في ساحة "جامعة الأزهر" غرب مدينة غزة، التي تحوّلت إلى مركز إيواء مكتظّ بالنازحين، تجلس مرام عوكل (35 عامًا) داخل خيمة نزوح تضيق بتفاصيل حياة قسرية لعائلات فقدت منازلها واستقرت في الخيام بدلًا منها. هنا، يعيش الناس يوميات يطحنها الانتظار الطويل للحصول على أبسط مقومات البقاء.

وسط هذا الضجيج الخانق، يبدو الحديث عن "آليات الشكوى" خارج السياق، كأنه سؤال تائه في زحام الأولويات الطارئة ولا يجد مكانه بين هذا الكمّ من الضغط اليومي.

عندما سُئلت عوكل إن كانت قد فكرت يومًا في تقديم شكوى، توقفت لثوانٍ، ثم ردّت بسؤال يعكس حجم الفجوة بين الواقع وما يُفترض أن يكون: "شكوى؟… إلى مَن؟".

تقول مرام إنها لم تتلقَّ أي توجيه حول وجود نظام رسمي للشكاوى داخل المركز، ولم تُخبر بوجود صناديق مخصّصة، أو أرقام تواصل، أو جهة يمكن أن تتلقى ملاحظات النازحين أو تتابع احتياجاتهم. 

وعند مدخل الموقع، تتجلى مفارقة لافتة؛ حيث تتدلّى لافتة ملوّنة لشبكة "سوا" بوصفها نقطة "للتواصل والاستفسار والحماية"، تمرّ مرام أمامها يوميًا، لكنها لا تتعامل معها كقناة فعلية للحماية، بل كعنصر بصري لا يترجم إلى خدمة ملموسة. 

وتوضح أن هذا الغياب يتجاوز مجرد نقص المعلومات الإجرائية حول كيفية التظلم؛ ليمتد إلى شعور عام ومحبط بأن صراع البقاء وتأمين الاحتياجات الأساسية الطارئة يستنزفان كل جهد، مما يزيح فكرة الاعتراض أو تقديم الشكوى تماماً عن قائمة الأولويات.

وعلى الرغم من وضوح هذه القنوات في اللافتات داخل مراكز الإيواء، إلا أن التجربة العملية تشير إلى فجوة في الاستجابة، ففي محاولة للتحقق من فعالية هذه القنوات، تواصلت معدّة التقرير مع مؤسسة سوا عبر الرقم المجاني (164)، حيث تم الإبلاغ عن الموضوع، قبل أن تُوجَّه إلى قسم العلاقات العامة عبر رقم آخر؛ إلا أنه، وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يتم تلقي أي رد.

وعلى مقربة من طوابير النازحين أمام صهريج مياه في المكان نفسه، تقف أماني اللولو (40 عامًا)، التي لا تنظر إلى ما يجري داخل المركز بوصفه أحداثًا منفصلة، بل كنظامٍ هشّ قد ينعكس أي خلل فيه مباشرة على استقرار عائلتها.

وعندما سُئلت عن سبب عدم لجوئها إلى أي جهة رسمية لتقديم شكوى، لم تُرجع الأمر إلى غياب المعرفة، بل إلى الخوف الذي يرافقها في كل تفصيل، وتقول: "أنا أعرف أن هناك جهات يمكن أن أشتكي لها، لكن الخوف حاضر دائمًا؛ لو تحدثت أو اشتكيت، مَن يضمن ألا تنعكس كلمتي عليّ؟ مَن يضمن ألا أفقد المساعدة أو أتعرض لمضايقة في مكان الإقامة؟".

وتضيف اللولو: "أعرف أن هناك جهات يُفترض أنها مخصّصة للاستماع، لكنني أرى الشكوى خطوة غير محسوبة العواقب. نحن نعتمد على استمرار المساعدة لتأمين الحد الأدنى من الحياة، وأي اعتراض قد يُفهم كأنه تهديد غير مباشر لاستقرار عائلتي".

أما آمال الصافي (25 عامًا)، فيتخذ الصمت لديها شكلاً أكثر تعقيدًا، لا يرتبط فقط بالخسارة المحتملة، بل بما قد يرافق الشكوى من كلفة اجتماعية يصعب احتمالها. 

