أمام مرآة متشققة في خيمة ضيقة بالكاد تتسع لثمانية أشخاص، وقفت آلاء محمد (*) تحدق في انعكاس وجهها، وهي تتساءل في سرها: "هل هذه طفولتي أم حياة لم أخترها بعد؟" مكياج فاقع وضعته شقيقتها يخفي ملامح طفولتها، بينما تعود ذاكرتها إلى ساعات قليلة مضت، حين تم عقد قرانها على شاب يكبرها بثلاثة أعوام، وهي في السابعة عشرة فقط.
تمسح آلاء الكحل الذائب عن جفنيها وتقول: "كنت أحلم أن أكمل دراستي وأدرس التاريخ، وأصبح معلمة، لكن أمي أقنعتني أن زواج الفتاة أهم. لم تكن مواصفات الشاب كما تخيلت، لكني قبلت، فقد رأيت في الزواج فرصة للانتقال من الخيمة إلى بيت مستقل".
أما يارا أيمن (*) البالغة من 16 عامًا، فتشكو من زواجها المرتقب من ابن عمها الثلاثيني، فتقول: "وكأنه في عمر والدي… كيف سأتزوجه؟"، لكنها قبلت الزواج لاحقًا تحت ضغط عائلتها. وتضيف: "كنت أحلم بالسفر والدراسة في الخارج، لكنني قبلت الزواج بعدما رأيت من حولي يتزوجن في سن مماثلة. في عائلتنا، مَن تتجاوز عمرها العشرين دون زواج تعتبر كبيرة وتقل فرصها".
في المقابل، يرى عمر مصطفى (18 عامًا) في الزواج فرصة لإثبات قدرته على تحمل مسؤوليات الأسرة، فهو يعمل على "بسطة" لبيع المواد الغذائية. يقول وهو يستعد لنصب خيمة زواجه في خانيونس جنوب قطاع غزة: "لا أرى مشكلة في الزواج بعمري هذا ما دمت قادرًا ماديًا على ذلك. خطيبتي تبلغ من العمر 16 عامًا، ونتفق على قدرتنا على تحمل المسؤولية".
لكن تجارب الزواج المبكر لا تنتهي دائمًا عند مجرد الزواج. فقد وثقت قصة صحفية مدفوعة بالبيانات خاصة بـ"آخر قصة" حالات طلاق مبكر تؤكد أن الفتيات القاصرات غالبًا ما يواجهن آثارًا مباشرة لهذه الزيجات. من هؤلاء، ملك عامر (*) البالغة 16 عامًا تزوجت بعد نزوح عائلتها من مخيم البريج، وقُدمت لها المساعدات الغذائية كحافز من الرجل.
غير أنّ الزواج لم يدم، ففي اليوم الثالث فقط اختفى زوجها، ولاحقًا اضطرته عائلته لتطليقها. تقول ملك بمرارة: "ما ذنبي أن أتزوّج في ثلاثة أيام وأُطلَّق في نفس الشهر؟!"، مؤكدة أن الزواج المبكر لا يسرق الطفولة والتعليم فقط، بل يضع الفتيات في مواجهة وصمة الطلاق والصعوبات النفسية والاجتماعية المباشرة.

مع اندلاع الحرب، شهد الزواج المبكر ارتفاعًا ملحوظًا، في ظلّ غياب أرقام رسمية دقيقة ترصد العدد الكامل. لم تكن هذه الظاهرة وليدة الحرب، بل كانت موجودة مسبقًا في بعض مناطق غزة، إذ يُنظر إلى تجاوز الفتاة سن الثامنة عشرة دون زواج باعتباره أمرًا غير مقبول اجتماعيًا.
ويشير مختصون اجتماعيون إلى أن الفقر وتداعيات الحرب أسهما في دفع كثير من العائلات لتزويج بناتهم في سن مبكرة، باعتباره وسيلة لتخفيف الأعباء المعيشية وتأمين قدر من الحماية والخصوصية في ظروف النزوح والحرب.
في العام 2024، سُجلت 1781 حالة زواج لفتيات دون سن الرشد في نقطة محكمة الشمال وغزة، من بينها حوالي 234 حالة لفتيات تتراوح أعمارهن بين 14 و16 عامًا. وفي محكمة دير البلح سُجلت 167 حالة لفتيات بين 14 و16 عامًا، و900 حالة لفتيات أقل من 18 عامًا، من مجموع 3124 حالة زواج.
ورغم غياب أرقام رسمية مُحدَّثة لعامي 2025–2026 ترصد حجم الزواج المبكر في غزة، فإن المؤشرات الإنسانية تؤكد استمرار الظاهرة بل وتفاقمها في ظل الحرب؛ إذ تحذر تقارير الأمم المتحدة من ارتفاع مخاطر حماية الأطفال في ظل النزوح والفقر وانعدام الأمان مثل زواج الأطفال كخيار بقاء للأسَر الضعيفة.
ووفق نشرات سابقة صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، فإن نحو ثلاثة من كل عشر نساء في غزة تزوجن قبل سن 18 عامًا، وهو مؤشر عام شائع في الإحصاءات السابقة، يستند إلى بيانات أقدم، ولا يُعد تحديثًا رسميًا لعام 2026، لكنه يعكس عمق الظاهرة وتجذرها اجتماعيًا حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة.

