منذ إصابة محمود سكيك (46 عامًا) في غارة إسرائيلية بمدينة غزة في يوليو 2024، انقلبت حياة عائلته المكوّنة من ثمانية أفراد. واضطر أبناؤه الذكور الأربعة، وجميعهم في سن الدراسة، إلى ترك التعليم والعمل لإعالة الأسرة ورعاية والدهم الذي أسفرت إصابته عن بتر قدميه.
يقول سكيك بمرارة: "ألا يُفترض أن يكون أطفالي في المدارس في هذا العمر؟ لقد حملوا المسؤولية في وقت مبكر، في حين أنني من يُفترض أن يرعاهم". ويشير إلى أنه كان قبل إصابته يعمل لتوفير احتياجات أسرته، لكن عجزه التام عن العودة إلى العمل ترك أبناءه أمام خيار تحمّل المسؤولية مبكرًا. وعندما أُصيب، كان أكبر أبنائه في السادسة عشرة وأصغرهم في العاشرة، فلم تجد العائلة سبيلًا لتدبير احتياجاتها سوى دفعهم إلى العمل.
مؤشرات الانهيار الاقتصادي
حال عائلة سكيك يعكس اتساع أزمة سوق العمل في قطاع غزة؛ فبعد أن كان معدل البطالة يبلغ 45.3% عام 2022، قبل الحرب، فقدَ أكثر من 250 ألف عامل وظائفهم بشكل دائم، وفق وزارة العمل. وبالتوازي، تجاوزت معدلات الفقر 93%، فيما يعاني أكثر من 75% من السكان انعدام الأمن الغذائي الحاد.
ووفق البيان ذاته، فإنّ قطاع العمل في غزة انتقل من حالة البطالة الهيكلية إلى مرحلة الشلل الاقتصادي الشامل، في ظلّ توقف معظم المنشآت والمؤسسات الإنتاجية والخدمية، وتعطّل سلاسل الإنتاج، واستمرار الحصار وإغلاق المعابر، ومنع إدخال المواد الخام اللازمة لإعادة تشغيل القطاعات الاقتصادية.
من داخل خيمة النزوح، يصف سكيك قلقه المتواصل على أبنائه، الذين يغادرون يوميًا للعمل في ظل وضع أمني غير مستقر. ويقول: "لا آمن عليهم حين يخرجون يوميًا لجلب قوت إخوتهم في ظل انعدام الأمن في البلد. عندما أُصبت قبل عامين، كنت ذاهبًا لجلب قوت أبنائي، ولهذا أنا غير مستعد أن أضحي بهم... لكن اليوم أنا لا أستطيع العمل، ولا أتقاضى راتبًا من أي جهة، وهذه هي أكبر صعوبة".
وأبناؤه الأربعة هم: عبد الله (18 عامًا)، وعبد الكريم (16 عامًا)، ومحمد (15 عامًا)، ومعتصم (12 عامًا)، إلى جانب طفلتين. ولم يتلقَّ الأبناء التعليم منذ بداية النزاع؛ ففي عام الحرب الأول توقف التعليم تمامًا، وبعد استئنافه نهاية 2025، كانت إصابة والدهم قد أقعدته عن العمل، ما دفعهم إلى العمل في نقل البضائع وتوصيلها بعربات الجرّ البدائية، وأعمال التنظيف، بصورة دائمة أو متقطعة.
ويختصر سكيك حال أبنائه بالقول: "إنهم يعيشون حياةً ليست حياتهم؛ في مثل هذا الوقت من السنة يُفترض أن يتواجدوا في النوادي والأماكن الترفيهية، بالتزامن مع الإجازة الصيفية، لا أن يُجبَروا على تعبئة المياه وجلب الطعام من التكيّة والعمل".
56 ألف طفل فقدوا مُعيلهم
وبحسب بيانٍ لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، "فقد أكثر من 56 ألف طفلٍ أحد والديهم أو كليهما، في قطاع غزة، بسبب الصّراع الذي يدفع فيه الأطفال ثمنًا باهظًا لا يُمكن تصوّره".
يتوافق هذا مع ما يرد في مركز المعلومات الوطني، حول واقع الأطفال الفلسطينيين خلال الحرب، الذين وجدوا أنفسهم في هذه الظروف المأساوية "ضحايا لعمالة الأطفال"، إلى جانب تبعات أخرى عديدة، على الصعيدين الاجتماعي والنفسي.
