يستذكر أحمد شاهين كيف انهالت عليه المواسير الحديدية خلال شجار لم يكن طرفًا فيه، لكنه تدخل بدافع ما يُعرف بـ"الفزعة" بين المتخاصمين. وبعد فض الشجار، هاجمته العائلة الأخرى في وقت لاحق بعنف، حتى ظنوا أنه فارق الحياة. وفور وصول شقيقه محمد، تعرض هو الآخر للطعن بالسكاكين، ليفارق الحياة على الفور، فيما كان جسده مسجّى فوق شقيقه أحمد، الذي أُصيب بجروح بليغة في أنحاء جسده.

يقول، وصورة الحادثة لا تفارق مخيلته: "كان الشجار في 27 رمضان الماضي، كنت جالس في مكان عملي، وإذا بشاب (من عائلة معينة) يهجم على جاري على بسطة الدخان الخاصة به بسبب خلاف على 20 شيكل مهترئة، وبعد فترة وجيزة جاء مع 14 شخص من عائلته ليهجموا على جاري ثانية، تنحيت للوراء وإذا بهم يهجمون عليَّ."

يردف: "أتى شقيقي محمد، عمره 39 وأب لثلاثة، ليحميني، وإذا بهم يطعنونه 4 طعنات في القلب والظهر، وأنا غبت عن الوعي بعدما أخذت طعنة في اليد، وكان عندي كسر في الجمجمة، وأخي مات فورًا، وبعد 9 أيام استيقظت لأعلم ما حدث لأخي".

ويوضح أن عائلته تقدمت بشكوى ضد العائلة المعتدية، وأُوقف اثنان من أبنائها وما زالا قيد الاعتقال، وتوجهوا للعشائر التي أكدت لهم انتظار ما سيصدر عن القضاء، مؤكدًا أنه لا حق يضيع، وأن النيابة العامة لا تزال تعمل في ملف القضية.

بعد الحادثة، التي راح ضحيتها محمد شاهين، قرر ابن العائلة ماجد شاهين إطلاق مبادرة تهدف لحقن الدماء بعدما رأى ارتفاعًا في وتيرة العنف واستخدام السلاح في غزة، يقول: "سنعقد في مقر لجنة الإصلاح الوطنية في شمال غزة اجتماعًا مع رجال الإصلاح للتوقيع على ميثاق شرف يلتزم به كل المخاتير وكبار العائلات، يمنع استخدام السلاح بأنواعه تحت أي ظرف في المجتمع الغزي".

وفي 30 مايو، وتحديدًا في حي الزيتون شرق مدينة غزة، كان السكان يتجهزون لتعبئة جالونات المياه، حين نشب شجار فجائي أودى بحياة حسام هاني السكافي (32 عامًا). وتحولت ساحة تعبئة المياه العذبة، التي يقصدها السكان يوميًا، إلى ساحة دماء. وأصدرت عائلة الضحية بيانًا أكدت فيه أن ما جرى هو "جريمة قتل واعتداء وحشي".

في الوقت نفسه، تحدثت منشورات محلية عن الحادثة، وأفادت أنّ الخلاف نشأ على خلفية تعبئة المياه المحلاة. تكشف حالة حسام وجهًا آخر لأزمة المياه لا يظهر في الأرقام؛ فحين يصبح المورد النادر سببًا للنزاع، قد يتحول الوصول إليه إلى مدخل للعنف.

فراغ أمني

وأُعلن في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 عن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لكن لم يتمكن القطاع من استعادة منظومة مؤسسية قادرة على ضبط الحياة العامة بالفاعلية التي كانت عليها قبل الحرب، ومع استمرار الفراغ في عمل القضاء وأجهزة إنفاذ القانون، وتواصل الاستهدافات الميدانية التي طالت أفرادًا من الشرطة وأعاقت قدرتها على أداء مهامها، تصاعدت مظاهر العنف المجتمعي، من الاعتداءات الفردية إلى النزاعات التي تُحسم خارج الأطر الرسمية. وفي ظلّ ضعف القوى الشرطية إثر استهدافها، باتت العائلات والوجهاء والمبادرات المحلية تتدخل لاحتواء الخلافات، فيما تبقى نزاعات أخرى بلا تسوية أو مساءلة، يصر فيها الطرف الذي يعتبر نفسه مظلومًا على الثأر.

