريرها عن الفترة من يناير إلى يونيو 2026 أنها قدمت أنشطة مجتمعية لتعزيز الصحة النفسية والرفاه النفسي والاجتماعي إلى 68,170 طفلًا و17,439 من مقدمي الرعاية في قطاع غزة. ومن بين الأطفال الذين وصلتهم هذه الأنشطة، تلقى 4,710 أطفال دعمًا نفسيًا مركّزًا بصورة فردية أو جماعية على أيدي مختصين وغير مختصين مدرّبين، أي نحو 7% منهم وفق حساب آخر قصة.
وفي أحدث ما نُشر، نقلت وسائل إعلام عن المتحدث باسم اليونيسف في إيجاز صحفي بجنيف، بحسب ما نُشر في 19 أكتوبر 2026، أن نحو 800 ألف طفل في قطاع غزة ما زالوا نازحين، ويعيش معظمهم في خيام أو مبانٍ متضررة، وأن نحو 60 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما. وقال المتحدث إن جميع الأطفال النازحين تقريبًا يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم النفسي والاجتماعي.
وفي منشور لبرنامج غزة للصحة النفسية بتاريخ 27 سبتمبر 2026، لُخّصت تصريحات مديره العام، الدكتور ياسر أبو جامع، خلال فعاليات ولقاءات أكاديمية ومقالات نُشرت في أيرلندا، حذّر فيها من التداعيات النفسية والاجتماعية بعيدة المدى للحرب والنزوح والفقد على أطفال غزة. وأكد أن الاستجابة ينبغي أن تتجاوز التدخلات المؤقتة إلى خدمات متكاملة وطويلة الأمد، تبدأ من الدعم النفسي الاجتماعي المجتمعي وتمتد إلى خدمات الصحة النفسية المتخصصة للأطفال والأسر الأكثر احتياجًا، مع تعزيز الإحالة والتنسيق بين مستويات الخدمات وربطها بقطاعات الصحة والحماية والتعليم.

أرقام غائبة وأسئلة بلا إجابة
وسبق للبرنامج أن نشر أنه قدّم خدمات دعم نفسي لأكثر من 40 ألف طفل في عام 2024. غير أن بياناته المتاحة تخلو من حصيلة موحدة وحديثة لعدد الأطفال الذين تلقوا خدماته خلال عام 2026، ومن توضيح لقدرته الاستيعابية الحالية، وهو ما يحول دون تقدير مدى تناسب الخدمات المقدمة مع حجم الاحتياجات النفسية للأطفال في القطاع.
وللوقوف على موقف وزارة الصحة من الخدمات النفسية المقدمة للأطفال، والكوادر المتخصصة، والقدرة الاستيعابية، وآليات متابعة الحالات، توجهنا بسؤال إلى مدير الصحة النفسية في الوزارة، الدكتور عبد الله الجمل، بتاريخ 11 أكتوبر 2026، ولم نتلقَّ ردًا حتى موعد نشر التقرير.
وبذلك يتحول غياب الرقم الرسمي إلى واقع تعيشه الأسر: يُطلب من والد يامن إعادة تسجيله من جديد، وتواجه أسرة يارا انتظارًا يتجاوز أربعة أشهر، ولا تتوافر بيانات معلنة تبيّن كم طفلًا يقف معهما في الطابور نفسه.
لكن السؤال الأهم أمام المؤسسات المعنية: كم طفلًا ما زال ينتظر العلاج، وماذا تفعل هذه المؤسسات لتصل إليه الخدمة وتستمر؟ فالإعلان عن تقديم الدعم لا يكفي ما لم تكن هناك متابعة واضحة وخطوات فعلية لسد الفجوة بين الاحتياج والاستجابة.