وقد فاقم فقدان المُعيل، سواء باستشهاده، أو اعتقاله، أو إصابة بدرجة بالغة تمنعه من العمل، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة، الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للعائلات في غزة، حتى باتت ما نسبته 95% منها تعتمد على المساعدات الإنسانية المحدودة، فيما تمتلك 5% فقط من العائلات المال لتلبية احتياجاتها، وفق تصريحات للمستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، عدنان أبو حسنة.
هذا الواقع المعيشي والاقتصادي المتدهور، دفع بعددٍ كبير من أطفال تلك العائلات، قسرًا، إلى ميادين العمل لتدبير مصدر دخل وإعالة أسرهم، في ظل انعدام البدائل، فضلًا عن انهيار المنظومة التعليمية، وغياب التعليم النظامي، والمدارس التي كانت تحتضن هؤلاء الأطفال، لكنهم حُرِموا من الالتحاق بها، بسبب الحرب.
يؤكّد هذا، الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب، من قطاع غزة، خلال حديثه لـ "آخر قصة"، مُوضحًا أنّ توجّه الأطفال إلى العمل أو مساعدة الأسرة في المهام اليومية ليس اختياريًا، بل يُمثّل آلية بقاء للعائلات لتعويض غياب المُعيل وفقدان مصادر الدخل في ظلّ واقعٍ اقتصاديٍّ منهار.
ويقول إنّ هذه الأدوار هي "استجابة قسرية لواقع الحرب وتدمير مقوّمات العملية التعليمية وبنيتها التحتية"، مُحذرًا من تبعات التدهور في الواقع التعليمي والاقتصادي، الذي يُنذر بحدوث حالة من التشوّه في الإنتاج التعليمي، وبالتالي صعوبات وتشوّه في قطاع الأعمال وسوق العمل.
ويُميّز أبو جياب، خلال حديثه لـ"آخر قصة"، بين "التسرّب المدرسي" بمفهومه التقليدي، وما يجري حاليًا في واقع التعليم بقطاع غزة، قائلًا: "إن الأطفال اليوم بلا تعليم، ومصطلح التسرّب المدرسي التقليدي بات غير واقعيٍّ في الوقت الحالي، نظرًا لخروج المدارس عن العمل وحرمان عشرات آلاف الطلبة من التعليم النظامي. والموجود من مدارس هو عبارة عن مبادرات مجتمعية، وبعض المشاريع المموّلة دوليًا، وكلّها لا ترقى إلى مستوى الأزمة".
غياب إحصاءات عمالة الأطفال بغزة
في حين تُشير وزارة العمل في بياناتها الرسمية إلى ارتفاع نسبة الأطفال العاملين في الفئة العمرية (10-17) عامًا إلى نحو 4% في فلسطين خلال 2026، مقارنة بـ 2.8% سُجّلت خلال العام 2023 (ما يعني قرابة 32,088 طفلًا، ويصلّ العدد إلى 100 ألف في الإجازة الصيفية وفق تقديرات الوزارة)؛ لكن لا تذكر تلك البيانات أرقامًا تفصيلية لأعداد الأطفال العاملين في قطاع غزة على وجه التحديد؛ كما لا تزال المعلومات الإحصائية لجهاز الإحصاء المركزي بشأن قطاع العمل في غزة بما فيه النسب الدقيقة لعمالة الأطفال "غير متوفرة" في موقعه الرسمي للعام الثالث على التوالي، وآخر مسح مُعلن للقوى العاملة صادر عن جهاز الإحصاء يغطي حتى العام 2024 فقط، ولم يتضمّن بيانات حول عمالة الأطفال في قطاع غزة.
تجدر الإشارة إلى تعذّر التواصل مع مكتب وزارة "العمل" في غزة عبر قناتي تواصل، فيما أظهر البحث تعطّل عمل الوزارة في القطاع بشكل شبه كامل، بعد قصف مقرّها وتدميره في أكتوبر 2023. ويعكس ذلك توقف موقعها الرسمي عن نشر الأخبار والتقارير الدورية والخطط السنوية، باستثناء نحو خمسة أخبار متفرقة خلال ثلاث سنوات، فضلًا عن عدم تمثيلها في لجنة الطوارئ الحكومية التي استُحدثت مع بداية الأحداث في غزة.
