تتوقف تسنيم بعلوشة طويلًا أمام إعلان ظهر على فيسبوك. الكلمات بسيطة ومباشرة: "إن كنت ترغب في عمرة البدل عن شهيد أو عاجز أو متوفى أو مريض، نحن نوفر لك ذلك فقط بسعر 150 شيكل". تقرأه مرة، ثم تعود إليه مرة أخرى، كما لو أنها تحاول اختبار حقيقته، أو ربما اختبار قدرتها على تصديق غياب أخيها.
بعد دقائق من التردد، تقرر التواصل مع الصفحة. أصابعها ترتجف قليلًا وهي تكتب. فكرة أن تصفه بـ "الشهيد" وتوكل عمرة باسمه لم تستقر بعد في داخلها. تسأل عن التفاصيل، عن آلية الدفع، وعن هوية الشخص الذي سيؤدي المناسك. الحذر هنا ليس تفصيلًا؛ فقد حذّرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية مرارًا من محتالين يستغلون مشاعر الناس، ويوهمونهم بأداء العمرة عن أحبائهم بينما يهدفون إلى جمع المال.
تقول بعلوشة إنها لم تُقدم على الدفع إلا بعد تدقيق: شاهدت تسجيلات لمناسك العمرة، واطلعت على شهادة أُرسلت إليها. تقول: "بعد التأكد من هوية الشخص، دفعت المال ليؤدي العمرة عن شقيقي. لم أُخدع"، قبل أن تضيف أن الانتشار الواسع لصفحات "البدل" بات يثير الشك، خصوصًا مع تصاعد التحذيرات الرسمية.

في الأشهر الأخيرة، امتلأت منصات التواصل، وعلى رأسها فيسبوك، بإعلانات تقدم خدمات حج وعمرة البدل، حيث ينوب شخص عن مريض أو متوفى أو عاجز، مقابل مبلغ مالي. الخدمة، من حيث المبدأ، مجازة شرعًا ضمن شروط دقيقة. لكن ما يجري على الأرض يبدو أقل انضباطًا بكثير.
قبل الحرب على غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023، كانت هذه الممارسات تتم تحت إشراف مباشر من وزارة الأوقاف الفلسطينية بغزة. كانت جمعية مكة المكرمة وجمعية دار الكتاب والسنة تقدمان برامج تُراجع رسميًا قبل الإعلان عنها. الأسعار تراوحت حينها بين 600 و700 دينار أردني، مع تسجيل رسمي وإيصالات موثقة، وشهادات تُسلَّم في نهاية الإجراءات باسم الشخص الذي أُديت عنه المناسك. كان النظام، على الأقل، يوفر قدرًا من الشفافية.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة. فقد أعلنت وزارة الأوقاف في غزة حظر العمل بنظام "حج وعمرة البدل"، في ظلّ تعذر سفر السكان إلى السعودية. القرار جاء بعد شكاوى متزايدة من صفحات وهمية تستغل مشاعر ذوي الشهداء عبر إعلانات مضللة. وتقول الوزارة إن المقاطع الترويجية والشهادات المتداولة "لا تخضع لأي رقابة رسمية"، ولا تعكس التكاليف الحقيقية للمناسك.
ياسر عدوان يروي تجربة عائلية مشابهة. جدته، غير القادرة على السفر بسبب المرض والظروف، قررت أداء العمرة بالإنابة عن نفسها وعن زوجها المتوفى. وبعد بحث اختارت شخصًا فلسطينيًا يقيم في السعودية ويتخذ من هذه الخدمة مصدر دخل. يقول: "وصلتنا صور ومقاطع تؤكد أداء العمرة، ودفعنا 250 شيكل عن كل شخص". لكن ما أثار شكوكه لاحقًا هو "الانتشار اللافت" لإعلانات مشابهة، ما جعله يشعر أن الأمر "أقرب إلى تجارة".