تجلس الصافي في ممر ضيق داخل مركز الإيواء، تراقب تفاصيل يومية لا تُسجَّل في قوائم الاحتياجات، لقول: "حتى لو اشتكيت من يضمن أن يبقى الأمر سريًا؟ هنا، كل شيء يُقال يمكن أن ينتشر بسرعة، والشكوى قد تتحول إلى حديث بين الناس".

وتضيف: "أنا لم أشتكي لخوفي من النتيجة فقط، بل لأنني أحمل عبء الطريق نفسه؛ فالشكوى تحتاج إلى وقت ومتابعة، ونحن بالكادّ نلاحق يومنا، كثيرون حاولوا قبلنا، ولم يتغير شيء يُذكر".

رغم تعدد قنوات الشكاوى المعلنة، تكشف بيانات UNICEF أن 86,605 تفاعلًا سُجّلت عبر آليات التغذية الراجعة منذ مطلع عام 2025، مقابل4,766  شكوى فقط خلال شهر أغسطس، وذلك وفق تقرير Humanitarian Situation Report – State of Palestine (August 2025)، ما يشير إلى فجوة واضحة بين التفاعل العام واستخدام قنوات الشكاوى الفعلية.

كما تُظهر البيانات أن الغالبية تتواصل للاستفسار أو طلب المساعدة، لا للإبلاغ عن مشكلات أو انتهاكات، ما يعكس ترددًا في استخدام آليات الشكوى رغم توفرها. وما تعكسه هذه الأرقام يتقاطع بوضوح مع شهادات النازحين؛ إذ لا يبدو غياب الشكاوى دليلاً على الرضا، بقدر ما يعكس عوائق خفية تحول دون الوصول إلى هذه القنوات.

هذا التراجع يفتح ملفًا قانونيًا يتعلق بحقوق النازحين وضمانات حمايتهم. المحامي أمير مسلم يؤكد أن آليات الشكاوى ليست خيارًا إضافيًا بل جزء أساسي من منظومة الحماية، مشيرًا إلى أن المبادئ الإنسانية والمعايير الدولية تضمن حق الأفراد في تقديم الشكاوى في بيئة آمنة وسرية دون خوف من الانتقام. 

ويوضح المحامي مسلم: "أن الجهات المشرفة على مراكز الإيواء تلزم بتوفير قنوات آمنة وسرية لتلقي الشكاوى، مع ضمان عدم تعرّض أي شخص لأي شكل من أشكال الانتقام أو التمييز نتيجة تقديمه بلاغًا".

بدورها تشير الأخصائية النفسية والاجتماعية أنوار أبو زايدة أن الصمت لا يعني غياب المشكلات، بل هو استجابة لضغوط معقدة، وتقول: "الصمت غالباً ما يكون نتيجة الخوف، وفقدان الثقة، والإرهاق النفسي، إلى جانب شعور متزايد بعدم الجدوى". 

وتضيف أبو زايدة: "عندما يخشى النازح أن تؤثر الشكوى على حصوله على المساعدة، فإنه يختار الصمت كاستراتيجية حماية".

وتُنبّه إلى أن البيئة داخل مراكز الإيواء تعزّز هذا السلوك، موضحة أن غياب الخصوصية والخوف من الوصمة يدفعان كثيرين لتجنّب التبليغ، حتى يتحول الصمت مع الوقت إلى سلوك شبه طبيعي.

في مراكز الإيواء، لا يبدو غياب الشكاوى مؤشرًا على رضا، بقدر ما يطرح تساؤلات أعمق حول فعالية منظومات الحماية وآليات الاستماع المعلنة. فبين يافطات تُشير إلى وجود قنوات للتواصل، وواقع لا يعرف كثيرون كيف يصل إليها أو يثق بها، تتسع الفجوة بين ما هو مُعلن وما هو مُمارس فعلياً. يبرز هنا أسئلة لا تخص النازحين وحدهم، بل الجهات المشرفة على إدارة مراكز الإيواء: هل تُستخدم آليات الشكاوى كأدوات حماية فعلية، أم كإجراءات شكلية لا تصل إلى من يحتاجها؟