تُعطي الآلةَ نصَّك للتدقيق، فتردّه إليك أجوَد ممّا كان: لا أخطاء إملائية ولا مطبعيّة، ولا جُمل ركيكة، ولا تراكيب مُتعثّرة. تقرأه فتطمئنّ للحظات، لكن سرعان ما تشعر بأنّ شيئًا ما نُزِع من النصّ. المعنى كلّه موجود، لكن بصمتك اختفت.

وهذا بالضبط ما رصدته دراسة تحليلية أجرتها جامعة جنوب كاليفورنيا، وتناولت أثر إعادة الكتابة بالنماذج اللغوية في تقليص تباين أساليب الكتابة، من دون تغيير المعنى العام. وتُشير نتائجها إلى أنّه قد يصعُب تمييز دلالات مهمّة حول هوية كاتب النصّ من اللغة المُعادة صياغتُها بنماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي التفاصيل، تلفت الدراسة إلى أنّ الناس يعبّرون عن أفكار متشابهة بطرق مختلفة، وفي اختلافها أثرٌ لشخصياتهم وحالتهم النفسية وخلفياتهم. أما الذكاء الاصطناعي فيطمس هذه الآثار، ويُنتج تجانسًا لغويًا: نصوصًا متشابهة بأسلوب موحّد يبدو مثاليًا لأول وهلة.

وهذا يعني أنّ الخطر الأكبر على اللغة ليس الخطأ الذي نُصوّبه، بل الأسلوب الذي يتلاشى بعد التصويب. فكيف نحمي لغتنا العربية من الرتابة التي تنزع من نصوصنا الرّوح، وتمحو مع الأخطاء التي نصحّحها بصمتنا البشرية الفريدة؟

فقر في المحتوى

النماذج اللّغوية المُرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتعلّم مما تجده، وما تجده من العربية على الإنترنت قليل، فالعربية لغة المحتوى في 0.6% فقط من المواقع على الشبكة. وبحسب المختصّ في الذكاء الاصطناعي هاني البطش، تُوجد فجوة في البيانات العربية عالية الجودة في الفضاء الرقمي، ونقص في النصوص المُشكّلة اللازمة لتدريب النماذج اللغوية والصوتية، وهذا من أهم أسباب ضعف أداء تلك النماذج.

ويكمن الخطر، كما يقول البطش في تقرير لمجلة «المجلة»، في تضليلٍ معرفيّ مُحتمل، بالإضافة إلى التطبيع التدريجي مع الأخطاء اللّغوية، لا سيما أنّ النصوص العربية غير المُشكّلة على الإنترنت تتجاوز نسبتُها 90%. كما تمتدّ لغتنا إلى عشرات اللّهجات، مما يخلق التباسًا في الفهم والنطق والمعنى عند إعادة توليد النصوص.

واتفق معه الخبير في حوسبة اللغة العربية مأمون الحطّاب، الذي يرى المحتوى الرقمي العربي فقيرًا وتغلُب عليه العاميّة والرَّكاكة. لذا تعيد النماذج إنتاجه بالركاكة ذاتها، وبتوقّع إحصائيّ لا بمنطق النحو والضوابط الدلالية، فتنتج «هلوسة لغوية»: نصوصًا مُنسابةً شكلًا، مُفخّخةً في بُنيتها بأخطاء إعرابية وتشوّهات دلالية. وذهب إلى أبعد من هذا، فاعتبر تضخّم المحتوى المُولَّد «اختبارًا لصمود الهوية اللغوية العربية».

ويُفاقم المخاطرَ، وفق التقرير ذاته، تأخّر إدراج العربية في كُبرى المنصّات وتهميشها، ما يرفع احتمالات الخطأ المعرفي ويعزّز مظاهر التبعية الرقمية، فالنماذج الذكية طُوِّرت في الأساس على منطق لغات أخرى، وتُضاف إليها العربية كلاحقة. وهذا يُهدد بتسرّب الثقافة العربية من النصوص المُولّدة، وقد يجعلنا نشعر خلال قراءتنا لهذه النصوص كأنها عربية مترجمة.

مخاطر مزدوجة

ماذا تفعل نماذج التوليد باللغات؟ صُمّمت للتنبؤ بالكلمة التالية بناءً على الأنماط الأكثر شيوعًا، فتميل إلى المركز وتتجنب الكلمات النادرة التي تُميّز أسلوب إنسان عن آخر. ولهذا تتشابه نصوصنا وتتسطّح، وتتكرّر افتتاحيات مثل «في عالمٍ يتسارع… إنّه ليس مجرّد… لم يكن وليد الصدفة…» وغيرها من الأنماط، والكلمات الركيكة التي بات الخبراء يدعون إلى تجنّبها.

عندما تُوحّد أنظمة الذكاء الاصطناعي التعبير البشري، فهي تُخاطر بتسطيح تنوعنا المعرفي الذي يُحرّك الذكاء الجماعي، وهذا ضمن ما خلُصت إليه الدراسة المُذكورة آنفًا، التي تُركّز على نصوص إنجليزية، وترصد في نصوص الآلة طرقًا متشابهة في التعبير، تبدو كأنّ كاتبها شخص أكبر سنًا، ذكر، ليبرالي سياسيًا، أكثر اهتمامًا بالأخلاق وأقل تعاطفًا، في إشارة إلى تماثل الأنماط.