بحثًا وراء الأسباب، تشير ورقة بحثية صادرة عن مركز شؤون المرأة إلى أن بعض العائلات ترى في الزواج المبكر وسيلة لحماية الفتيات، لكنه يحمل آثارًا سلبية طويلة المدى لاسيما حرمان التعليم، اضطرابات نفسية، اكتئاب، قلق، اضطرابات النوم، شعور بالخوف المستمر، عزلة اجتماعية، وتعرضهن لمخاطر الحمل المبكر والعنف الأسري.
في التفاصيل، تقول المختصة النفسية ولاء حجازي: "الفتيات المتزوجات مبكرًا أكثر عرضة للاكتئاب، القلق المزمن، اضطرابات النوم، الشعور بالخوف الدائم، وفقدان السيطرة على حياتهن، إضافة إلى العزلة وتدني تقدير الذات".
وتخلق هذه الممارسة، وفقًا لحجازي، جيلًا غير مؤهل لتربية أطفال يتمتعون بصحة نفسية سليمة، فضلًا عن ارتفاع معدلات العنف الأسري، وغياب الوعي الكافي لزواج ناجح.

الصورة: © صندوق الأمم المتحدة للسكان
قانونيًا، تقول الناشطة الحقوقية ماجدة شحادة إن القانون الفلسطيني لا يمنع الزواج المبكر بشكل صارم، إذ يسمح قانون الأحوال الشخصية لعام 1954 بزواج الفتاة من سن 14 سنة و7 أشهر، مع إمكانية منح القاضي استثناءات لمن تقل أعمارهن عن ذلك، وهو ما يتعارض مع قانون الطفل الفلسطيني لعام 2004 الذي يهدف إلى حماية حقوق الأطفال ويحدد سن الرشد بعمر 18 عامًا.
وتوضح شحادة أن هذه التباينات القانونية تُشكل ثغرة كبيرة، استُغلت خلال فترة الحرب، حيث شهدت بعض المناطق تجاوزات نتيجة النزوح وغياب الرقابة، ما أدى إلى إبرام عقود زواج عبر المخاتير دون توثيق رسمي أو متابعة قضائية دقيقة.
وحتى بعد إعادة تفعيل القضاء الشرعي والقانوني، تشير شحادة إلى أنّ آليات التدخل تظلّ محدودة، إذ غالبًا ما تقتصر على التوعية أو التوجيه، بينما تبقى الحاجة قائمة إلى آليات فعّالة لحماية الفتيات، تشمل متابعة قضائية صارمة، توثيق كل حالات الزواج، وتفعيل العقوبات على أي تجاوزات، إلى جانب برامج دعم نفسي وتعليمي للفتيات المتزوجات مبكرًا.

وكانت قد توصلت قصة بيانات أنتجتها "آخر قصة" في يونيو 2025 إلى أن ظاهرة الزواج المبكر تتوسع في غزة، إذ سُجِلت مئات حالات الزواج لفتيات دون 18 عامًا، خاصة في مناطق النزوح والخيام. ويؤكد المختصون أن حل هذه الظاهرة يتطلب تدخلات شاملة تشمل تعديل القوانين، دعم الفتيات نفسيًا وتعليميًا، وتعزيز الأمان الاقتصادي والاجتماعي.
وتشير الدراسات إلى أنّ الزواج المبكر في غزة ليس مجرد قرار شخصي، بل انعكاس مباشر للفقر، النزوح، وانعدام الأمان، إلى جانب الثغرات القانونية والضغوط الاجتماعية. الفتيات القاصرات يتحملن تبعات أدوار تفوق أعمارهن، محرومات من التعليم، معرضات للمخاطر الصحية والنفسية، ومجبرات على التكيف مع حياة لم يخترنها.
الزواج المبكر في غزة: ماذا سيُنتج بعد 10 سنوات؟
إذا استمرت العوامل الحالية دون تدخل فعّال، بما فيها الفقر، الهشاشة الاقتصادية، الثغرات القانونية، وضعف الحماية الاجتماعية، تشير المختصة حجازي إلى أنّه من المرجّح أن يتحول الزواج المبكر من ظاهرة طارئة مرتبطة بالحرب إلى نمط اجتماعي أكثر رسوخًا. خلال عقدٍ واحد، قد ينعكس ذلك في ارتفاع معدلات التسرب المدرسي بين الفتيات، واتساع فجوة التعليم والعمل، وتزايد نسب الطلاق المبكر والعنف الأسري، إضافة إلى أعباء صحية ونفسية ممتدة على الأمهات الصغيرات وأطفالهن.
وعلى مستوى أوسع، تفيد حجازي بأنه قد يساهم ذلك في إعادة إنتاج دائرة الفقر والهشاشة عبر أجيال متعاقبة، حيث تنشأ أسر شابة تفتقر إلى الاستقرار الاقتصادي والنضج الاجتماعي. في المقابل، يشير مختصون إلى أن كسر هذا المسار يظل ممكنًا إذا ما توفرت خلال السنوات القادمة سياسات حماية صارمة، وتعليم بديل للفتيات، وبرامج تمكين اقتصادي واجتماعي، بما يمنع تحوّل "زواج الضرورة" إلى مستقبل دائم.
ما تحتاجه غزة اليوم -وفقًا لما أجمع عليه مختصون- ليس مجرد تسجيل الحالات أو الإحصاءات الخاصة بالزواج المبكر، بل تدخلات شاملة تحمي الطفولة، تضمن استقرار الأسر، وتعزز الأمن الاقتصادي والاجتماعي، فالطفولة حق أساسي، لا يجوز التضحية به تحت أي ظرف، والوقاية من الزواج المبكر هي استثمار في مستقبل مجتمع كامل.
(*) أسماء مستعارة