"علاجٌ واحدٌ لو كان تلقّاه، لكان موجودًا بيننا الآن حيًا يُرزَق". هكذا بدأ علاء جمال الحديث عن شقيقه عطا، الذي رحل بعد صراع استمرّ 35 يومًا مع الألم والمضاعفات والحرمان من العلاج.

كان عطا يبلغ 22 عامًا، وكان العلاج الوحيد الذي يُبقيه على قيد الحياة مُغذّيًا وريديًا يُعطى عبر أنبوب قسطرة مركزية (Central Line)، لكن هذا العلاج مُنع من الدخول إلى غزة. وبعد صراع استمر 35 يومًا مع المضاعفات والحرمان العلاجي والغذائي، فارق عطا الحياة.

قصة عطا تختصر المسار الذي يمكن أن يسلكه نقص الدواء داخل القطاع: علاج مفقود، ثم انقطاع في الرعاية، ثم مضاعفات يصعب احتواؤها، وقد ينتهي الأمر في الحالات الأشد بالوفاة. ولا تتوقف الخسارة عند المرضى الذين يفقدون علاجًا محددًا، إذ تمتد إلى قدرة الأطباء على التشخيص واتخاذ القرار، وإلى توافر المستلزمات التي تجعل العلاج ممكنًا أصلًا.

وبحسب الأرقام الرسمية التي أطلعنا عليها مدير وحدة المعلومات في وزارة الصحة بغزة، زاهر الوحيدي، وصل نقص الأدوية الأساسية إلى 47%، فيما بلغ العجز في المستهلكات الطبية 58%. وتواجه الوزارة، منذ نحو ثلاث سنوات من الحرب المستمرة، استنزافًا جعلها عاجزة عن توفير الخدمة الصحية لمئات آلاف المرضى.

وتكشف بيانات العجز الدوائي أن أثر هذا النقص لا يقع على المرضى بالتساوي؛ فبينما يؤدي فقدان بعض الأدوية إلى صعوبة في متابعة المرض أو السيطرة عليه، يضع فقدان علاجات أخرى مرضى أمام مضاعفات خطيرة أو يقطع عنهم علاجًا لا بديل له، فيما تصل بعض الحالات إلى الوفاة.

 

ومع استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال الإمدادات الطبية، تفقد المستشفيات ومستودعات الأدوية أصنافًا أساسية لا غنى عنها لتقديم الرعاية الصحية. ولا تنعكس تداعيات هذا العجز بالتساوي على فئات المرضى، إذ يطال الخطر بدرجات متفاوتة شرائح شديدة التأثر، وفي مقدمتها مرضى الأورام، ومرضى الفشل الكلوي، ومرضى العناية المركزة، وأصحاب الأمراض المزمنة.

هؤلاء جميعًا تشابكت أزماتهم لتشكّل حصارًا مضاعفًا داخل الحصار الممتد على القطاع، وكل قرص دواء ينفد من أرفف المستشفيات والصيدليات يمثل بالنسبة إليهم خطوة إضافية نحو تدهور صحي قد لا يمكن تداركه.

17 مريض فشل كلوي يتوفى شهريًا

من أكثر الفئات تضررًا بفعل نقص الأدوية مرضى الفشل الكلوي في غزة، الذين تناقص عددهم من 1200 مريض قبل أكتوبر 2023، قبل الحرب، إلى نحو 650 مريضًا منتصف 2026، بنسبة تقارب 54%، وبمعدل وفيات يقارب 17 مريضًا شهريًا، أو أربعة مرضى أسبوعيًا، نتيجة انهيار المنظومة الصحية الذي أدى إلى انقطاعهم عن جلسات الغسيل الكلوي، فضلًا عن نفاد الأدوية.

وتشير هذه الأرقام إلى واقع صحي معقد يعيشه مرضى الكلى، يتخطى صدمة الإحصائيات؛ إذ تؤكد تقارير صادرة حديثًا عن وزارة الصحة ومراكز حقوقية أن حياة من تبقى من مرضى الكلى باتت على المحك، في ظل نفاد 46% من أدويتهم، أهمها أدوية علاج فقر الدم، ومستحضرات الحديد الوريدية، وأدوية تنظيم مستويات الكالسيوم والفوسفور، إضافة إلى الفيتامينات والمحاليل العلاجية.

 

ولا يقتصر النقص على الدواء نفسه؛ إذ اتسعت الأزمة لتشمل أجهزة غسيل الكلى والمستلزمات الطبية اللازمة لتشغيلها. وحتى منتصف يوليو 2026، كان يعتمد 650 مريضًا على 108 أجهزة غسيل كلى فقط، من إجمالي 140 جهازًا قبل الحرب، بنسبة عجز نحو 34% في الاحتياج الفعلي للأجهزة.

