في حيّ القصاصيب بمخيم جباليا، شمال قطاع غزة، تضمّ هيا بشبش طفليها إلى صدرها كل مساء، محاولة عبثًا أن تعزل آذانهما الصغيرة عن دويّ الانفجارات التي تتردّد قبالة بيتها الآيل للسقوط. وحين يتصاعد صوت الرصاص من الطابق العلوي، يتكثف الخوف أكثر.

تنام الأسرة كل ليلة على احتمال ألّا يبقوا أحياء حتى الصباح، وأن تباغتهم شظية أو رصاصة طائشة. لم يبقَ الخطر حبيس التوقع طويلًا؛ إذ أصابت رصاصة جارتهم التي تقيم في خيمة قريبة، لتخرج المخاوف من حيّز الهواجس إلى واقع يومي ملموس.

عادت بشبش إلى منزلها في أكتوبر الماضي، عقب وقف إطلاق النار. رمّم زوجها ما تبقّى من البيت، وثبّت دعامات مكان الدرج الذي دُمّر. أصلحوا غرفة واحدة فقط، عاشوا فيها مع طفليهما يامن وشام. لكنهم، رغم ذلك، يواجهون الموت يوميًا؛ فما يمنعهم من مغادرة البيت هو قسوة حياة الخيام، خاصة في هذا الشتاء القارس.

تقول بمرارة: "نزحنا 16 مرة. مللتُ النزوح وعذاباته. حين وجدتُ أعمدة البيت ما زالت واقفة حمدتُ الله. اليوم نعيش فيه، لكننا نعاني لتأمين أبسط الاحتياجات. زوجي يتجه يوميًا إلى السوق، يمشي قرابة ساعتين يقطع خمسة كيلو متر لشراء مستلزماتنا. لا يوجد مواصلات، والمنطقة كلها ركام".

في الأسبوع الأول من عودتهم، كانت عائلة بشبش من أوائل من عادوا إلى منطقة لا تصلح للعيش الآدمي. لم يكن هناك شحن للهواتف ولا مياه. تردف: "كأننا في الصحراء. بعد فترة عاد بعض الجيران ونصبوا خيامهم أمام ركام البيوت، لكن ذلك كان مغامرة بالحياة. مع أول منخفض شتوي غرقنا، وطفحت مياه الصرف الصحي في الشوارع".

تستعيد السيدة ليلة باغتتهم فيها الدبابات فجأة. الرصاص كان يتناثر حولهم، والانفجارات تشلّ القلوب، والدخان يملأ المكان. تروي: "توقعت أن نموت بقذيفة، ولم أصدّق حين رأيت نور الصباح ونحن بخير".

وعلى امتداد ما يُعرف بـ الخط الأصفر يعيش آلاف الغزيين حالة رعب دائم. هذا الخط تم تحديده بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، كحدود ميدانية لوقف التصعيد، ووُضعت علامات صفراء لتحديده. ومع أن الهدف كان حماية المدنيين، فإن استمرار إطلاق النار على المنازل، وعمليات الهدم والاقتحام، جعل العيش قربه بمثابة انتظار دائم للموت.

بالقرب من هذا الخط تعيش عائلات فلسطينية في ظروف إنسانية بالغة الخطورة. بقايا منازلهم وخيامهم تتعرض لإطلاق نار مباشر، وقصف متكرر، وعمليات هدم مفاجئة دون أي إنذار. ومع غياب البدائل، يضطر كثيرون للبقاء، ليصبحوا أسرى الخوف، ينامون على أصوات الانفجارات ويستيقظون على احتمال الموت في أي لحظة.

فاطمة الحرثاني تسكن في منطقة السنافور بحي التفاح شمال قطاع غزة، بمحاذاة شارع صلاح الدين. الحركة بالنسبة لها صعبة بسبب الدمار الكبير في الحواصل والمخازن التي تقيم فيها.

