في مشهدٍ يعكس واقعًا اقتصاديًّا متدهورًا في قطاع غزة، وجدت هبة التري، البالغة من العمر 35 عامًا، نفسها أمام خياران أحلاهما مرّ، فإماتدفع مئات الشواكل لإصلاح هاتفها القديم، أو تتكبّد مبالغ تفوق خمسة آلاف شيكل لشراء جهازٍ مستعمل. كان خيارها هذا حاجةً ملحّةً فرضتها ظروف الحياة بعيدًا عن أي رفاهية، في عالمٍ أصبح فيه الهاتف من أهم ضرورات الحياة.

وتوضح التري التي تعمل منسقة مشاريع أنها تعتمد على هاتفها في التواصل وإنجاز أعمالها اليومية، وكانت غايتها الوحيدة إعادته للعمل متجاوزةً التفكير في اقتناء جهازٍ جديد، غير أن صدمة الأسعار فاقت توقعاتها. فقد قفزت أثمان الأجهزة المستعملة بنسبٍ هائلةٍ مقارنةً بما كانت عليه قبل الحرب، وتوارت الأجهزة الجديدة ذات الفئة السعرية المنخفضة من السوق تمامًا.

وأمام هذا الواقع، اضطرت التري لدفع نحو 1800 شيكل، وهو مبلغٌ يعادل ثلث دخلها الشهري تقريبًا، لتبديل الشاشة بقطعةٍ محلية الصنع، بعدما كانت تكلفة هذا الإصلاح لا تتجاوز 400 شيكل قبل أشهرٍ قليلة؛ ورغم ضخامة هذا المبلغ نسبيًّا، فإنه يبقى أقلّ بكثير من ثمن شراء هاتفٍ بديل.

على نحوٍ غير بعيد، تجاوزت تداعيات تعطل هاتف محمود عبد العال (29 عامًا) مجرد الانقطاع عن مواقع التواصل، لتشكل تهديدًا مباشرًا لمصدر رزقه الوحيد. يعمل محمود في مجال التنسيق الميداني المستقل، ويعتمد كليًّا على هاتفه في متابعة الأخبار، وإرسال التقارير، والتواصل مع المصادر، وتحديد مواقع العمل.

وحين سقط هاتفه الأساسي وتوقف عن العمل، واجه خيارين قاسيين: إما شراء هاتفٍ جديد بأسعارٍ تفوق قدرته، أو محاولة إنقاذ جهازٍ قديمٍ تخلّى عنه قبل سنوات. يصف محمود حالة جهازه القديم بأنه كان شبه ميتٍ وبطاريته تنفد خلال دقائق، ومع ذلك اضطر لإحيائه لتفادي التوقف الكامل لعمله وتأخر وصول الأخبار.

دفع محمود نحو 1200 شيكل لتغيير البطارية ومقبس الشحن والشاشة بقطعٍ تجاريةٍ غير أصلية، وهو مبلغٌ يعادل أجر أسابيع من جهده، أُنفِق لإعادة هاتفٍ قديم إلى الخدمة بعدما خرج من حساباته تمامًا.

ويؤكد عبد العال أن كثيرين غيره يحاولون إصلاح أجهزتهم القديمة بأي ثمن، حيث فقد الناس قدرتهم على شراء هواتف جديدة عند كل عطل، وأصبحوا أكثر تمسكًا بأجهزتهم الحالية سعيًا لإطالة عمرها قدر الإمكان.

وتتخذ الأزمة بُعدًا عائليًّا أعمق في منزل الحاج أحمد السوسي (52 عامًا)، حيث خرجت أربعة أجهزةٍ تخص أفراد الأسرة عن الخدمة تباعًا نتيجة الأعطال المتكررة، ونقص الشواحن المناسبة، والانقطاعات المستمرة للكهرباء.

ومع استحالة شراء أجهزةٍ جديدة، فكّر السوسي في حل استثنائي تمثل في جمع الهواتف التالفة في المنزل والتوجه بها إلى مصلّح هواتف، آملًا في تجميع جهازٍ واحدٍ صالحٍ للاستخدام من بين هذه الأجهزة التالفة. تمكن المصلّح من تركيب شاشةٍ من هاتف الابن، وبطاريةٍ من هاتف الزوجة، ولوحةِ أمٍّ من هاتف أحمد القديم، لينتج عن ذلك هاتفٌ واحدٌ يعمل بحالةٍ متوسطة بتكلفة صيانةٍ وقطعٍ بلغت 900 شيكل.

هكذا، أصبح هذا الهاتف المُرّمَم وسيلة الاتصال الوحيدة للأسرة المكونة من ستة أفراد، يتناوبون عليه على مدار اليوم؛ فالأم تستخدمه للاطمئنان على الأقارب، والأب يتابع الأخبار والشؤون اليومية، والأبناء يتواصلون مع أصدقائهم عند الحاجة، في سابقةٍ لم يتخيلوا يومًا الوصول إليها.