إلا أن وزارة الصحة أعلنت مؤخرًا تعطّل العمل في 50% من هذه الأجهزة، ما يرفع نسبة العجز إلى 67%، نتيجة النقص الحاد في مستلزمات تشغيلها، خاصة محلول الغسيل الكلوي البايباج (BiBag)، الذي يهدد انقطاعه حياة 250 مريضًا بالقصور الكلوي المزمن، بالإضافة إلى الفلاتر المستخدمة في أجهزة الغسيل، والتي يضع نفادها مرضى الكلى الأطفال في مواجهة مباشرة مع الموت.

وتروي الشابة فاطمة حميد، التي لم تتجاوز 28 عامًا، معاناتها مع هذا النقص. فهي مريضة بالفشل الكلوي، وتخضع لجلسات غسيل الكلى ثلاث مرات أسبوعيًا.

تقول فاطمة لـ"آخر قصة": "إن النقص طال كل شيء؛ من المحاليل والمواد المستخدمة في أجهزة غسيل الدم، إلى الأدوية التي يجب أن نحصل عليها، مثل المضاد الحيوي، ونتيجة نفاده أُصاب بالتهابات حادة وارتفاع بدرجات الحرارة، وكذلك الأوميبرازول (Omeprazole)، الذي من دونه أُصاب بقرحة شديدة في المعدة. بالإضافة إلى حقن هرمون الدم المفقودة تمامًا في قطاع غزة والتي بسبب انقطاعها بفقر الدم الحاد".

تتابع فاطمة أنّ حالتها تتطلب تلقي هذه الحقنة مرتين أسبوعيًا، لكنها لم تحصل عليها منذ سبعة أشهر تقريبًا، ما تسبب لها بانهيار مستوى هيموجلوبين الدم، الذي وصل إلى 4.

وهذه الحقن هي هرمون الأريثروبويتين (Erythropoietin- EPO)، الذي يفترض أن تنتجه الكلى السليمة، لذا تعمل الحقنة على تعويض نقص الهرمون وبالتالي رفع هيموجلوبين الدم. وبدونها يُصاب مريض الكلى بفقر دم حاد (Anemia).

وتختم فاطمة حديثها قائلة: "أتمنّى فقط أن تتوفر هذه الحقنة!".

ولا تقتصر تداعيات النقص على مرضى الكلى؛ إذ تبقى فئات أخرى أمام النتيجة الأشد للعجز الدوائي. ففي غزة، لم يعد فقدان العلاج يعني دائمًا انتظار الدواء، بل أصبح بالنسبة إلى بعض المرضى انتظارًا لمضاعفات قد تنتهي بفقدان الحياة.

ومن بين هؤلاء مرضى الثلاسيميا، الذين تأثروا بشدة من نقص الأدوية التخصصية وشحّ الفحوص المخبرية وندرة وحدات الدم. وتبقى في غزة 237 حالة ثلاسيميا، بينهم 52 طفلًا، بعد وفاة 50 مريضًا منهم خلال الحرب.

11 ألف مريض سرطان دون علاج

ومن مرضى الكلى والثلاسيميا الذين وصل أثر العجز الدوائي بالنسبة إلى بعضهم إلى الموت، إلى مرضى الأورام الذين يواجهون انقطاع العلاج وتفاقم المرض في أجسادهم.

من المستودعات إلى الميدان، يُطلعنا الصيدلاني محمد الفرّا على الواقع الدوائي في صيدليات القطاع. يقول لـ"آخر قصة" إن أبرز الأصناف الدوائية المفقودة هي أدوية الأمراض المزمنة والأورام، والنفسية، والمضادات الحيوية.

ويلفت إلى وجود "نقص مُرعب في أدوية الأورام والسرطان، منها دواء (Zoladex- Goserline)، فيما العلاج الكيميائي بمختلف أنواعه غير موجود بالمُطلق".

وهو ما يتوافق مع تقارير صادرة حديثًا عن إدارة مجمع الشفاء الطبي، تفيد بأن المتوفر لمرضى الأورام في غزة لا يتجاوز 15% من إجمالي الأدوية التي يحتاجونها.

ووفق أحدث تقرير لوزارة الصحة اطلعت عليه "آخر قصة"، "تتصدّر قائمة العجز الدوائي، أدوية السرطان وأمراض الدم، بنسبة 61%".

