في الغرفة يقبع اثنا عشر نزيلاً لاجئًا، أغلبهم من قارة أفريقيا. كل سرير مفصول بمساحة تقدّر بمترين ونصف، مفصول بحائط حديدي بطول مترين، أي أنّ الجميع في نفس الغرفة، لكننا نشترك في الإنارة والفضاء معًا.
على يميني، بعد ثلاثة أسرَّةٍ، يقبع رجل لاجئ من نيجيريا، تحدث مع أولاده زهاء نصف ساعة، لم أفهم لغته؛ لغة سريعة كالخوف، جُمل طويلة يتحدثونها بلا انقطاع أو استراحة، ما يسبب لي شيء من التوتر، بعد أن ينهي الرجل مكالمته، يخفض صوته، فتأتي من ناحيته تمتمات بلغة مختلفة عن السابقة، قريبة إلى الإنجليزية، أفهم من سياقها أنّها دعوات أو قراءات دينية.
أما على الطرف الآخر من الغرفة، يوجد رجل من الصومال، يتحدث لغة غير مفهومة لي، لكنه عندما يُحادث أطفاله يتكلم العربية بلكنتهم الخاصة، وبعد أن يُنهي المكالمة يبدأ بالدعاء بصوت خافت لكنه مسموع لكل الغرفة، فنحن نشترك في فضاء واحد.
كل يوم تقريبًا، أطرق سمعي للهمسات الواردة من اليمين واليسار، ترانيم مسيحية ومسلمة، تناغم من الوداعة، يصعد إلى رب واحد.
وأنا، الذي أشبههم في الخسارات، وأشاركهم فضاء الغرفة واتساع اللغة، أجلس بينهم وأتساءل: كم ضاقت البلاد بأهلها فدفعتهم من دفء الشمس إلى صقيع المنافي؟
لا لذنبٍ اقترفوه، بل لأن هناك من أراد أن يملك إرادة الله، فخسر الناس بسببهم أوطانهم، فتشتت شملهم، وراح كلٌّ منهم يحمل إيمانه ويبحث في الصقيع عن دفءٍ كان يومًا ما أوطانهم.