هذا الواقع يطرح أسئلة لا تزال مفتوحة: من يحمي المدنيين عندما تقع جريمة؟ ومن يحقق فيها ويحاسب مرتكبيها؟ وإلى أي مدى أسهم ضعف إنفاذ القانون في انتشار السلاح وتطبيع الاعتداء كوسيلة لحل النزاعات؟ وكيف أثرت الاستهدافات الإسرائيلية وتضرر مراكز الشرطة على قدرة الجهات المدنية على استعادة دورها في ضبط الأمن؟

المواطن حسين ناصر واحد ممن تعرضوا للعنف ويقول إنه لا يزال يشهده في كل شجار يندلع في حضرته، يقول: "العنف ليس وليد الحرب، كنا نراه بين الأزقة لكن الأمر كان ينتهي بتدخل من كبير لينتهي الأمر في أغلب المواقف، لكن اليوم الكبير هو من يشجع الصغير على ممارسات تخالف نطاق الأدب، مثلًا كنت أسير في شارع الميناء نحو بيتي وإذا بطفل لا يتجاوز 15 عامًا يشتم النساء المارات دون سبب، قلت له عيب عليك، فصار يصرخ وينكر فعلته، ونادى والده الذي هجم عليَّ وكان على وشك قتلي فعليًا لولا تدخل الناس".

يضيف: "في المرة الثانية كنت على عجلتي وكان اثنان يتناقشان ثم اختلفا في الرأي، ليخرج الرجل سلاحه ويصير يهدده ويقول له: "ألا تعرف من أنا؟"، صعقنا من ردة الفعل وخفنا كلنا، حتى السيدة الجالسة بجانبي قفزت من عجلتها من خوفها، ولولا تدخل الناس لأطلق من سلاحه رصاصة ربما قتلت الشاب، اليوم صار قتل شخص أسهل ما يكون، لا ضبط ولا أمن ولا شرطة".

غياب الأرقام

وفي ظل تزايد التساؤلات حول أعداد ضحايا العنف المجتمعي في غزة وأنواعه، لا توجد إحصائية رسمية شاملة ومتاحة، وهذا ما يؤكده الباحث في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان محمد سرور، إذ يقول إن أي مؤسسة حكومية أو أهلية لم تتمكن، بحسب علمه، حتى الآن من تقديم حصر شامل لحالات القتل التي وقعت خلال سنوات الحرب.

ويوضح أن مثل هذه الانتهاكات يفترض أن تُفتح بشأنها تحقيقات بأمر من النيابة العامة، إلا أن الواقع في غزة مختلف، إذ إن النيابة في كثير من الحالات لم تكن على علم أصلًا بوقوع جرائم قتل، ولم تصلها بلاغات أو تفاصيل الحوادث.

ويشير إلى تعدد أنماط جرائم القتل، فتشمل جرائم قتل مع سبق الإصرار، وأخرى وقعت خلال شجارات، إلى جانب حالات قُتل فيها أشخاص أثناء محاولتهم الدفاع عن ممتلكاتهم، مبينًا أن بعض المواطنين قد يترددون في تقديم الشكاوى أو متابعتها بسبب ضعف الثقة في الوصول إلى نتيجة.

وعند سؤاله، كيف أثر استمرار الفراغ المؤسسي وضعف إنفاذ القانون على حق المدنيين في الحماية والوصول إلى العدالة؟ أجاب سرور: "هذا يعني عمليًا أن المواطن صار يواجه مخاطر أكبر، دون قدرة للمؤسسات التي يُفترض أن تحميه على التدخل والمساءلة، وهنا تبدو الفجوة الخطيرة التي تكمن بين وقوع الانتهاك وبين الوصول للعدالة".

ويوضح سرور أن الهيئة ترصد من خلال الشكاوى والرصد والتوثيق أنماطًا متعددة من الانتهاكات، بما في ذلك المساس بالسلم الأهلي والحرية والأمان الشخصي، وسوء المعاملة، والتعسف في استعمال السلطة، إلى جانب انتهاكات تمس الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية، لكن المتغير بعد الحرب هو حجم التعقيدات التي فرضتها ظروف الحرب، إذ أصبحت المؤسسات غير قادرة على التدخل الفعلي في العديد من القضايا.

وعن الآليات الرسمية لتقديم الشكاوى من قبل المواطنين، يشير سرور إلى أن الهيئة تستقبل شكاوى المواطنين وتتابعها مع الجهات ذات العلاقة ضمن ولايتها، لكن وجود آلية للشكوى لا يعني بالضرورة الوصول إلى العدالة؛ إذ تأثرت قدرة المؤسسات على استقبال الشكاوى والتحقيق فيها والوصول إلى نتائج فعالة بتضرر المؤسسات الحكومية والبنية التحتية، وصعوبة الوصول، ونقص الموارد، والظروف الميدانية والأمنية.