في المقابل، وخلال اجتماعٍ ترأّسته وزيرة العمل في الضفة الغربية، إيناس العطّاري، مطلع أغسطس الجاري، طالب مُشاركون بتفعيل مكتب الوزارة في قطاع غزة، وتمثيله في لجنة الطوارئ أسوةً بالوزارات الأخرى؛ لكن مع الإعلان عن حلّ اللّجنة المذكورة، في يوليو الماضي، يبقى عمل الوزارة بغزة مُعطّلًا حتى اللحظة؛ وهو ما يُعطِّل الرّقابة والمتابعة لكامل ملفّ "عمالة الأطفال" في القطاع.
رغم هذا؛ تشير البيانات التي يرصدها هذا التقرير إلى وجود نسبة كبيرة من الأطفال، ممّن هم في سنّ المدرسة، أُجبِروا على ترك التعليم للتوجّه إلى العمل في الشوارع، لأجل البقاء.
626 ألف طالب بلا تعيلم
التحوّل القسري من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل بات يُهدّد مستقبل نسبة كبيرة من الأطفال والفتية في سنّ المدرسة، وعددهم الإجمالي في قطاع غزة هو حوالي 626 ألف طفلٍ (57.4% من إجمالي عدد الأطفال بالقطاع)؛ هم محرومون من التعليم النظامي المستقرّ للعام الثالث على التوالي، وعوضًا عن تلقيهم التعليم، صاروا رهائنَ لمعادلة البقاء اليوميّ؛ وهو ما أدخل المنظومة التعليمية بأكملها في نفقٍ مظلم، بحسب الأرقام الرسمية التي ترصد الفاقد التعليمي في غزة خلال سنوات الحرب.
بحسب تقرير أعدّته وزارة التربية والتعليم العالي لرصد واقع التعليم في قطاع غزة بين 2023 و2026، وحصلت عليه "آخر قصة" من مدير عام وحدة العلاقات العامة بالوزارة أحمد النجّار، تعاني المنظومة التعليمية من "تآكلًا حادًّا في مقوّماتها"، بفعل تدمير البنية التحتية وتعطّل الكوادر والموارد التعليمية.
فقد دُمّرت 277 مدرسة كليًا أو جزئيًا من أصل 584 مدرسة في القطاع، فيما تحوّل ما تبقّى منها إلى مراكز إيواء للنازحين، ما أدى إلى تعطّل التعليم النظامي بالكامل خلال سنوات الحرب وحتى الآن.
وفي محاولة لاستئناف التعليم، استحدثت الوزارة، في نهاية العام 2025، بالتعاون مع جهات عدة، نقاطًا ومساحاتٍ تعلّم ميدانية مؤقتة، يصفها تقرير الوزارة بأنها بدائل هشّة لا تؤدي وظائف المدرسة النظامية في التعليم والتفاعل والحماية، ولا توفر شروط التعلّم الآمن والشامل، وسط نقص حاد في اللوجستيات التعليمية المادية والرقمية. ويشكّل 53.5% منها غرفًا صفية مصنوعة من الشوادر قصيرة العمر.
كما تعطّل 22,030 معلمًا عن العمل من أصل 22,438 معلمًا في غزة قبل الحرب، ومع استشهاد المئات منهم، تجاوزت نسبة المعلمين المتعطلين 99%، إلى جانب تدمير التجهيزات المادية والتقنية والسجلات والوثائق اللازمة لتسيير العملية التعليمية.

أزمة الفاقد التعليمي
أسفر هذا الواقع عن تراجع الدوام المدرسي من 200 يوم سنويًا إلى 60 يومًا فقط، بعجز يبلغ 140 يومًا دراسيًا، وانخفاض الحصص من متوسط 30 حصة أسبوعيًا إلى 12 حصة، مع تقليص المباحث إلى أربعة والاقتصار على "الكفايات التعليمية الأساسية".
وبحسب تقرير الوزارة، لا تتجاوز القيمة المعرفية للسنة التعليمية خلال الحرب 30% من السنة الطبيعية، فيما "يلتهم" الفاقد التعليمي التراكمي نحو 700 ساعة تعليمية سنويًا، أي معظم الزمن الدراسي.
