كانت لينا تجلس كلَّ مساءٍ قرب نافذتها، تنظر إلى الشارع الصغير الذي يمرّ أمام بيتها.
الشارع هادئ… أكثر مما يجب.
كأنّ الحياة تتردّد في الاقتراب منها.

لكن داخل رأس لينا، لم يكن هناك هدوءٌ أبدًا.
كان هناك عالمٌ آخر؛ عالمٌ يمشي فيه الناس بثقة، وتحدث فيه الأشياء كما يجب، وتُقال فيه الكلمات في وقتها الصحيح.

في خيالها، كانت لينا جريئة؛ تُحب بلا خوف، وتختار بلا ارتباك، وتغادر حين يُؤذيها أحد.
في خيالها، كانت الحياة أوسع، والأيام أكثر عدلًا، والقلوب أكثر صدقًا.

لكن في الواقع؟
كانت لينا تتردّد قبل أن تُبدي رأيها، تخشى أن تُزعج أحدًا بوجودها، وتنتظر من لا يأتي، وتبتلع كلماتٍ كثيرة كي لا تنكسر أمام أحد.

كانت تعرف أنّها تُحب عالمها الداخلي أكثر…
وتعرف أنّ هذا ليس ذنبها.

في إحدى الليالي، سألت نفسها بصوتٍ منخفض:
"ليش بخاف من الواقع، وأنا قوية بخيالي؟"

لم تُجب.
لكنّها شعرت بشيءٍ يتحرّك في داخلها، كأنّ جدارًا خفيفًا بين العالمين بدأ يتشقّق.

تخيّلت نسخةً منها -النسخة التي تعيش في خيالها - تقف أمامها.
كانت تشبهها، لكنّها أكثر نورًا، وأكثر صدقًا، وأكثر شجاعة.

قالت النسخة لها:
"أنا مش موجودة عشان أبدّلك…
أنا موجودة عشان أعلّمك كيف تصيري قريبة منّي."

سكتت لينا.
كانت، للمرّة الأولى، تفهم أنّ الخيال ليس مدينةً للهروب، بل بلدٌ مؤقّت نتعلّم فيه كيف نصنع واقعًا جديدًا.

في اليوم التالي، خرجت من البيت.
خطوةٌ صغيرة، لكنها بدت كأنّها أوّل خطوة في الحياة.
لم تتغيّر الدنيا فجأة…
لم تظهر معجزات…

لكن شيئًا في قلبها أصبح واضحًا:

إنّها تريد أن تعيش، لا أن تُشاهِد.

وفي تلك اللحظة، أدركت لينا الحقيقة التي تجاهلتها طويلًا:
نحن لا نحبّ الخيال لأنّه أجمل…
بل لأنّه يرسم لنا طريقًا يمكن -لو تجرّأنا - أن نمشيه في الواقع.

ابتسمت لينا لنفسها، ومشت.
لم تكن تعرف إلى أين، لكن هذه المرّة كانت تمشي في شارعٍ واحد فقط:
شارعٍ تلتقي فيه هي… مع نفسها الحقيقية.