حاولت مراسلة "آخر قصة" مع مدير وحدة المعلومات في وزارة الصحة زاهر الوحيدي للحصول على أعداد ضحايا العنف في غزة، لكنه رد بالقول: "راجعي وحدة العلاقات العامة والإعلام في وزارة الصحة". فتوجهت المراسلة إلى العلاقات العامة في الوزارة، التي أكدت أن حصر ضحايا العنف في غزة ليس من اختصاصها، بل من اختصاص وحدة الشرطة؛ وعليه توجهت المراسلة لوزارة الداخلية، -قبل نحو أسبوعين- وأُبلغت بأنها ستتلقى ردًا في أقرب وقت، لكن حتى لحظة كتابة التقرير لم يصل أي رد.

سدّ الفراغ

وفي هذا الإطار، يقول المفوض العام للعشائر الفلسطينية في قطاع غزة عاكف المصري إنه مع غياب مؤسسات إنفاذ القانون الرسمية وجدت العشائر الفلسطينية نفسها خط الدفاع الأول لحماية السلم الأهلي والمجتمعي، وتدخلت خلال أعوام الحرب في آلاف القضايا المختلفة، تشمل تقديرات بمئات النزاعات الكبرى، كالخلافات المرتبطة بالدماء والاعتداءات الجسيمة، والقضايا اليومية والمدنية التي يتم حلها بالطرق العرفية و"العطاءات" لمنع تفاقم الأمور.

ويؤكد المصري أن العشائر هي حل مؤقت لضرورات المرحلة ريثما تعود مؤسسات الدولة، وهناك قضايا رُفض التدخل بها لأن طبيعتها الجنائية أو القانونية البحتة تتطلب قضاء نزيهًا ومحاكم رسمية لا يمكن الاستعاضة عنها بالأعراف، مثل بعض قضايا الفساد المنظم، أو الجرائم التي تتطلب أدلة فنية وتحقيقات جنائية دقيقة لا تملكها العشائر، مع توجيه أطراف النزاع بحفظ حقهم القانوني لحين توفر حل قريب.

وفيما يتعلق بمحاولات العشائر المشاركة في إطار تنظيمي للجهات الرسمية، يقول المصري: "اقترحنا إعادة تفعيل مراكز الشرطة والمحاكم، وطرحنا صيغًا تنظيمية مؤقتة كوجود مقار مؤقتة للعمل للقضايا الطارئة، يمكن من خلالها أن تساند العشائر الجهات الرسمية لضبط الأمن، وكان الرد الإيجابي والتأكيد على ضرورة عودة المؤسسات، إلا أن الدمار الهائل في البنية التحتية كان عائقًا".

ويحذر المصري من أن استمرار الفراغ المؤسساتي لفترة أطول سيجعل الجميع أمام كارثة مجتمعية، إذ سيتحول الحل العشائري من "دور إسنادي مؤقت" إلى "بديل دائم هش"، وهذا ما لا نريده؛ لأن العرف العشائري مهما كان عادلًا لا يمكنه أن يغني عن سيادة القانون، والمؤسسات القضائية، وقوة الشرطة الرسمية.

عدالة معطّلة

أما من جهة قانونية، يقول المحامي حماد ضهير إن المسار القانوني في غزة لم يسقط، وما زالت هناك رغبة كبيرة لدى المواطنين في استخدام القانون والقضاء، لكن الفرق أن فعالية هذا المسار أصبحت متفاوتة بحسب نوع القضية ومكان وقوعها وإمكانية الوصول إلى المؤسسات المختصة.

ويؤكد ضهير أن المشكلة الأساسية اليوم ليست في غياب القانون، بل في ضعف القدرة المؤسسية على تطبيقه بصورة منتظمة وسريعة وفعالة، إذ يجب التفريق بين وجود النص القانوني من جهة، وقدرة المؤسسات القائمة على إنفاذه من جهة أخرى. فالمواطن قد يمتلك حكمًا أو حقًا قانونيًا واضحًا، لكن الوصول إلى النتيجة العملية لهذا الحق قد يستغرق وقتًا طويلًا أو يصطدم بعقبات ميدانية وإدارية وأمنية، وذلك في كلا الشقين، سواء في المحاكم النظامية أو في المحاكم الشرعية.