فضلًا عن ذلك، توقفت الفحوص المخبرية الخاصة بالأورام بنسبة 100%، بحسب تصريحات مدير عام وزارة الصحة بغزة، د. منير البرش، وهو ما يترك قرابة 11 ألف مريض أورام في غزة لمواجهة مصيرهم، وخاصة من وصل منهم إلى حالات حرجة تتطلب السفر العاجل خارج غزة للعلاج.

 

واحدة من هؤلاء المرضى، السيدة نجاة اللوح، 43 عامًا، المصابة بورم سرطاني في الثدي. يتفاقم وجعها يومًا بعد يوم، في انتظار جرعة العلاج الكيميائي، أو قبول تحويلة السفر الخاصة بها للعلاج في الخارج.

يقول نجلها علاء: "والدتي بحاجة إلى جرعة العلاج الكيماوي رقم 9 شهريًا، وهو غير موجود في غزة".

ويتابع: "أجرى لها الأطباء عملية استئصال للورم، لكن كان يُفترض أن تتلقى علاجًا إشعاعيًا لتفتيت بقاياه، وهذا غير موجود أيضًا، ما تسبّب في تدهور حالتها وظهور درنات سرطانية جديدة مكان الورم، كان يمكن تفادي ظهورها لو تلقّت العلاج اللازم، بالإضافة إلى إصابتها بصداع شديد ودوخة".

وتتناول السيدة نجاة أدوية عديدة، لكنها لا تُحسّن حالتها بالمطلق، وإنما توفر لها تسكينًا مؤقتًا للألم، كما وصف نجلها.

وهكذا، لا يظهر العجز الدوائي في حالة مرضى الأورام بوصفه نقصًا في صنف دوائي فحسب؛ فحين يغيب العلاج الكيميائي والإشعاعي، وتتوقف الفحوص اللازمة، يصبح انقطاع العلاج جزءًا من مسار المرض نفسه، وتتحول المضاعفات التي كان يمكن تفاديها إلى واقع يعيشه المريض يوميًا.

معاناة مضاعفة لأصحاب الأمراض المزمنة

لا يصل أثر العجز الدوائي إلى المرضى الذين يواجهون خطر الوفاة المباشرة فقط، بل يمتد إلى أصحاب الأمراض المزمنة، الذين يحتاجون إلى علاج منتظم يمنع تدهور حالتهم ويحد من المضاعفات.

وبحسب وزارة الصحة، وصلت نسبة العجز في أدوية الرعاية الأولية إلى 55%، ويشمل ذلك مرضى السكري، الذين يبلغ عددهم 80 ألف مريض، ولا يجدون علاجهم.

في هذا السياق، يُوضح الصيدلاني محمد الفرّا، الذي يعمل في مؤسسة أطباء بلا حدود، أن "مرضى السكري في غزة يُعانون على وجه خاص، نظرًا لأن أرصدة أجهزة فحص السكري وأشرطة القياس الخاصة بها، وكذلك أقلام الإنسولين باتت 0%، وهي غير متوفرة لدى وزارة الصحة ولا القطاع الخاص، حتى اضطّر المرضى لاستخدام أقلام إنسولين مُنتهية الصلاحية والمخاطرة بحياتهم بسبب انعدام البدائل".

ويمتد الحرمان من العلاج إلى مرضى ضغط الدم في غزة، وعددهم 225 ألف مريض، بحسب بيانات وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، يعتمدون اعتمادًا كليًا على بدائل تترك مضاعفات عديدة في أجسادهم، في ظل استمرار منع إدخال الأدوية الأساسية المعتمدة.

ومن أشهر الأدوية المفقودة دواء (Concor) لعلاج أمراض ضغط الدم، فضلًا عن الحظر الكامل لدخول أجهزة الضغط الزئبقي.

 

ولا تتوقف تداعيات نقص العلاج عند صعوبة السيطرة على المرض؛ ففي أقسام العمليات والعناية المركزة والطوارئ، يتحول نقص الأدوية والمستهلكات الطبية إلى عامل يؤثر مباشرة في قدرة الأطباء على إنقاذ المرضى واتخاذ القرار الطبي.

يُطلعنا طبيب العناية المركزة في مستشفى ناصر، د. عز الدين شاهين، على تداعيات نقص الأدوية داخل غرف العمليات والعناية المركزة. يقول لـ"آخر قصة" إن أقسام العمليات والعناية والطوارئ في المستشفيات تعمل ضمن أرصدة مُستنزفة من الأدوية والمستلزمات الطبية المُنقذة للحياة، وإن التفاوت في توافر الأصناف الدوائية بات يدفع الأطباء إلى قرارات قاسية في غرف الطوارئ والعمليات، منها المفاضلة بين من يحصل على العلاج من المرضى، ومن يُترك لمواجهة مصيره.

