في غرفة تعلوها همسات الهواتف الذكية ونقرات على لوحات المفاتيح، تجلس روان حماد وسط ما يشبه "الواحة الرقمية" المؤقتة في مدينة غزة. كلمتها تلخص واقع جيل كامل: "لقد انقلبت حياتنا رأساً على عقب، فتغير كل شيء والتعليم لم يعد متاحاً".
أكثر من عامين مرا على حرمان 745 ألف طالب وطالبة في غزة من دخول فصولهم الدراسية، من بينهم 88 ألف طالب في التعليم العالي علقت أحلامهم فجأة. ويبدو المشهد خلف الكلمات أقوى، حيث تكشف تقارير أممية أن أكثر من 95% من مباني المدارس في قطاع غزة، إما مدمرة أو تحتاج إعادة بناء، فيما لحقت أضرار جسيمة بـ 79% من مباني الجامعات.
وسط هذا الدمار المادي والمعنوي، يحاول الطلبة التشبث بخيوط أمل رفيعة. تقول زهراء العوضي، طالبة دراسات عليا، وهي تصف إحدى الفضاءات التعليمية المؤقتة: "هذه الخدمات لا تقدر بثمن... أصبح في إمكاني تقديم امتحاناتي عبر الإنترنت من دون القلق بشأن تأمين الاتصال بالإنترنت أو انقطاع الكهرباء".
هنا، وفي ظل غياب أي أفق لإعادة الإعمار المادي القريب، تبرز محاولات لحفظ ما تبقى من نظام تعليمي. دعم اليونسكو يأتي كرد فعل على هذه الكارثة الإنسانية والتعليمية، وليس كمبادرة نخبوية. فبدلاً من انتظار إعادة بناء الجدران، يجري تشييد جدران افتراضية.

إحدى أبرز هذه الآليات هي "جامعة غزة الافتراضية" التابعة لليونسكو، التي تهدف في مرحلتها الأولى إلى تمكين 20 ألف طالب جامعي من استئناف دراستهم، مع خطط لتوسيع نطاقها ليشمل جميع الطلبة الجامعيين في القطاع.
من الناحية العملية، فالنموذج فريد: منصة رقمية موحدة تسمح للجامعات المختلفة بإعادة إنشاء بيئتها الأكاديمية بشكل افتراضي، مما يمكنها من الاستمرار في العمل ويمكن الطلبة من التعلم التفاعلي والتقييم.
لكن التعليم عن بعد، رغم ضرورته، "لا يعوض الخبرة الجامعية الشاملة" كما تقول اليونسكو. لذلك، تعمل فضاءات التعلم المؤقتة في غزة وخان يونس ودير البلح على سد هذه الفجوة. فهي لا توفر الاتصال الموثوق بالإنترنت والموارد الرقمية فحسب، بل تقدم دعماً نفسياً واجتماعياً وتعيد للطلاب شيئاً من روح الحياة الجامعية المفقودة.
أحد الطلبة يعبر عن هذا الشعور: "أعادت إلي الشعور بأنني موجود في بيئة جامعية حقيقية، وهو أمر افتقدته منذ بدء الحرب".
تؤكد روان حماد على الحاجة الماسة لهذه الفرص: "يحتاج العديد من الطلبة إلى الحصول على الفرصة التي أحظى بها حالياً وهم يحلمون بها، ويتطلع كثيرون إلى العودة إلى الحياة الجامعية".
يقدر الأستاذ الجامعي محمد خليل، وجود جهود أممية لترميم الواقع التعليمي في غزة، معتبراً أن هذه الفضاءات لا تعيد الأمل فقط للطلبة، وإنما تعالج الأزمة التعليمية التي تعطلت قسراً بفعل الحرب.
وقال إن مثل هذه الفضاءات التعليمية التي توفرها اليونسكو، تعيد إعمار قطاع التعليم ولو بشكل تدريجي، غير أن المسألة لا تغني بشكل أو بأخر عن التعليم الوجاهي الذي أثبت كفاءته على مدار السنوات الماضية.
وهذه الجهود، رغم ضخامتها، تظل محاولة لإنقاض ما يمكن إنقاذه في وجه دمار هائل. إنها نموذج طارئ لكيفية استمرار التعليم في زمن الانهيار، يركز على تمكين المؤسسات الأكاديمية المتبقية ودعم الطلبة مباشرة.
الخطوة التالية، كما تعلن اليونسكو، هي توسيع نطاق هذه الخدمات لتصل إلى كل الطلبة المحرومين، في محاولة أخيرة للحفاظ على حقهم في التعلم وبناء مستقبل، حتى وهم يجلسون فوق أنقاض حاضرهم.