مصلّح الهواتف علي الليلي يراقب داخل محله الصغير هذا التحول المجتمعي بشكلٍ يومي؛ إذ ترد إليه أجهزةٌ قديمة لإعادتها للخدمة، وتُنقل قطعٌ من هاتفٍ إلى آخر، وسط إصرار الزبائن على إصلاح أجهزتهم مهما بلغت التكلفة لتفادي أسعار الهواتف الجديدة التي تفوق قدراتهم.

ويشير الليلي إلى ارتفاعٍ ملحوظٍ في الإقبال على الصيانة، حيث تُجلب إليه أجهزةٌ كانت متوقفةً منذ سنوات يطلب أصحابها إعادتها للعمل. في السابق، كان ارتفاع تكلفة التصليح يدفع الزبون لشراء هاتفٍ آخر، أما اليوم فالغالبية العظمى تتمسك بخيار الإصلاح.

وتتركز معظم الأعطال في الشاشات والبطاريات ومنافذ الشحن والقطع الداخلية، وتنعكس أزمة نقص قطع الغيار وارتفاع أسعارها مباشرةً على فاتورة الصيانة. وتغيرت نظرة الزبائن للهاتف القديم، ليصبحوا أكثر حرصًا على استدامته لأطول فترةٍ ممكنة في ظل تراجع قدرتهم الشرائية.

وعلى الصعيد الميداني، سجلت أسعار الهواتف الذكية في غزة مستوياتٍ قياسية جعلت اقتناءها ضربًا من الخيال. فقد بلغ سعر هاتف "آيفون 17 برو ماكس" نحو 12 ألف شيكل (4 آلاف دولار)، أي ثلاثة أضعاف قيمته الأصلية، في حين تبدأ أسعار الهواتف المتوسطة من "سامسونغ" و"شاومي" من 3 آلاف شيكل (ألف دولار).

هذا الارتفاع الحاد حصر خيارات السكان في الأجهزة المستعملة والقديمة، والتي تُعرض هي الأخرى بأسعارٍ قاصمة لا تتناسب إطلاقًا مع الواقع المالي المتردي. وطالت موجة التضخم عمليات الإصلاح والقطع التشغيلية؛ إذ تجاوزت أسعار شاشات الهواتف المتوسطة حاجز 1500 شيكل (500 دولار)، وتخطت شاشات بعض أجهزة الآيفون 1500 دولار. 

كما أصبحت الملحقات البسيطة عبئًا ثقيلًا، فقفز سعر لاصق الحماية ووصلة الشحن إلى 60 شيكلًا بعدما كان شيكلين فقط، وتجاوز سعر الشاحن العادي 200 شيكل، لتتحول الصيانة بذلك من خيارٍ اقتصاديٍّ بسيط إلى مخاطرةٍ مالية اضطرارية.

ويفسر المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر هذا المشهد موضحًا أن أزمة الهواتف في غزة تتجاوز مسألة ارتفاع أسعار الأجهزة، لتعكس أزمةً أوسع في توفر السلع وقطع الغيار بسبب القيود المفروضة على إدخالها إلى القطاع.

ويؤدي تراجع المعروض بالتزامن مع استمرار الطلب إلى ارتفاعاتٍ حادةٍ في الأسعار، يرافقها انحسارٌ في مصادر الدخل وتراجعٌ في القدرة الشرائية للأسر. تحوّل الهاتف الذكي من سلعةٍ كمالية إلى أداةٍ أساسية للعمل والتعليم والتواصل وتلقي الخدمات، ما يجعل تعطل الجهاز بمثابة شللٍ لجزءٍ من الحياة اليومية للمواطن.

ويلفت أبو قمر إلى أن وصول تكلفة إصلاح بعض الأجهزة إلى مستوياتٍ تقارب أو تتجاوز سعر الهاتف نفسه قد غيّر سلوك المستهلكين، ليوجههم نحو بدائل أقل كلفة كاستخدام قطعٍ من أجهزةٍ تالفة أو اقتناء هواتف مستعملة.

ويرىالمختص الاقتصادي أن ازدهار سوق الصيانة وإعادة التدوير يظهر قدرة المواطنين على التكيف مع النقص، ويكشف في الوقت ذاته عن انهيار القدرة الشرائية، حيث أصبحت الصيانة ضرورةً حتمية تفرضها قسوة السوق.

وهكذا، أصبح تدوير الهواتف المتهالكة في غزة الخيار الأخير الذي يفرضه واقع الحصار وانسداد الأفق الاقتصادي؛ فبين شاشةٍ تُنتزع من جهازٍ تالف وبطاريةٍ تُستعار من آخر، يستميت الغزيّون في ترميم أدوات اتصالهم كأحدّ أشكال الصمود اليومي، للبقاء على قيد التواصل والعمل، في ظل سوقٍ باتت فيها أبسط أساسيات الحياة المعاصرة رفاهيةً بعيدة المنال.