تقف دنيا سليمان أمام دورة المياه البدائية التي شيّدها زوجها بمساعدة عامل متخصص في حفر الآبار الامتصاصية؛ تتأمل ما يُعرف بـ "الحمّام البلدي" الأرضي الماثل أمامها، فتستحضر ذكريات بيت جدها قديمًا، غير أن ما تواجهه اليوم أشدّ قسوة وبؤسًا. 

تعيدها دورة المياه هذه للعصر الحجري على حد وصفها، ولا تقوى على تحملها وهي التي وضعت مولودها مؤخرًا وتحتاج لرعاية صحية خاصة، لتردد بقهر: "أنا محرومة من حقي الطبيعي في وجود كرسي مرحاض خاص بخيمتي، هذا الأمر مرهق لي كسيدة وضعت مولودي منذ أيام، ما يحدث فينا جنون!"

نزحت سليمان من معسكر جباليا شمال قطاع غزة بعد عام من بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، لتتنقل بين المنازل في الشمال حتى انتهى بها المطاف بالنزوح إلى المحافظة الوسطى؛ وهناك عاشت في خيمة لأول مرة، ومنذ ذلك اليوم ودعت كرسي المرحاض لتعيش واقعًا صعبًا، متسائلة كيف تحول البيت الذي كان يضم مرحاضين إلى خيمة بلا مرحاض.

تواصل حديثها وهي تمسك بوعاءٍ حديدي لتغسل يديها: "لا أصدق أن هذا حالنا، أحيانًا أشعر أنني على وشك الجنون، كيف صار الحمام هكذا، وكيف صار الباب عبارة عن قطعة قماش؟ حاولنا تحسين الوضع بعد ولادتي بسبب الآلام التي كنت أعاني منها بالبحث عن كرسي مرحاض بسعر جيد، لكن السعر كان 1500 شيكل فتراجعنا عن الخطوة، فماذا يفعل المرضى مثلي الذين لا يقوون على استعمال الحمام البدائي؟".

بعد الحرب ومع تدمير المنازل ومسح مربعات سكنية كاملة، برزت أزمة كراسي المراحيض والأدوات الصحية، ليجد الغزيون أنفسهم عالقين في حلقة مفرغة، واضطر الكثير منهم لاستخدام "الحمام البلدي" الذي لا يناسب المرضى وذوي الإعاقة وكبار السن والنساء. 

كما لجأ البعض إلى ابتكار بدائل، مثل تحويل الكراسي البلاستيكية إلى مراحيض بعد قصها من المنتصف، إلا أنها ظلّت حلولًا مؤقتة لا تلبي الاحتياج الفعلي. وبعد ثلاثة أعوام من الحرب، لا تزال الأزمة تتفاقم مع استمرار منع الاحتلال إدخال كراسي المراحيض والأدوات الصحية، مما تسبب في ندرة حادّة في المعروض وارتفاع كبير في الأسعار، لينشأ سوق لكراسي المراحيض المستعملة بأسعار تتراوح ما بين 1500 و2000 شيكل.

في سياق متصل، يروي محمد الحانوتي، وهو من مخيم البريج وسط قطاع غزة، تجربة مختلفة؛ إذ نزح عدة مرات من منزله ولكنه كان يعود دائمًا. يعيش الحانوتي حاليًا في شقة شقيقه، بينما كانت شقته في الطابق العلوي قيد التجهيز التدريجي قبل الحرب كلما ادخر مالًا. واليوم، وبعد زواج شقيقه، يجد نفسه مضطرًا للصعود إلى شقته غير المجهزة، ليصدم بأسعار المطابخ الجاهزة وكراسي المراحيض.

يقول الحانوتي الذي لا يملك مصدر دخل ويعمل على بسطة صغيرة: "سأعيش بلا بلاط وبلا مطبخ ومرحاض عادي، منذ يوم خطوبة أخي وأنا أدخر لتجميع ثمن كرسي المرحاض لأنه أهم ما في الشقة، وتدريجيًا سأجلب حوضًا حديديًا وطاولة حديدية للمطبخ، فالمطبخ الجاهز ثمنه مرتفع أيضًا. حقيقة أنا في ورطة، سيكلفني جلب الأساسي منها 2000 دولار". 

ويضيف: "يجب تفعيل قضية أزمة كراسي المراحيض بشكلٍ عاجل، لست وحدي مَن يعاني من هذا الأمر، فلي أصدقاء في الخيام يعانون أيضًا. أين المؤسسات الدولية؟ أدخلوا لنا هذه الأدوات فورًا، ووزعوها مجانًا على مستحقيها لننال أبسط حق لنا".