كما قيّدت جُملة من التحدّيات التقنية واللوجستية والأمنية مسارَ التعليم الإلكتروني داخل قطاع غزة، الذي اعتمدته الوزارة للعام 2025/2026 عبر منصّتيْ: MS Teams وEschool، كمسارٍ بديل، من أجل استكمال العملية التعليمية، بمشاركة 1,500 مُعلّم/ةٍ والتحق فيه 85,492 طالبًا/ة، في الصفوف (1-12) وكان قرابة نصفهم مسجلًا أيضًا ضمن التعليم الوجاهي، ولا تتضمّن تقديرات الوزارة بيانات طلبة الأونروا الملتحقين بمسار التعليم الإلكتروني.
ووفق تقرير لمركز المعلومات الوطني، تمثلت التحدّيات التي تواجه التعليم الإلكتروني بغزة في انهيار البنية التحتية للاتصالات والإنترنت، وأزمة الكهرباء، وعدم وجود مناطق آمنة، فضلًا عن قلة أجهزة الاتصال اللازمة، ويُعقّب التقرير بأن هذه العراقيل "حرمت العديد من هؤلاء الأطفال من تلقّي تعليمهم بفعالية طوال هذه الفترة، ما يُنذر بفجوة تعليمية تهدّد مستقبل جيل بأكمله".
يتفق هذا مع ما تضمّنه تقرير الوزارة حول "الانعكاسات النفسية والاجتماعية"، التي فرضها الاختزال القسري للزمن التربوي، والتي تجاوزت حدود الفاقد التعليمي إلى الإضرار بإحساس الطلبة بالأمان، والاستقرار، وإضعاف دافعهم نحو التعلّم، وتراجع شعورهم بالانتماء إلى المدرسة بوصفها فضاءً حاميًا.
وبالمقارنة بين التمثيلات البصرية أعلاه، يتبين أنّ منحنى صعود عمالة الأطفال لا ينفصل عن مسار انهيار البيئة المدرسية؛ فكلما اتسعت فجوة إغلاق المدارس وتراجع الدوام المدرسي، دفع ذلك بالأطفال مسرعين نحو سوق العمل كبديلٍ قسري. يوضح الرسمان المتجاوران أدناه كيف تتطابق وتيرة تآكل المنظومة التعليمية مع ارتفاع معدلات انخراط الأطفال في العمل الشاق.
ويستعرض تقرير الوزارة "الفاقد التعليمي" في الطلبة، إذ تلقّى منهم حوالي 399,888 طالبًا تعليمًا وجاهيًا، في المدارس الميدانية المعتمدة من الوزارة، حتى نهاية إبريل 2026، وهو ما نسبته 64.6% فقط من إجمالي عدد الطلبة المتوقّع تسجيلهم للعام الدراسي 2025-2026، ويُقدّر بحوالي 619,042 طالبًا/ة، بالإضافة إلى 68,644 طالبًا/ة في الصفوف (1-9)، مسجلين ضمن التعليم الوجاهي (غير الرسمي) التابع للأونروا في 75 موقعًا مؤقتًا في غزة.
في السياق ذاته، تتولّى منظمة الأمم المتحدة (يونيسيف) تقديم دروسٍ تعليمية لقرابة 109,310 أطفال، في 78 مركزًا غير نظاميّ داخل غزة، بواقع ثلاثة أيامٍ أسبوعيًا، وثلاث ساعات يوميًا. وتذكر المنظمة في تقريرٍ لها، مطلع نوفمبر 2025، أنّ حوالي 92% من المرافق التعليمية في غزة بحاجة لإعادة بناء أو ترميم كلّي لتعود للعمل.
وتُؤكد "اليونيسيف" أنّ "توفير التعليم في غزة لا يزال تحديًا كبيرًا"، في ظل استحالة إدخال المستلزمات التعليمية، وتقييد إدخال الإمدادات اللازمة للعملية التعليمية، العالقة على معابر غزة.
وتكشف فجوة الأرقام وجود 168,790 طالبًا في غزة (27.3%) غير مُلتحقين بالتعليم الوجاهي، فيما غاب قرابة 127,569 طفلاً (20.6%) عن أيّة بيئة تعلّم نظامية أو إلكترونية، وفق ما جاء في تقرير وزارة التربية والتعليم.
