"إذا كانوا سيعيدون البناء خلال عشر سنوات… فماذا سنفعل نحن خلال هذه السنوات؟" يتساءل المواطن إياد آغا من خانيونس جنوب قطاع غزة، وهو يقف أمام ركام بيته الذي كان يومًا ملاذًا لعائلته.
أما مراد عوض الذي خسر بيته وأرضه في حي الشجاعية خلف الخط الأصفر شرق مدينة غزة، يقول: "إلى متى سنعيش كلاجئين داخل مدينتنا؟، وهل سنخسر كل أملاكنا إلى الأبد؟".
ومن شمال القطاع، يروي الصياد محمد الهسي قصته بنفس الألم، لكن بصوت مختلف: "البحر الذي كان مصدر رزقي الآن صار مقبرة… اليوم نعيش في الخيام بلا كهرباء، ولا ماء، ولا عمل. إعادة الإعمار بالنسبة لنا ليست بناء بيوت فقط، بل استعادة حياة كاملة".
بينما يقول نافذ رجب وهو عامل بناء سابق نازح من مدينة غزة في المحافظة الوسطى إن الظروف الحالية تجعل المستقبل مجرد حلم: "كنت أعمل في مشاريع صغيرة قبل الحرب، اليوم لا يوجد مكان للعمل، ولا مواد بناء، ولا حتى تصريح دخول معدات. إذا كانت الخطة تحتاج عشر سنوات، فكيف سأطعم أطفالي خلال هذه السنوات؟".

هذه الأصوات تتكرر في كل حي ومخيم، بين نازحين ومهجّرين ومزارعين وصيادين وعمال وموظفين، ممن لم يعد لديهم ما يعلقون عليه أملهم سوى "وعد" قد يكون بعيدًا جدًا. في قلب غزة، حيث يعيش الناس على هامش الركام، يرفضون أن تُكتب مستقبلهم من بعيد، أو أن تُختزل قصتهم في أرقام تمسّح على جدار "الخطة الدولية" إذ يواجهون اليوم معضلة واحدة وهي أنّ إعادة الإعمار ليست مشروعًا هندسيًا فحسب، بل استعادة للكرامة والوجود.
في خضم الحديث عن خطط دولية، برزت "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" كإطار رسمي يعلن أنه يسعى لتحويل المرحلة القادمة نحو “البناء والازدهار”. وفي بيانات اللجنة، تكرر التأكيد على إعادة الخدمات الأساسية، وهي كهرباء، مياه، صحة، تعليم، وبناء اقتصاد منتج.
لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون داخل القطاع هو: هل ستتمكن اللجنة من تحويل هذه الشعارات إلى واقع ملموس؟ خاصة في ظل القيود الإسرائيلية على دخول المواد والمعدات، وغياب آليات فعّالة لإزالة الأنقاض، وغياب التمويل الفعلي الذي يُترجم إلى مشاريع على الأرض.
وفي هذا السياق، قدّرت سلطة المياه الفلسطينية كلفة إعادة إعمار قطاع المياه وحده بنحو 3 مليارات دولار، بينما لا تتجاوز القدرة الإنتاجية الحالية لمصادر المياه 20% مقارنة بما قبل الحرب.
وبالرغم من أن تشكيل اللجنة قد يعطي "أملًا" أو "مؤشرًا" على رغبة دولية في إعادة البناء، إلا أنّ الكثير من أهل غزة يرون أن وجود لجنة لا يكفي وحده، إذا لم يترافق مع آليات واضحة، وقرار دولي بفتح الحدود وإدخال المعدات وقطع الغيار، وإتاحة دخول شركات تعمل بسرعة وفعالية.

في المقابل، تتحدث مصادر إسرائيلية عن مشروع "ضخم وطويل الأمد" لإعادة إعمار قطاع غزة قد يمتد لنحو عشر سنوات، لكن حجم الدمار الهائل في البنية التحتية والخدمات الأساسية، مقابل شح التدخلات الفعلية على الأرض، يثير تساؤلات جدية حول واقعية هذه المدة، ومن يتحكم بمسار الإعمار وأولوياته.
وورد عن إعلام الاحتلال أن إعادة إعمار غزة ستبدأ من مدينتي رفح وخان يونس جنوب القطاع، على أن تتقدم تدريجيًا نحو الشمال، بمشاركة شركات تركية وقطرية وإسرائيلية، وسط تنافس دولي على المناقصات.
وتتزامن هذه الطروحات مع حديث عن خطط أمريكية لضخ تمويل يتجاوز 25 مليار دولار حتى عام 2035، فيما تشير تقديرات أخرى، بينها تقديرات البنك الدولي، إلى أنّ كلفة الإعمار قد تصل إلى 50 مليار دولار، مع تداول معلومات عن قمم ومؤتمرات دولية مرتقبة لتأمين التمويل.
لكن على الأرض، تبدو صورة غزة أكثر تعقيدًا من مجرد جداول زمنية وخطط هندسية. فوفق تقديرات حكومية ودولية، بلغت الخسائر الإجمالية في القطاع نحو 70 مليار دولار، في ظلّ تدمير واسع طال نحو 88% من البنية التحتية، بما يشمل المساكن والمنشآت الحيوية والخدمية.