ويُبين الطبيب شاهين تأثر القرار الطبي بعجز الأدوية ومستلزمات الجراحة والعمليات، الذي وصل إلى 39%، بالقول: "إن نقص الأدوية والمستهلكات الطبية أدّى لتوقف تام في عمليات القلب المفتوح والقسطرة القلبية بنسبة 100%".

ويصف شاهين هذه المعطيات بأنها تمثل "شللًا تامًا في عملية اتخاذ القرار الطبي داخل غرف العمليات والعناية المركزة".

ولا يقتصر هذا الشلل على الدواء؛ فعلاوة على نقص الأدوية، يقول الطبيب شاهين إن معاناة المرضى تتفاقم مع توقف الفحوص المخبرية بنسبة تقارب 100%، وخاصة فحص الدم CBC، وفحص حموضة الدم ABG، نتيجة النقص الحاد في مواد الفحص المخبري الذي تجاوز 85%.

 

وبحسب تصريحات د. منير البرش، فإن وقف خدمات مخبرية متخصصة، مثل فحوص الأورام والهرمونات وبنوك الدم، يعطل التشخيص ويرفع مخاطر الأخطاء الطبية، وبالتالي يحد القدرة على إنقاذ الأرواح.

كما يتسبب انقطاع المرضى عن المتابعة المخبرية في تدهور حالتهم الصحية. ومن الفئات المرضية التي تأثرت بشدة من نقص الأدوية التخصصية وشح الفحوص المخبرية وندرة وحدات الدم، مرضى القصور الكلوي المزمن ومرضى الثلاسيميا.

وإذا كان نقص العلاج قد أوصل بعض مرضى الكلى والثلاسيميا إلى الوفاة، فإن تعطل التشخيص والفحوص في المستشفيات يوسع دائرة الخطر لتشمل مرضى آخرين؛ إذ يصبح الطبيب أمام حالات لا يستطيع تقييمها بالأدوات التي يحتاج إليها، أو أمام علاج لا يستطيع توفيره حتى بعد تحديد ما يحتاجه المريض.

حين يصبح العلاج المتخصص هو الحلقة المفقودة

تظهر هذه الفجوة بوضوح أكبر في الأدوية المتخصصة، التي لا يمكن تعويضها بسهولة بمسكنات أو بدائل عامة. ويكشف الصيدلاني محمد الفرّا طبقة أخرى خفية من الأزمة، إذ يقول إن من يتأمل رفوف الصيدليات في غزة ويرى الأدوية مكدسة عليها، في حين تناشد وزارة الصحة لتوفير الدواء، قد يلتبس عليه الأمر.

لكن هذه الأدوية، بحسب الفرّا، لا تخرج عن الفئات العلاجية العامة، مثل المسكنات العامة ومضادات الالتهابات غير المتخصصة، فيما يُحرم مئات آلاف المرضى والجرحى في غزة من العلاجات المتخصصة المنقذة للحياة.

ويقول الفرّا إن نفاد هذه الأدوية يتسبب للمرضى بمضاعفات شديدة، ويسرّع تدهور حالتهم الصحية، خاصة الشرائح الهشة التي سبق أن تناولتها القصة.

ويُوضح أن "العجز الشديد في المضادات الحيوية المتخصصة، يشمل أصناف دوائية مُنقذة للحياة ولا تُغني عنها أية بدائل".

ويضيف أنه "لا يدخل قطاع غزة سوى 6-7 أصناف من المضادات الحيوية الخاصة، من بين أكثر من 300 صنف منها".

والمتوفر حاليًا، بحسب الفرّا، أدوية تقع ضمن فئة العلاجات واسعة الطيف، ولا تستجيب لها الحالات المرضية التي تحتاج لعلاج متخصص دون غيره، مثل داء الزهري وداء القطط (التوكسوبلازما)، إضافة إلى أدوية الصحة النفسية والمغذيات الوريدية.

98% العجز في المضادات الحيوية

يكشف هذا الواقع أن وجود الدواء على رف الصيدلية لا يعني بالضرورة أن العلاج متاح للمريض. فقد تكون الأدوية الموجودة متركزة في أصناف عامة، بينما تغيب الأصناف التي تحتاجها حالات محددة، وهو ما يحول العجز من مشكلة في الكمية إلى مشكلة في نوع العلاج نفسه.

