ذات نهارٍ دامٍ، مثقلٍ بالانفجارات وأوامر الإخلاء الإسرائيلية، خاطر والد منة الخطيب بنفسه ليعيد لابنته حقيبتها الدراسية من منزلهم المتهدم جزئيًا، وسط تحليق الطائرات فوق رؤوسهم. كانت الأرض تهتز مع كل انفجار، لكنّه ظلّ مركزًا على الحقيبة التي تركتها منة داخل البيت، كأنّها مفتاح حلمٍ مستحيل في قلب غزة. بخطوات متوترة، انتزعها من بين الركام وعاد بها متحديًا الموت نفسه.

منة الخطيب، الحاصلة على معدل 99% في الفرع العلمي، تشبثت بدفاترها المكتوبة بخط يدها، ترافقها في كل نزوح. في إحدى المرات، خرجوا من البيت بأرواحهم فقط، بلا كتب، ودخلت في حالة انهيارٍ كامل. تقول الفتاة التي كانت منذ طفولتها تحلم بدراسة الطب البشري: "عاد والدي إلى البيت في المنطقة الأكثر خطورة من أجل حقيبة الكتب. قد يبدو ذلك جنونًا، لكننا عائلة تقدّس العلم".

لكن الواقع كان قاسيًا: حتى مع هذا التفوق، تجد منة نفسها اليوم على مقاعدٍ هشة. الدراسة في الجامعات المحلية لا تلبي طموح كل المتفوقين، ومعابر السفر مغلقة أمام الدراسة بالخارج، فتظلّ أحلامها مُعلَقة بلا فرصة لتحقيق ما تصبو إليه.

على نحوٍ مماثل، تواجه لين المبحوح، الحاصلة على معدل 99% في الفرع العلمي الأزهري، واقعًا مريرًا. تكيفت مع حياة اليتم والفقد في خيمة على رصيف النزوح، لكنّ الظروف المادية حالت دون حصولها على مقعد في دراسة الطب في الجامعات المحلية، وأبواب السفر مغلقة أمامها. كل خطوة نحو الدراسة تعيشها اليوم كصراع مع الزمن والقيود، ومعادلة الحرب والحصار.

التجربة نفسها عاشها التوأم عبد العزيز وشذى شهاب، اللذان نزحا أكثر من خمس عشرة مرة، ومعهما حقيبة الكتب المشتركة. 

يقول عبد العزيز: "عشنا في أماكن لا تصلح للعيش، فكان خيار الدراسة صعبًا. في إحدى أماكن النزوح، كنا سبع عائلات داخل مخزن واحد. لا متسع للدراسة نهارًا، وبحلول الليل نخرج للدراسة أمام المخزن حتى الفجر". ومع كل نزوح، اضطروا لدراسة المنهاج عبر الهاتف، بالتناوب بينهما، دون أي ضمان للجامعة أو السفر.

وفي الخيمة، أكملا الشقيقان الدراسة، والحلم يرافقهما بلحظة النجاح بتفوق. وبعد عامين من الشقاء، جاءت النتائج: عبد العزيز 90.7%، وشذى 96.3%؛ لكنّ الفرحة اختلطت بصدمة الواقع: لا جامعة، لا فرصة للسفر خارج غزة.

جنى يونس، متفوقة في الثانوية العامة بمعدل 99.1%، كانت على أعتاب حلم دراسة الطب، لكنها صُدمت عند التسجيل، تشرح: "لم أحصل على منحة دراسية، وليس بقدرتنا دفع آلاف الدولارات". 

كانت الكتب بالنسبة لها كنزًا صغيرًا ترافقها في كل نزوح، لكنها اليوم تنتظر معجزة لتحقيق حلمها، في ظلّ واقع يحاصر الطموح. تردف: "أنا محبطة، رأسي يؤلمني من كثرة التفكير. كنت على أعتاب خطوة من حلم الطفولة، وفجأة هُدمت أحلامي".

أما ندى الطويل، الحاصلة على معدل 98.3%، اضطرت للتكيف مع الواقع، فاختارت دراسة الهندسة في الجامعة الإسلامية، رغم شغفها بالطب: "حاولت أن أكون مرنة مع حلمي، وإن حصلت على منحة للطب مستقبلًا، سأحرك الدفة نحو حلم العمر".

تعكس الإحصاءات الرسمية حجم الأزمة، تقدّم حوالي 56 ألف طالب وطالبة في الثانوية العامة الإلكترونية لعامي 2006 و2007، نجح في الدفعة الأولى 26 ألفًا، وفي الثانية 31 ألفًا. مع ذلك، لم تُتاح الفرصة للجميع للتسجيل في الجامعات بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، وعشرات الآلاف من المتفوقين علقوا بلا خيارات تعليمية أو مستقبلية.

وفق تقديرات محليّة، يواجه عدد كبير من المتفوقين في قطاع غزة صعوبة بالغة في الحصول على مقعدٍ جامعي، بينما لا تزال القدرة الاستيعابية للجامعات المحلية محدودة مقارنة بعدد الطلبة المتقدمين؛ ما يخلق فجوة كبيرة بين التفوق الأكاديمي والفرص التعليمية المتاحة.

المختص الاجتماعي والنفسي عرفات حلس، يشير إلى أنّ هذه القصص الفردية تعكس سياقًا اجتماعيًا أوسع، إذ تواجه غزة اليوم حربًا مستمرة منذ سنوات، حصارًا اقتصاديًا خانقًا، وانهيارًا هائلاً في قطاع التعليم ومنظومته، فغالبية المدارس دُمِّرت وما تبقى يعمل تحت ضغطٍ شديد، والجامعات غير قادرة على استيعاب العدد المتزايد من المتفوقين، والمعابر المغلقة تحول دون الوصول إلى فرص الدراسة في الخارج.

ويؤكد حلس على أنّ الطلبة المتفوقين يعانون من ضغوط نفسية هائلة بسبب اليأس من المستقبل، معاناة النزوح المتكرر، وفقدان الدعم الأكاديمي، ما يؤثر على صحتهم النفسية ويضعهم أمام معادلة مستحيلة بين التفوق والطموح والواقع المحاصر.

تحت وطأة هذه التحدّيات يواجه طلبة قطاع غزة مصيرهم ليسوا كضحايا حربٍ فقط؛ بل أيضًا ضحايا انعدام الفرص والتعليم المستدام، حيث تصبح أحلامهم محاصرة بين الجدران والحواجز والمعوقات المالية.

وفي ضوء هذه الأزمة، يشير مراقبون إلى ضرورة إنشاء برامج منح دراسية محلية ودعم الجامعات، بالإضافة إلى فرص للتعليم الإلكتروني والتعاون مع جامعات خارج غزة، لتوفير بدائل حقيقية للطلاب المتفوقين وتمكينهم من متابعة تخصصاتهم الأكاديمية.

في قلب كل نزوح، وكل انفجار، وكل يوم يمر بلا فرصة، تتجسد مأساة هؤلاء الطلاب: المتفوقون الذين قضوا سنوات في الكفاح تحت النار والبارود، والآن يجدون أنفسهم على مقاعد هشة، عاجزين عن الوصول إلى التخصصات التي حلموا بها منذ الطفولة. فيما يبقى السؤال معلقًا: لماذا لا توجد آليات دعم واضحة للطلبة المتفوقين، صندوق للمنح، أو برامج للتعليم خارج القطاع؟ لماذا تنهدم أحلامهم بهذه البساطة، رغم كل معجزة التفوق التي حققوها؟