هذا الانطباع يتكرر في شهادة رغدة عبد الحميد، التي بحثت عن جهة موثوقة لأداء عمرة عن والدها المتوفى. تقول إن الظاهرة ليست جديدة، لكنها كانت أكثر تنظيمًا قبل الحرب على قطاع غزة. الآن، تضيف: "كثيرون لا يؤدون المناسك كاملة. يكتفون بصورة بملابس الإحرام، بينما لكل نسك سعره".
وتستعيد قصصًا سمعتها سابقًا: أشخاص يتقاضون المال من عدة عائلات بحجة أداء الحج عنهم جميعًا، ثم يؤدونه عن شخص واحد فقط. أو يوكلون المهمة لعمال من جنسيات أخرى مقابل أجر زهيد، بينما يحتفظون ببقية الأموال. تقول: "كل شخص يُوهم بأنه هو من أدى الحج عنه".
غياب الإشراف الرسمي، وفق عبد الحميد، فتح المجال أمام من يحولون هذه الخدمة إلى تجارة. تردف: "البحث عن جهة موثوقة أصبح أصعب، ويجب أن يكون للوزارة دور في ضبط هذا الملف".
في المقابل، يقدم بدر أبو طعمية وهو فلسطيني مقيم في السعودية، رواية مختلفة. يقول إنه يمارس عمرة البدل كمصدر دخل محدود يساعده على العيش في الغربة، لا بهدف "التكسب المفرط". ويؤكد أنه يزوّد عملاءه بأدلة توثق أداءه للمناسك. لكنه يؤكد انتشار صفحات "تتاجر" بالخدمة، وهو أمر يراه مرفوضًا.

عند سؤال وزارة الأوقاف عن الإجراءات المتخذة، يقول مدير عام الحج والعمرة في الوزارة رامي أبو ستيتة إن هذه الظاهرة تتكرر سنويًا قبيل موسم الحج، عبر إعلانات ممولة تتغير مسمياتها باستمرار، ما يصعّب تتبعها وضبطها. ويضيف أنه قبل الحرب كانت الوزارة تتعامل مع شكاوى وتُحيل بعض الحالات إلى النيابة، إلا أن القصف الذي طال مقر الوزارة عطّل المتابعة بشكل كبير.
ويؤكد أبو ستيتة أن الوزارة تحاول الحد من انتشار هذه الإعلانات عبر جمعها والتواصل مع منصات النشر وبث تحذيرات عبر الإذاعات المحلية، لكنه يوضح أن القدرة على السيطرة تبقى محدودة، في ظل صعوبة الوصول إلى الجهات التي تقف خلف هذه الصفحات، والتي يُعتقد أن العديد منها يُدار من خارج قطاع غزة.
هذا العام، يضيف أبو ستيتة، لوحظ إصرار كبير من جهات للوصول إلى المواطنين، مستفيدة من ارتفاع أعداد الشهداء وما يرافقه من رغبة لدى العائلات في أداء المناسك عنهم. وتتراوح الأسعار الحالية بين 100 و300 شيكل للعمرة، وبين 1500 و1700 شيكل للحج مع الهدي، وهي أرقام تختلف جذريًا عن التسعيرات السابقة، فيما يجعل غياب الإيصالات الرسمية من الصعب تقدير حجم هذه السوق.
ويشير إلى أن الوزارة تواصل جمع الإعلانات المنتشرة، والتواصل مع منصات النشر، إضافة إلى بث تحذيرات عبر الإذاعات المحلية حول أساليب الاحتيال، داعية المواطنين إلى عدم التعامل مع أي جهة غير موثوقة.
في غزة، حيث أُغلقت المعابر للعام الثالث على التوالي، ولم يعد السفر ممكنًا لأداء المناسك، يبحث كثيرون عن بدائل روحية. لكن هذا البحث، في سياق هش ومثقل بالفقد، يفتح الباب أيضًا أمام استغلال منظم، حيث تتحول الحاجة الدينية إلى سوق غير خاضعة للرقابة، وتُختبر فيها حدود الثقة بين الإيمان والاحتيال.