تراجع أولوية التعليم
ومن الأرقام الصادمة إلى مخيمات النزوح، رصدَ لنا المُعلّم يحيى رضوان، الذي يعمل في إحدى النقاط التعليمية المؤقتة وسط قطاع غزة العديد من الحالات التي اضطّر فيها أطفالٌ إلى ترك الدراسة نهائيًا من أجل العمل وإعالة أُسَرهم، خاصة مع الفقر وفقدان مصدر دخل الأسرة، "ليتحول الطفل من طالبٍ إلى مُعيل، وجد نفسه أمام مسؤوليات تفوق عمره".
ويُوضّح المعلّم رضوان في حديثه لـ"آخر قصة" أن من أبرز أسباب تخلّي الأطفال عن التعليم للالتحاق بسوق العمل تدهور الأوضاع الاقتصادية للعائلات وعدم قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية، بسبب فقدان مصدر الدخل أو فقدان المعيل، بالإضافة لارتفاع تكاليف التعليم، بما فيها المواصلات واللّوازم المدرسية مقارنة بدخل الأسرة.
ويُتابع أن "هذه القرارات في الغالب تكون قسرية، وليست نابعة من رغبة الطفل، الذي يجد نفسه مضطرًا للاختيار بين مواصلة التعليم، ومساعدة أسرته على البقاء وتلبية احتياجاتها الأساسية".
وينقل لنا المعلّم صورًا ميدانية قاسية لتسرّب الأطفال من خيام التعليم، فيعمل أحدهم في بيع النعناع لإعالة أسرته، ويتجوّل آخر بين الخيام ليبيع ربطات خبز، فيما يتواجد أطفال آخرون في محيط نقاط توزيع المساعدات، كعمّال توصيل ينقلون البضائع مع الناس إلى خيامهم، بواسطة عرباتٍ بدائية، وهي مشاهد تتكرر عند كل زاوية شارع في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء بغزة، كما رصدناها في حالة أبناء المواطن سكيك.
ويطالب رضوان الجهات المعنية بالتدخل الوقائي والعلاجي للحد من تسرب الطلبة للعمل، عبر "توفير برامج حماية اجتماعية ودعم اقتصادي للعائلات الأكثر احتياجًا حتى لا يكون الطفل هو البديل عن مصدر دخل الأسرة"، إلى جانب إعادة الأطفال المتسربين إلى المدارس.
كما يدعو وزارة التعليم إلى "تطوير مناهج أكثر ارتباطًا بواقع الأطفال واحتياجاتهم، وتعزيز برامج الدعم النفسي والتربوي داخل المدارس، وإنشاء نظام إنذار لرصد الطلبة المهددين بالتسرب، والتدخل قبل انقطاعهم عن الدراسة".
ويتزامن ذلك مع تراجع الخدمات الإرشادية المقدمة للطلبة بنسبة 81.9%، وفق تقرير الوزارة، ونقص كوادر الإرشاد التربوي بنحو 30%.
وزارة التربية والتعليم، في تقريرها، تفسر هذا الواقع المعيشي والتعليمي المرير بأن "الأسرة الفلسطينية شهدت تحوّلًا قاسيًا في سلّم أولوياتها اليومية، إذ تقدّمت متطلّبات البقاء الأساسية من ماء وغذاء ومأوى وحماية، على الانتظام المدرسي، فتراجعت أهمية التعليم في حياة كثير من الأطفال تحت ضغط النجاة، لا بسبب تراجع قيمته. وفي ظلّ غياب البيئة المدرسية الآمنة، أسهم هذا الواقع في إضعاف الارتباط بالمدرسة، ورفع مخاطر التسرّب وعمالة الأطفال".
تحت وطأة الحرب المستمرة والشلل الاقتصادي، يتحول أطفال غزة قسرًا من مقاعد الدراسة إلى ميادين العمل الشاق لتأمين قوت عائلاتهم. وفي واقعٍ تتآكل فيه المنظومة التعليمية ويُواصل "التعلّم النظامي" بقاءه حبيسًا للكثير من التحدّيات؛ يبقى مستقبل مئات آلاف الطلبة رهنًا بمعادلة البقاء اليومي، التي باتت تتقدّم على كثيرٍ من الحقوق الأساسية؛ ومن أهمها الحق في التعليم.