أمّا إيمان علي، فتجلس وزوجها وعائلتها في خيام بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة. حاولت إيمان شراء كرسي مرحاض فور استقرارها في شمال القطاع بعد رحلة نزوح طويلة في محافظات الجنوب، لكن سعره فاق قدرتها الشرائية، مما دفع عائلتها لتنفيذ "حمام بلدي"، وهو ما يؤذيها نفسيًا كلما رأته.

تقول بمرارة وهي تمسح حبات العرق عن جبينها: "مستاءة جدًا من حياة الخيمة، الحشرات كثيرة، والحرارة تقتلني يوميًا، وهمَّ كرسي المرحاض مأساة أخرى. أذكر في مرة كنت أعاني من نوبة دوخة خفت أن أدخله خشية أن أفقد الوعي، الحمام البلدي كارثة لم أعتد عليه أبدًا".

وحول جهود الجهات المحلية للتنسيق مع المؤسسات الدولية لحل هذه الأزمة الإنسانية المعقدة، التقت مراسلة "آخر قصة" بالمتحدث باسم الغرفة التجارية حسام الحويطي، الذي أكد بدوره أن الغرفة التجارية تعمل على التوجيه والتنسيق مع التجار المسجلين لديها لاستكمال طلبات استيراد رسمية للأدوات الصحية الضرورية. وأوضح أنه تم المراسلة إلى مكاتب الأمم المتحدة المختصة (اليونيسف، برنامج الأغذية العالمي، منسق الشؤون الإنسانية OCHA)، وممثلي الاتحاد الأوروبي والجهات الدولية المانحة للضغط على الاحتلال لإدخال هذه المستلزمات.

ويبيّن الحويطي: "تظلّ معظم الطلبات التجارية والمناشدات عالقة بقيود وتأخيرات غير مبررة عند المعابر، ويجري التنسيق الحالي مع منظمات WASH الدولية لدمج المستوردين المحليين الموثوقين ضمن سلاسل الإمداد الإنساني المعتمدة، وتشجيع التصنيع المحلي البديل للمكونات قدر الإمكان لفك الاختناق تدريجيًا، لكن العائق يبقى منع الاحتلال".

من جانبه، يرى المختص الاقتصادي عمر صلوحة أن حظر الاحتلال وتشديده على إدخال المراحيض والأدوات الصحية ومستلزمات السباكة تسبب في حدوث صدمة عرض حادة في السوق، حيث انخفض المعروض إلى مستويات غير مسبوقة، في مقابل ارتفاع الطلب نتيجة النزوح والحاجة إلى إنشاء مرافق صحية في الخيام.

وأوضح صلوحة أن الاختلال الكبير بين العرض والطلب تسبب في تضخم أسعار المراحيض المستعملة أضعافًا مضاعفة، وخلق سوقًا يعاني من الندرة والتشوه، مما أجبر المواطنين قسرًا على اللجوء إلى بدائل بدائية مثل تصنيع مراحيض من الركام والأحجار، أو إنشاء "حمام بلدي"، وهي بدائل ليست قليلة التكلفة أيضًا. 

وأشار إلى أن هذا الوضع يندرج تحت مفهوم "اقتصاد الندرة"، إذ تحولت كراسي المراحيض إلى سلعة احتكارية يتراوح سعرها ما بين 1500 و2000 شيكل، مما تسبب في أزمة اقتصادية شديدة في ظل انهيار القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر ونسب البطالة.

من جانبٍ آخر، يؤكد مختصون حقوقيون أنّ منع الاحتلال لإدخال المراحيض والأدوات الصحية يُشكِّل انتهاكًا صارخًا لـالمادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر العقاب الجماعي، وخرقًا لـالمادتين (55 و56) اللتين تُجبران قوة الاحتلال على ضمان الصحة العامة والنظافة واحتياجات السكان. كما يُعد حرمان المواطنين والمرضى من هذه المستلزمات الأساسية مساسًا بالكرامة الإنسانية وانقلابًا على القرارات الدولية التي أقرّت الإصحاح كحقٍّ أساسي من حقوق الإنسان، مما يرتقي إلى سياسة عقاب وممارسات لاإنسانية مجرمة بموجب ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

في غزة، تحولت الحقوق التي تكفلها المواثيق الدولية إلى مجرد حبر على ورق؛ إذ يعيش السكان في زمن يُمنع فيه إدخال كرسي مرحاض لمدينة بأكملها لأداء الحاجة البشرية. الحكاية هنا تتجاوز النقص في مستلزم أساسي، لتجسد محاولة سلب الكرامة، بعدما أصبحت المطالبة بـ"مرحاض" دعوة ومناشدة لإدخاله إلى بقعة جغرافية تعرضت للمسح ولا تزال.