وعند سؤاله، ما أنواع القضايا أو الحقوق التي أصبحت أكثر عرضة للضياع أو التعطيل في ظل الواقع الحالي؟ يجيب المحامي ضهير: "حقوق الملكية والأراضي والسكن، والحقوق المتعلقة بالوثائق المدنية. حقوق الأطفال والأيتام والمفقودين، وهذه من أكثر الملفات حساسية، خصوصًا عندما يكون هناك غياب أو وفاة أو فقدان لأحد الوالدين. حقوق النساء، وخاصة الأرامل. الحقوق المالية والتجارية. ضحايا الجرائم والانتهاكات التي يتمثل خطرها في ضياع الأدلة بمرور الوقت، سواء بسبب تدمير أماكن وقوع الأحداث أو فقدان الوثائق أو عدم القدرة على الوصول إلى الشهود، وهو ما قد يؤثر مستقبلًا في إمكانية التحقيق".

ويرى ضهير أن التحدي لن يكون فقط إعادة بناء المحاكم ومراكز الشرطة، بل إعادة بناء الثقة في منظومة العدالة نفسها، واستعادة الوثائق، وحماية الأدلة، وتوفير المساعدة القانونية، وضمان أن يكون اللجوء إلى القضاء متاحًا للفقراء والنازحين والنساء والأطفال كما هو متاح لغيرهم، والأهم أن مرحلة ما بعد الحرب يجب ألا تتعامل مع العدالة باعتبارها ملفًا ثانويًا أمام ملفات الإغاثة والإعمار، لأن غياب العدالة أثناء إعادة الإعمار قد ينتج نزاعات جديدة حول الأرض والسكن والميراث والملكية والتعويضات.

قد يكون الصلح المجتمعي وسيلة إيجابية لتسوية بعض النزاعات المدنية والاجتماعية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن العدالة الجنائية أو النظام القضائي، وفقًا لضهير، خصوصًا في الجرائم الخطيرة، ولا أن يُستخدم للضغط على الضحايا للتنازل عن حقوقهم. كما أن ضعف إنفاذ القانون قد يجعل مكانة العائلة أو قوتها الاجتماعية عاملًا في الحصول على الحقوق، بما يهدد مبدأ المساواة أمام القانون ويزيد من هشاشة الفئات الأضعف، كالنساء والأطفال والأيتام.

أثر اجتماعي

ومن ناحية اجتماعية، يقول المختص الاجتماعي عرفات حلس إن العنف المجتمعي ظاهرة موجودة في كل المجتمعات، لكنها ترتفع أو تنخفض بحسب قوة آليات الضبط الاجتماعي، وأن تراجع الضوابط الاجتماعية والرقابة الشرطية، إلى جانب ضعف دور المؤسسات الرسمية والتكتلات المجتمعية والعشائرية، أدى إلى زيادة التوتر والفوضى، عدا عن أن انتشار السلاح يولّد العنف، والقتل يولّد القتل.

ويوضح أن تضرر هذه الآليات لا يقتصر أثره على من يرتكبون العنف أو يتعرضون له مباشرة، بل يطال المجتمع بأكمله، مع تأثير أكبر على الأطفال والشباب، الذين يعيشون في بيئة مشبعة بالخوف والعنف.

ويرى حلس أن تكرار مشاهد العنف وفقدان الإحساس بالأمان يترك آثارًا نفسية عميقة، ومواجهة هذه الظاهرة تتطلب إعادة بناء منظومة الضبط الاجتماعي تدريجيًا، بدءًا من الأسرة، إلى جانب تفعيل دور المؤسسات التعليمية والإعلامية والجهات المختصة في التوعية بمخاطر العنف وتعزيز ثقافة الحوار وحل النزاعات.

على الرغم من تعدد حالات القتل والمشاجرات والاعتداءات التي شهدها القطاع خلال الحرب وما بعدها، لم تتمكن الجهات الرسمية من تقديم إحصائية شاملة لضحايا العنف المجتمعي، إذ يكشف هذا الغياب جانبًا آخر من أزمة إنفاذ القانون؛ فلا يقتصر أثر تضرر المؤسسات على ضعف القدرة على التدخل، بل يمتد إلى صعوبة توثيق الجرائم وقياس حجم الظاهرة ووضع سياسات للحد منها.

ويبقى السؤال حاضرًا: من المسؤول عن توثيق الحوادث بالأرقام في ظل الوضع الحالي؟ من المسؤول عن متابعة الحوادث بشكل دوري في ظل ضعف القوة الشرطية؟ وإلى متى ستظل المؤسسات غير قادرة على الحصر والتدخل؟