وتزداد خطورة ذلك عندما يكون الدواء المفقود مرتبطًا بعلاج لا يمكن استبداله بسهولة. وفي هذه الحالات، لا يستطيع المريض الانتقال ببساطة إلى دواء آخر، بل يبقى أمام انقطاع العلاج، وما قد يترتب عليه من مضاعفات وتدهور صحي.

ويظهر ذلك في حالة عطا جمال، الذي سبق أن انتهى به مسار الحرمان من العلاج إلى الوفاة؛ إذ كان العلاج الوحيد الذي يُبقيه على قيد الحياة مغذيًا وريديًا يُعطى عبر أنبوب قسطرة مركزية (Central Line)، لكن هذا العلاج مُنع من الدخول إلى غزة.

وبعد صراع استمر 35 يومًا مع المضاعفات والحرمان العلاجي والغذائي، فارق عطا الحياة.

لكن حالات أخرى لا تصل إلى النتيجة نفسها مباشرة، بل تدخل في سلسلة من المضاعفات التي تتسع كلما طال انقطاع العلاج.

فئات هشّة يفتك بها نقص الأدوية

تمتد خارطة العجز الدوائي إلى مزيد من الفئات المرضية الهشة، التي قد تتأثر بدرجة أقل من الحالات التي تواجه خطر الموت المباشر، لكن بخطورة بالغة.

من بينهم مرضى الصحة النفسية. فبينما يتجاوز العجز في الأدوية النفسية بالعموم 35%، تكمن المشكلة، بحسب الصيدلاني الفرّا، في أن المتوفر من هذه الأدوية هو أجيال قديمة وغير متخصصة، وتخلف آثارًا جانبية قاتلة قد تدفع المرضى إلى الانتحار خلال أيام، بالتزامن مع غياب تام لمثبتات المزاج الحيوية كالليثيوم (Lithium) ومضادات الذهان.

وفي مسار آخر، يصل عجز صحة الأم والطفل إلى 56%، مع نفاد 42% من تطعيمات الأطفال.

وتتفاقم المأساة في مستلزمات جراحات العيون، التي تعاني نقصًا حادًا يقارب 90%، ما يضاعف معاناة مرضى اعتلال الشبكية أمام قفزة أسعار الحقن العلاجية إلى عشرات الأضعاف.

وتشمل خارطة العجز كذلك مبتوري الأطراف، البالغ عددهم 5000 حالة، نصفهم أطفال ونساء وكبار سن، ويفتقرون إلى أبسط الأدوية والرعاية الصحية.

وهكذا تتدرج آثار العجز الدوائي من فقدان العلاج المنقذ للحياة، إلى توقف خدمات أساسية، ثم إلى مضاعفات تصيب أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الهشة، وصولًا إلى فئات لا تواجه بالضرورة خطر الموت الفوري، لكنها تفقد العلاج والرعاية التي تمنع المرض من التفاقم.

العجز لا يتوقف عند الدواء

ومع استمرار إغلاق معابر قطاع غزة واتساع خارطة العجز الدوائي بفعل تقييد الإمدادات الدوائية والطبية، التي بالكاد تغطي 5% من احتياج القطاع الصحي، تتقلص قدرة النظام الصحي على تعويض ما ينقصه من أدوية ومستلزمات.

وتشير المعطيات إلى خروج 22 مستشفى و90 مركزًا صحيًا عن الخدمة، فيما يواجه نحو 21 ألف مريض وجريح الموت في انتظار السفر للعلاج بالخارج.

ولم يصل بعضهم إلى مرحلة الانتظار أصلًا؛ إذ لاقى 1,517 مريضًا حتفهم بالفعل بفعل انهيار المنظومة الصحية ونقص الأدوية.

ولا تنفصل هذه الأرقام عن المسار الذي تكشفه الحالات السابقة: مريض يحتاج إلى علاج، دواء لا يصل، خدمة تتوقف، مضاعفات تتراكم، ثم تضيق فرص الإنقاذ أمام المريض.

وبذلك لا يظهر العجز الدوائي بوصفه نقصًا في مخزون المستودعات فحسب، بل كحلقة تؤثر في مسار المرض نفسه؛ فمن فقدان العلاج المتخصص، إلى تعطل الفحوص، إلى نقص المستلزمات، تتقلص قدرة المريض والطبيب والمنظومة الصحية معًا على منع التدهور.

وفي المحصلة، يُحرم أكثر من مليوني إنسان في غزة من الحق في العلاج الذي يكفله القانون الدولي، ومنه اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين خلال الحرب، ولا سيما المواد 55 و56 و147، والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تُلزم سلطة الاحتلال بضمان الحق في الرعاية الصحية الأساسية دون تمييز في أوقات النزاع.