في طريق عودتها إلى مكان نزوحها، تقول: "بحلول العصر أعود إلى البيت، ولا أستطيع التحرك ليلًا أبدًا. أن تتقيّد حركتك بساعة معينة أمر مزعج جدًا. الطائرات تحلق فوقنا باستمرار، ويُسمع إطلاق النار على منطقتنا، لذلك أحاول أن أحافظ على حياتي".

ليلًا، تسمع أصوات الانفجارات وتقدم الدخان، وما يؤرقها أن تستيقظ يومًا لتجد نفسها داخل حدود الخط الأصفر، وأن تصبح المغادرة قسرية ولا خيار فيها.

في مشهدٍ مشابه، يقف ديب الفيومي داخل خيمته عند مفترق حيّ الشجاعية شرق مدينة غزة، عاجزًا عن الحركة. ينظر إلى وجوه أطفاله، بينما تسقط رصاصة بالقرب منهم.

يقول بأسى وهو يسير على قدميه لتلبية احتياجات أسرته: "نحن نعيش في منطقة لا أمان فيها. يمكن أن نموت بأي لحظة. لا أملك مكانًا بديلًا أنقل إليه خيمتي، وحتى إن وجدت، لا أملك أجرة النقل".

يعانقه ابنه الأكبر، البالغ خمس سنوات، ويضيف: "يرتعب أولادي من أصوات الانفجارات. كلما سقطت رصاصة قرب الخيمة، يركضون إلى الداخل، يظنون أن قماش الخيمة سيحميهم".

العيش على تخوم الخط الأصفر يترك أثرًا نفسيًا بالغًا على سكانه. القلق الدائم، اضطرابات النوم، والشعور المستمر بعدم الأمان باتت سمات يومية.

يقول المختص الاجتماعي عرفات حلس إن القاطنين قرب الخط يعيشون أوضاعًا إنسانية ونفسية شديدة القسوة: "هم في ظروف معيشية سيئة، خصوصًا مع الأمطار والبرد، ويعانون فقرًا حادًا في المساعدات الغذائية، فضلًا عن قربهم المباشر من الخطر".

يوضح حلس أن هذه الفئة من الأكثر هشاشة، إذ تعيش مخاوف مرتبطة بالحركة اليومية، لا سيما النساء اللواتي لا يستطعن التنقل بشكل طبيعي، في ظل حياة يسودها القلق والخوف. ومع غياب بدائل آمنة، يضطر السكان للبقاء في مناطق الخطر.

من واقع عملها، تشير المختصة النفسية علا وادي إلى أن العيش قرب دائرة الخطر قد يفضي إلى اضطرابات نفسية، أبرزها اضطراب الهلع، الذي يؤثر في دقات القلب والتنفس. وتضيف أن كثيرين ممن يتعرضون لانفجارات عنيفة أو يفقدون أشخاصًا أمام أعينهم يصابون بصدمة نفسية حادة، ما يستدعي تدخلًا متخصصًا.

الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا، كما تؤكد وادي، إذ تظهر عليهم أعراض نفسية وسلوكية مثل التبول اللاإرادي، ومصّ الأصابع، وتغيرات في السلوك كالعزلة أو العدوانية.

ولا تتوقف معاناة القاطنين على تخوم الخط الأصفر عند حدود الخوف اليومي. الحركة مقيدة، الأضواء العالية محظورة، والمشي ليلًا ترفٌ مستحيل. الرصاص وأصوات الانفجارات العنيفة تجرّهم إلى نوبات هلع متكررة.

يقولون إنهم لم يشهدوا مثل هذه الأصوات طوال الحرب، ويرجّحون أن حدّتها تعود إلى تدمير الأبنية القريبة، ما جعل صدى الانفجارات أعلى وأقسى. ويبقى سؤالهم معلّقًا في الهواء: إلى متى سنظل تحت وقع الموت؟ وهل سنقضي ما تبقّى من حياتنا في انتظار تقدم القوات نحونا؟