ويلفت مرتضى دهقاني، المشرف على الدراسة، إلى مُعطى مهمّ وخطير، وهو أنّ الناس باتوا يعتادون هذا النمط اللغوي «المتوقع جدًّا»، حتى إنّ من لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي بدأوا بتقليده لكتابة أكثر رصانة وقوة. وينبّه إلى أنّ الكتابة الإبداعية فقدت أكبرَ قدرٍ من التباين، تليها الأكاديمية؛ في حين كانت الكتابة الإخبارية أكثر مقاومة، ربما لأن غرف الأخبار تفرض بالفعل أنماطًا متسقة.

عربيًا، يُسمّي أستاذ اللّسانيات عيسى برهومة هذه الظاهرة «تطبيعَ الانحراف»، أي انتشار الأنماط الركيكة حتى تُصبح كأنها الصواب، كما يُوضّح في حديثه إلى تقرير «المجلة» ذاته. فالدماغ يعتاد ما يتكرر عليه ويألفه، فنكتب مثله دون وعي وتضيع بصمتنا.

إلى هنا، نفهم لماذا نشعر بالملل تجاه كثير من النصوص التي نقرأها: صحيحة بليغة، لكن بلا روح ولا بصمة خاصة، كما تصف الصحفية التقنية أماندا كاسويل، خلال سرد تجربتها، لموقع «تومز جايد» (Tom's Guide). وهذا يأخذنا إلى أهمّ ما استدعى كتابة هذا التقرير، وهو حماية لغتنا، والالتفات إلى ما تعجز عنه الآلة، لتعزيزه وتغذيته باستمرار.

أسلوبك وبصمتك وشخصيّتك، وهي ما ينعكس في نصوصك، تتشكّل مما لا تجده في أي نصٍّ آخر لم تكتبه أنت، ولا تستطيع الآلة محاكاته: تجربة عايشتها، أو وصفك لرائحة أو شعور أو مشهد. ففي المجهود والوقت اللذين نبذلهما في الكتابة قيمةٌ نتعلّم بها كيف نُفكّر ونُعبّر ونسرد ونُحلّل ونربط ونستنتج.

كيف نحمي بصمتنا؟

لكن، كيف نحمي لغتنا المُتفرّدة وأسلوبنا البشريّ العزيز، خلال استخدامنا لنماذج الذكاء الاصطناعي، كي لا نفقد كلّ ما سبق؟

أولًا: اكتب المسوّدة الأولى بنفسك: لا تطلب من النموذج توليد النصّ من الصفر، إذ وجدت دراسةٌ أنّ من يعتمدون على نصوص مولّدة من الصفر بالآلة يُنتجون قصصًا أقل تنوعًا وأكثر نمطيةً؛ في مقابل انخفاض النمط الموحّد في النصوص الناتجة عن المُشاركة المتكررة مع النموذج، بالتصويب والتجويد المستمرَّين للتحكم في المُخرَج النهائي.

ثانيًا: اعتمد على الآلة للمعالجة لا للهوية: وهذه قاعدة مهمة لغرف الأخبار على وجه الخصوص؛ بحسب مقالٍ منشور في صحيفة مكّة. فالتلخيص والبحث الأوّلي والمقارنة وتحليل الوثائق والتدقيق واقتراح البدائل مهامٌّ يُمكن أن تُوكِلها إلى الآلة، لكن الزاوية والتحقّق والمُقابلات والسياق والاستنتاج الصحفي والصّياغة المُميَّزة وضبط التوافق مع الخط التحريري، فهذه مهامّ لك أنتَ حصرًا، ومن غير المهني تركُها للآلة.

ثالثًا: اطلب الملاحظات لا النص: لا تطلب من الأداة تدقيق نصّك وإعادته إليك، ففي هذه الخطوة بالذات تُمحى البصمة. اطلب قائمة بالأخطاء والمواضع الملتبسة دون تعديل، ثم صحّحها أنت بأسلوبك. ولا تعتمد على الآلة وحدها لتقييم نصّك؛ فنماذج الذكاء الاصطناعي لا تزال تنطوي على جوانب ضعف في هذا السياق، وبخاصةٍ في العربية، بحسب دراسة صادرة عن جامعة الملك سعود.

رابعًا: درّب أذنيك: فالقراءة المتواصلة للعربية الجزلة الأصيلة تبني في ذهنك قالبًا لغويًا متينًا تُبدع حين تحاكيه. اقرأ بصوت عالٍ، وقارن مسوّدتك بتلك النصوص.

خامسًا: اكتب ما تعجز عنه الآلة: موقفًا رأيتَه، أو كلمةً سمعتَها بلهجة أهلك، أو مَثَلًا شعبيًا اعتدتَ سماعه من جدّتك، أو ذكرى تسترجعها، أو مشاهدَ من الميدان.

ونختم بما تقترحه شبكة "كليم" العربية: أربع عادات بسيطة لاستعادة لغتنا، هي: قراءة كتب التراث لملاحظة جمال اللغة وإيجازها، وحفظ مقاطع ذات أسلوب أصيل، ومُطالعة المعاجم لاكتشاف كلمات ومرادفات جديدة، والاستماع إلى الشعر وحفظ ما نحب من القصائد.