مشيت قبل قليل بجوار طفلين يتحدثان عن تجربة مجنونة.. كنا نسير بجوار مقبرة.. كانا يضحكان ويرقصان حافيين! دخان نار يتصاعد من باب خيمة.. وضوءٌ خافتٌ لم أتبين مصدره... وهما يرقصان حافيين ويضحكان.. لم يكن المشهد منطقيًّا البتة.. لا سَيري هنا في هذه الساعة المتأخرة وحدي بجوار الطفلين.. ولا رقصهما المجنون ولا مشيهما حافيين ولا حديثهما معي بلا سابق معرفة.. كل شيءٍ بدا غريبًا كأنه حلم أو لوحة سريالية.
قال الطفل: كيف اجَتنا الجرأة؟
وقالت الطفلة: كيف اتجرأنا؟!!
قال الطفل: مشينا من نص المقبرة من هنا.. شايف يا عمو!! من هنا!
هل يخاطبني؟
نعم! لم يكن أحد غيري يمشي بجوارهما تحت هذا الظلام..
كنت أحمل حقيبتي عائدًا من عملي.. أفكر في مجريات نهار العمل الطويل الصاخب جدًّا.. لا سعيدًا بأن شاحناتنا اليوم وصلت بالمساعدات إلى الناس بلا نهب.. ولا حزينًا لأنني أعيش وحيدًا منذ عامين! لا شيء من هذا كله.. فقط أحصي انتصارات اليوم وهزائمه ومعارك العمل ومستوى الصداع.. مثل حاسوبٍ قديم.. باردَ الشعور متعادلًا كأنني ذرّةٌ ملت كل التفاعلات وقررت التخلي عن مدارها الأخير.. الناقص.. الذي يجلب المتاعب! لا شيء يؤلمني ولا شيء يبهجني!! هكذا كهذه المقبرة.
وكدت أتخطى الطفلين لولا أن الصبي كلمني.. كنا نسير في الاتجاه ذاته.. أنا على يسار الطريق.. بجوار سور المقبرة المهدوم.. وهما على يمين الطريق.. بجوار مبنى مقصوف.. ينتعلان التراب وأنتعل حذاءً قديمًا.. يلبسان ملابس رثة وألبس وجهًا ليس لي.. لأنني تركت وجهي في غزة قبل عامين.
وقالت البنت: اه والله يا عمو.. الجوع كافر!
قال الطفل: وابن كلب الجوع!! بيخليك تمشي من نص المقبرة في نص الليل عشان تجيب نص كيلو طحين.
وقالت البنت: بس خبزنا ليلتها وأكلنا..
وقال الطفل: اه والله يا عمو.. أكلنا.
ثم صار يرقص.. ذلك المجنون! وأخته صارت تضحك بلا وعي! ثم رقصَتْ معه! وسبَقاني على الطريق..
أخبراني بما قالا ولم ينتظرا ردًّا.. فقط ركضا ورقصا.. وتركاني أعرج على ركبة تؤلمني في البرد وتعطيني إجازة من الألم في الصيف.. عكازي تساؤلاتي.. ويدفعني من الخلف خوفي من أن يكون هذان شبحين من أشباح المقبرة.. أو طفلين هربت روحاهما من تحت ركام المبنى المكوم على يمين الطريق خلعا هيكليهما العظميين وهربا يرقصان أمامي حافيين!
وضاعا من ناظريَّ في الأفق المظلم.. وتساءلت لماذا رمى الخالق في طريقي هذا الحوار وتركني؟ ولماذا تركني الطفلان؟ لماذا كنت في هذا المشهد مجرد كومبارس أمام تساؤلات البطل والبطلة؟ ألهذا الحد أنا سخيف؟ وبلا قيمة في مملكة الخالق المهدومة والمهزومة هذه؟ إن طفلين على هذا الطريق لم ينتظرا جوابي على سؤالهما!! سخيفٌ أنت أيها الكهل.. بكل ما تعرف وما لا تعرف! وتستحق ذلك.. أنت تنتمي إلى جيلٍ لم يستطع أن يحمي طفلين من السير في مقبرة في الليل هربًا من الجوع! كم أنت سخيف يا صديقي.. بهذه الحقيبة الثقيلة الممتلئة بالعلم والتفاهات!!
سخيف.. أنت.. جدًّا..
لقد تجاوزَك الطفلان وهما يرقصان.. ولم ينتظرا جوابك..
وفارغٌ أنت.. ككل جيلك.. وككل من سمحوا لهذا الموت بأن يعيش بيننا حتى اليوم.