في ممرات مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، تتعاقب الحالات بسرعة كبيرة، إذ يهرع المرضى واحداً تلو الآخر إلى الطوارئ، يحملون في أجسادهم شيئاً لا يمكن وصفه إلا بأنه غامض، أو ما يصفه الأطباء بـ "فيروس مجهول".
منذ أسابيع، تتصاعد الحالات غير المعلومة المصدر، وتُسجل وفيات يومية، بينما يتدافع الناس إلى أقسام الطوارئ في قطاع يكاد ينهار صحيًا وإنسانيًا. هنا، لا يأتي الناس بحثًا عن دواء، بل عن إجابة، عن تشخيص، عن بصيص أمل.
وفي هذا الزحام، يروي المرضى قصصهم بقلوبٍ مثقلة. "نادية" امرأة في الثلاثينيات، تترنح بين الحرارة المرتفعة والسعال، تقول: "أشعر أن جسدي يحترق. السعال والألم في الصدر لا يتركني، والأعراض تزداد منذ أسبوعين، وكل يوم أضعف أكثر، ولا أحد يخبرني ما الذي أصابني".
وفي قسم الأطفال، يصف والد "أمجد" طفل في السادسة من عمره رحلة البحث عن علاج بلا جدوى: "أخذت ابني إلى عدة مراكز صحية، لكنهم لم يجدوا تشخيصًا واضحًا. الآن لا يستطيع التنفس جيدًا، وقلبي يتوقف كلما رأيته يتألم".
أما شاب في العشرينيات، فيقول بصوتٍ متهدج: "لا أستطيع حتى أن أشرح ما أشعر به. حرارة مرتفعة، وألم في الرئة، وأحيانًا دوار شديد. أعود إلى البيت لأجد أن أخي يعاني من نفس الأعراض، وأخواتي كذلك… كأن الفيروس يزور كل منزل."
يقول مدير مجمع الشفاء، الدكتور محمد أبو سلمية، إن غزة تمر بمرحلة صحية وإنسانية "هي الأقسى منذ بدء الحرب المستمرة أكثر من عامين"، محذرًا من انتشار واسع لفيروس غامض يطال "كافة منازل القطاع دون استثناء".
وفي الوقت الذي تعجز فيه الفرق الطبية عن تحديد طبيعة المرض بدقة، يشير أبو سلمية إلى أن الطواقم الطبية عاجزة عن تحديد ماهية هذا الفيروس بسبب النقص الحاد في التحاليل المخبرية والمعدات التشخيصية.
ويضيف أن المرض يمتد لفترة إصابة أطول مما هو معتاد -حوالي أسبوعين- مع ارتفاع حاد في الحرارة وآلام مبرحة والتهابات رئوية حادة، ما يزيد الضغط على الطواقم والمستشفيات. ويؤكد أن القطاع سجل حالات وفاة يومية تشمل شبابًا ونساء حوامل وأطفالاً، من بينها وفاة طبيب وفتاة في الثامنة عشرة نتيجة مضاعفات الإصابة.
ولا يمكن فهم تصاعد الحالات الوبائية بمعزل عن الانهيار الصحي الشامل في غزة، الذي شهد استشهاد 1,243 عاملًا صحيًا منذ بدء الحرب، بينهم 130 طبيبًا و314 ممرضًا. لا يعمل أي مستشفى بكامل طاقته، بينما تعمل 18 مستشفى جزئيًا بإمكانيات متواضعة، وتوقفت 18 أخرى تمامًا، في حين تؤكد منظمة الصحة العالمية أن 94% من مرافق الرعاية الصحية إما تالفة أو دُمِّرت.
ويعكس هذا الواقع تدهورًا حادًا في الخدمات، حيث سجل القطاع 2,142,000 حالة أمراض معدية حتى الآن، وتوفي 1000 مريض أثناء انتظار السفر للعلاج خارج القطاع، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الأساسية، إذ إن 71% من المستهلكات الطبية و52% من الأدوية الأساسية غير متوفرة.
وفي ظل هذا التدهور، تواجه مئات الآلاف من الأطفال والنساء الحوامل نقصًا حادًا في التغذية، ما يضعف المناعة ويزيد من قابلية السكان للأمراض المعدية.
في مستشفيات غزة، يخضع المرضى لمواعيد انتظار طويلة في ظل نقص الأسرّة والأجهزة الطبية، بينما يتحول أي مرض بسيط إلى تهديد حياة بسبب ضعف الجهاز المناعي الناتج عن الجوع والبرد وسوء التغذية.
يقول أحد الأطباء العاملين في قسم الطوارئ: "نحن في معركة يومية ليس فقط مع المرض، بل مع ضعف الموارد، وكأن جزءًا من المعركة التي نخوضها الآن يتم داخل جسم غزة نفسه."
بدوره، حذر أبو سلمية من أن استمرار الحصار وتراجع دخول المساعدات الطبية واللقاحات قد يدفع المنظومة الصحية إلى المزيد من الانهيار، وقال إن "كل مؤشرات المرض والوفيات ترتفع بشكل مستمر، ولن نتمكن من احتواء هذا الوضع بدون دعم فوري ومتواصل".
وينتهي السؤال هنا عند قدرة النظام الصحي المدني في غزة على تحمل موجات وبائية جديدة وسط بيئة إنسانية حادة، وسط دعوات محلية ودولية لتوفير امدادات طبية عاجلة وتحسين الوصول إلى المساعدات قبل تفاقم الأزمة أكثر.