ويُعد قطاع المياه والصرف الصحي من أكثر القطاعات تضررًا، إذ تشير سلطة المياه الفلسطينية إلى تضرر ما يصل إلى 90% من مرافق المياه بشكل كلي أو جزئي، وتدمير مئات الآبار وآلاف الكيلومترات من الشبكات.
كما تضررت شبكات الطرق بشكل واسع، مع تدمير نحو3 ملايين متر طولي من الشوارع، وتراكم أكثر من55 مليون طن من الركام، في وقت تفتقر فيه البلديات إلى الآليات الثقيلة والمعدات اللازمة لإزالة الأنقاض وبدء أعمال التأهيل.
ويؤكد مهندس عاصم النبيه، المتحدث باسم بلدية غزة، أن التدخلات الحالية "شبه معدومة"، وأن البلديات تعمل بما تبقى من إمكانات محدودة، فيما يُمنع إدخال المعدات ومواد البناء وقطع الغيار الأساسية، ما يعرقل أي محاولة جدية لإعادة الإعمار أو حتى إعادة الحد الأدنى من الخدمات.
في ظل هذا التداخل بين الخطاب الرسمي وإعلام الاحتلال وواقع الناس، ظهرت ورقة بحثية من مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية لتضع "الوقائع المحلية" في مركز القصة.
المرصد الذي أسس مجموعة بحثية من مختصين وباحثين داخل غزة، يهدف إلى إنتاج توصيات محلية تعتمد على خبرة داخل القطاع، وتجنب “التوصيات المغلوطة” التي قد تعزز تعطيل الإعمار، أو تحولها إلى أداة إحباط.
وأولى هذه الأوراق للمهندس عاصم النبيه الذي يعمل مع لجان الطوارئ داخل غزة، وكانت معنونة بـ: "الركام الناتج عن حرب 2023 في قطاع غزة: هل حقاً يحتاج 15 عاماً؟".
وتؤكد الورقة أن تقديرات بعض المنظمات الدولية التي قالت إن إزالة الركام قد تستغرق 15 عامًا، غير منطقية، لأنها تعتمد على طاقة محدودة (100 شاحنة فقط). وبحسب النبيه، إذا تم توظيف شركات محلية وإقليمية ودولية، مع استخدام أيدي عاملة محلية وطاقة 1000–1500 شاحنة، يمكن إنجاز إزالة الركام في عام واحد فقط.
كما تبرز الورقة نقطة مهمة تتمثل في أن إزالة الركام وإعادة البناء لا تسيران على التوالي، بل يمكن أن تجريان بالتوازي، ما يقلل الوقت اللازم لإعادة الحياة.
ويربط النبيه في ورقته البحثية بين نجاح أي خطة لإعادة الإعمار وبين شرطين أساسيين: الأول هو تسهيل دخول المعدات والشركات دون عراقيل إسرائيلية، أما الآخر فهو عدم تحويل إعادة الإعمار إلى "عملية عقاب" عبر الإطالة والتعطيل.

هل يحتاج إعمار غزة عشر سنوات؟
يشير محللون إلى أن الجواب لا يبدو أنه مرتبط فقط بكمية الدمار، بل بإطار السيطرة على العملية. فإذا كانت إعادة الإعمار ستتم وفق شروط إسرائيل، وبأرقام تضع غزة في خانة “مشروع طويل الأمد”، فإن عشر سنوات أو أكثر قد تصبح واقعًا.
أما إذا كان هناك قرار فعلي بتسهيل دخول المعدات، وتفعيل الشركات المحلية، ووضع خطة واضحة تُنفّذ بسرعة، فإن الأرقام الدولية التي تتحدث عن 15 أو 10 سنوات يمكن أن تتحول إلى مجرد “سردية” تُستخدم لتطويل المعاناة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي تضعها ورقة المرصد في قلب القصة وهي أنّ إعادة الإعمار ليست فقط أرقامًا، بل قرار سياسي، وحق إنساني، وصوتًا يجب أن يُسمع من داخل غزة.